وقال أبو الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى: توفى القاضى الباقلانى سنة أربع وأربعمائة.
وقد نقل القاضى عياض في " ترتيب المدارك " ما حكاه الخطيب، ثم قال: " ووجدت عن غيره: سنة أربع، أيام بهاء الدولة، والخليفة القادر بالله، وهذا خطأ والاول أصح ".
وقد صلى على الباقلانى ابنه الحسن، وكان شابا مرجوا، واخترمته المنية بعد أبيه.
ودفن القاضى في داره، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب، في تربة بقرب قبر أحمد بن حنبل، ونقش على شاهد تربته ما نصه: " هذا قبر القاضى الامام السعيد، فخر الامة، ولسان الملة وسيف السنة، عماد الدين، ناصر الاسلام، أبى بكر: محمد بن الطيب البصري، قدس الله روحه، وألحقه بنبيه محمد صلوات الله عليه وسلامه، ويزار ويستسقى ويتبرك به ".
وقد حضر أبو الفضل التميمي الحنبلى (341 - 410) يوم وفاته العزاء حافيا مع إخوته وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدى جنازته: " هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذى كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذى صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين ".
وقعد للعزاء ثلاثة أيام فلم يبرح وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار.
وكان يزورها أيضا للترحم عليه أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد بن على المقرئ (370 - 451) وأبو علي: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان (339 - 426) وأبو القاسم: عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفى (355 - 435) .
وقد رثى الباقلانى بعض الشعراء فقال: انظر إلى جبل تمشى الرجال به * * وانظر إلى القبر ما يحوى من الصلف وانظر إلى صارم الاسلام منغمدا * * وانظر إلى درة الاسلام في الصدف
فصل / في ذكر البديع من الكلام إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه[1]من البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظاً نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوا عنه، ليكون الكلام وارداً على أمر مبين، وباب مقرر مصور (2) .
ذكروا: أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره: (واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (3) .
وقوله: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلّيٌّ حكيم) (4) .
وقوله: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (5) وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هُم مُّظْلِمُونَ) (6) .
وقوله: (أَوْ يأتيهم عَذَابُ يَوْمٍ عقيم) (7) .
وقوله: (نور على نور) (8) .
/ وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة، كقوله: (ولكم في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (9) .
وفي الألفاظ الفصيحة، كقوله: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيَّاً)[10].
وفي الألفاظ الالهية، كقوله: (وله كل شئ) (11) .
وقوله: (وَمَا بِكُمْ من نعمة فَمِنَ اللَّه) (12) .
وقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوُمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (13) .
* * *
[1]س: " ما يتضمنه " (2) س: " مبين مقرر وباب مصور " (3) سورة الاسراء: 24 (4) سورة الزخرف: 4 (5) سورة مريم: 4 (6) سورة يس: 37 (7) سورة الحج: 55 (8) سورة النور: 35 (9) سورة البقرة: 179.
[10]سورة يوسف: 80 (11) سورة النمل: 91 (12) سورة النحل: 53 (13) سورة غافر: 16 (*)
كتاب إعجاز القرآن وهو أول كتب الباقلانى نشرا، وأشهرهم ذكرا، وهو أعظم كتاب ألف في الاعجاز إلى اليوم، وإن كره ذلك بعض المتعصبين على المعهد العتيق.
ولقد حدثنى من أثق بصدق حديثه: أن دارا للنشر والطبع استشارت كبيرا منهم في طبع هذا الكتاب بتحقيقي، فكتب إليها بخط يده يقول: " أنا لا أنصح بطبع كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، لانه ليس أنفس كتاب في موضوعه "! ! ولما لقيت كاتب هذا التقرير العجيب قذفت سامعتيه بهذا التحدي: " دلنى على كتاب واحد في إعجاز القرآن تربو قيمته على كتاب الباقلانى أو تضارعه "! فأبلس ولم يحر جوابا..* * * ذكر الباقلانى في مقدمته أن الذين ألفوا في " معاني القرآن " من علماء اللغة
والكلام، لم يبسطوا القول في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه، مع أن الحاجة إلى ذلك البيان أمس، والاشتغال به أوجب، فهو أحق بالتصنيف من الجزء والطفرة والاعراض وغريب النحو وبديع الاعراب.
وأن ما صنفه العلماء في هذا المعنى جاء غير كامل في بابه، قد أخل بتهذيبه، وأهمل ترتيبه، وقد التمس لبعضهم العذر فيما وقع منه من تفريط، لان بيان وجه الاعجاز " مما لا يمكن بيانه إلا بعد التقدم في أمور عظيمة المقدار، دقيقة المسلك، لطيفة المأخذ ".
وقال: إن الجاحظ " صنف في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ".
ثم قال: إن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات وتزيل الشكوك التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم، من الطعن في وجه المعجزة.
فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب، وذكر أنه أشار إلى ما سبق بيانه من غيره، ولم يبسط القول فيه، لئلا يكون ما ألفه مكررا
ويذكرون من البديع قول النبي صلى الله عليه وسلم " خيرُ الناسِ رجلْ
ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعةً طار إليها "[1].
وقوله: " ربنا تقبل توبتي، واغسل حوبتي " (2) .
/ وقوله: " غلب عليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي حالقة الدين، لا حالقة الشعر "[3].
وقوله: " الناسُ كإبل مائةٍ، لا تجد فيها راحلةً "[4].
وقوله: (وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم "[5].
وقوله: " إن مما يُنبت الرَّبيع ما يقتُلُ حبطاً أو يلم "[6].
وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في كلام له قد نقلناه / بعد هذا على
[1]في الفائق للزمخشري 3 / 223 " الهيعة: الصيحة التى يفزع منها وأصلها من هاع يهيع إذا جبن " (2) الفائق 1 / 306 وقال الشريف الرضى في المجازات النبوية ص 202: " وهذه استعارة، والحوبة والحوب: المأثم، والمراد احطط عنى وزرى وتغمد ذنبي وخطيئتي، ولكن المعصية لما كانت كالدرن الذى يصيب الانسان فيفحش أثره، ويقبح منظره، أقام عليه الصلاة والسلام إماطة وزرها، وإسقاط إثمها مقام غسل الادران وإماطة الادناس، لان الانسان بعدها يعود نقى الاثواب طاهرا من العاب.
وهذا الدعاء من النبي على وجه التعبد والخضوع والتطامن والخشوع، لا أن له حوبة يستحط وزرها ويستغسل درنها، أو يكون ذلك على طريق التعليم لامته ... ".
[3]في الفائق 1 / 290 " هي قطيعة الرحم والتظالم لانها تجتاح الناس وتهلكهم، كما يحلق الشعر، يقال: وقعت فيهم حالقة لا تدع شيئا إلا أهلكته ".
[4]البيان والتبيين 2 / 20 وفى اللسان 13 / 294، 295 " الراحلة كل بعير نجيب قوى على الاسفار والاحمال تام الخلق حسن المنظر ... أراد صلى الله عليه وسلم أن الكامل في الخير والزهد في الدنيا مع رغبته في الآخرة والعمل لها قليل، كما أن الراحلة النجيبة نادرة في الابل الكثيرة ".
[5]الفائق 1 / 261 والمجازات النبوية 121 - 122 وفى اللسان 4 / 130 عن الازهرى:
" أي ما قالته الالسنة وهو ما يقتطعونه من الكلام الذى لا خير فيه، واحدتها حصيدة، تشبيها بما يحصد من الزرع إذا جذ، وتشبيها للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذى يحصد به ".
[6]في اللسان 9 / 140 " الحبط: أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها ولا يخرج عنها ما فيها ".
وفيه 16 / 23 " أو يلم، قال أبو عبيد: معناه أن يقرب من القتل " وفيه 9 / 139 " قال الازهرى: فأما قوله صلى الله عليه وسلم: وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا، فهو مثل الحريص والمفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب التى تحلوليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلك، كذلك الذى يجمع الدنيا ويحرص عليها ويشح على ما جمع حتى يمنع ذا الحق حقه منها يهلك في الآخرة بدخول النار واستيجاب العذاب ".
(*)
وجهه، وقوله لخالد بن الوليد رضى الله عنه: " احرصْ على الموت توهبْ لك الحياة.
وقوله: " فر من الشرف يتبعك الشرف ".
وكقول على بن أبى طالب في كتابه إلى ابن عباس، وهو عامله على البصرة: " أرغب راغبهم، واحلُلْ عُقْدَةَ الخوفِ عنهم ".
وقوله رضى الله عنه، حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " [غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي صلى الله عليه وسلم] إنما قال ذلك والدين في قُلَّ، فأما وقد اتسع نطاق الاسلام، فكل امرئ وما اختار "[1].
وسأل علي، رضي الله عنه، بعض كبراء فارس، عن أحد ملوكهم عندهم؟ فقال: لأردشير فضيلةُ السبقِ، غير أن أحمدهم أنوشروان.
قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة.
فقال علي رضي الله عنه: " هما تَوْأَمانِ يُنْتِجُهُما عُلُو الهمة " (2) .
وقال: " قيمة كل امرئ ما يحسن ".
وقال: " العلم قفل، ومفتاح المسألة " (3) .
وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: " أما بعد، فالحمد لله / الذى فض خَدَمتكم، وفرَّقَ كلمتكم ".
والخدمة: الحلقة المستديرة، ولذلك قيل للخلاخيل، خِدام (4) .
وقال الحجاج: " دلوني على رجل سمينِ الأمانة "[5].
ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي[6]على الخوارج، أرادوه
[1]البديع لابن المعتز ص 20 (2) البديع 21 (3) البديع 21 والصناعتين 213 (4) نقل المؤلف هذا النص بشرحه من كتاب البديع ص 21 وفى اللسان 15 / 58 " فض الله خدمتهم: أي فرق جماعتهم، والخدمة بالتحريك: سير غليظ مضفور مثل الحلقة، يشد في رسغ البعير، ثم يشد إليها سرائح نعله، فإذا انفضت الخدمة انحلت السرائح وسقطت النعل، فضرب ذلك مثلا لذهاب ما كانوا عليه وتفرقه، وشبه اجتماع أمر العجم واتساقه بالحلقة المستديرة، فلهذا قال: فض الله خدمتكم: أي فرقها بعد اجتماعها ... ".
[5]البديع 22 وفي الصناعتين 214 بعد ذلك: " أعجف الخيانة ".
[6]خرج عبد الله بن وهب هذا على على في أربعة آلاف، فبايعه الخوارج لعشر خلون من شوال سنة 37.
راجع الطبري 6 / 42.
(*)
ومقولا.
وقال: إنه لا يزعم أنه يمكنه أن يبين ما رام بيانه، وأراد شرحه وتفصيله، إلا لمن كان " من أهل صناعة العربية، وقد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين ونظر في شئ من أصول الدين ".
ثم بين في الفصل الاول أن نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، مبينة على دلالة معجزة القرآن، واستدل على ذلك بآيات كثيرة، وقال: إنه ما من سورة من السور المفتتحة بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ذلك " وكثير من هذه السور إذا تأملته، فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على معجزته ".
وفصل القول في نظم سورتي غافر وفصلت، وبين دلالته على ذلك.
* * * وعقد الفصل الثاني ص 21 لبيان وجه دلالة معجزة القرآن على نبوة النبي وبنى ذلك على أصلين: أولهما: وقوع العلم الضرورى بأن القرآن المتلو المحفوظ المرسوم في المصاحف - هو الذي جاء به النبي من عند الله تعالى، وأنه تلاه على من في عصره ثلاثاً وعشرين سنة، وقام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد وتحمله عنه إليها من تابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه.
والاصل الثاني: إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الاتيان طول تلك السنين فلم يأتوا بذلك، واستدل على هذا الاصل بآيات كثيرة، منها آية استدل بها على بطلان قول من زعم أن وحدانية الله لا تعلم إلا من جهة العقل، ولا يمكن أن تعلم من القرآن، وهى قوله تعالى: (أم يَقُولُونَ افتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وَادعُواْ مَن اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُم فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُّنْزِلَ بِعِلِمِ اللَّهِ، وأَنْ لاَّ إلهَ إلاَّ هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون؟) .
وقد عقب عليها بقوله ص 23: " فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلاً على أنه منه، ودليلا على وحدانيته ".
ثم كشف عن المعاني التى استقصى أهل العلم الكلام فيها قبله، وما جاء به بعدهم، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف كون القرآن معجزا حين أوحى إليه من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه.
وأفاض في إبطال قول
على الكلام، فقال: " لا خير في الرأي الفطير "[1]، وقال: " دعوا الرأي يُغِبُّ " (2) .
وقال أعرابي في شكر نعمة[3]: " ذاك عُنْوانُ نِعمة الله عز وجل ".
/ ووصف أعرابي قوماً فقال: " إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا
تصافحوا بالسيوف قعد الحمام "[4].
وسئل أعرابي عن رجل؟ فقال: " صَفِرَتْ عِيابُ الوُدِّ بيني وبينه بعدَ امتلائِها، واكفَهَرَّتْ وجوهٌ كانت بمائِها "[5].
وقال آخر: " من ركب ظَهْرَ الباطلِ نزل دارَ النَّدامة "[6].
وقيل لرؤبة (7) : كيف خلَّفتَ ما وراءك؟ فقال: " التراب يابس، والمال عابس " (8) .
* * * ومن البديع في الشعر طرق كثيرة، قد نقلنا منها جملة، لتستدل بها على ما بعدها: فمن ذلك قول امرئ القيس: وقد أغتِدي والطيرُ في وكناتها * بمنْجردٍ قيد الاوابد هيكل (9)
[1]الفطير: ما أعجل عن إدراكه وإنضاجه، وفى البديع بعد ذلك: " والكلام القضيب، فلما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأى " إلخ وكذلك في البيان والتبيين 1 / 205 والصناعتين 214 (2) في البيان والتبيين والصناعتين بعد ذلك: " فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه ".
وفى البديع: " عن فصه ".
[3]في البديع 23 والصناعتين 214 " وقيل لاعرابي: إنك لحسن الكدنة فقال: ذاك عنوان " إلخ.
والكدنة: كثرة الشحم واللحم، كما في اللسان 17 / 236.
[4]كذا في سائر الاصول، والصواب: " وإذا تصافحوا بالسيوف فغر فمه الحمام ".
كما في زهر الآداب 2 / 119 وفي البديع " فغر الحمام ".
وفى أمالى القالى 1 / 139 والصناعتين 216 " كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام، خطرت بينهم السهام بوفود الحمام، وإذا تصافحوا فغرت المنايا أفواهها ... " وكذلك العقد الفريد 3 / 446 ومعنى فغرت: فتحت.
[5]البديع 24 وزهر الآداب 2 / 120، وصفرت: خلت، والعياب: جمع عيبة وهى ما
تحفظ فيه الثياب، والمراد بها هنا الصدور.
[6]البديع 24 (7) القائل هو عتبة بن هارون كما في البيان والتبيين 2 / 97 (8) الصناعتين 214 والبديع 24 وفى البيان " والمرعى عابس " (9) ديوانه ص 106 الوكنات: الاوكار، المنجرد الفرس القصير الشعر.
والاوابد: جمع آبدة وهى التى قد توحشت ونفرت من الانس.
والهيكل: العظيم الخلق.
(*)
القائلين بالصرفة، وقال: إن التوراة والانجيل وغيرهما من كلام الله يشارك القرآن في الاعجاز بما تضمنه من الاخبار عن الغيوب، ويباينه في أنه ليس بمعجز في النظم والتأليف، لان الله لم يصفه بما وصف به القرآن، ولم يقع به التحدي كما وقع بالقرآن، ولان الالسنة التى نزل بها لا يتأتى فيها من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذى ينتهى إلى حد الاعجاز.
وقال: إن كتاب زرادشت وكتاب مانى ليس يقع
فيهما إعجاز، وإنه لا يوجد لابن المقفع كتاب يدعي مدع أنه عارض فيه القرآن.
* * * والفصل الثالث ص 48 في جملة وجوه إعجاز القرآن.
وقد ذكر في مستهله أن الاشاعرة وغيرهم ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أولها: ما تضمنه القرآن من الاخبار عن الغيوب، وذلك مما يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه.
والوجه الثاني: أنه أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير من حين خلق الله آدم إلى مبعثه، مع أنه كان أمياً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، ولم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.
والوجه الثالث: " أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه " وقال: إن الذى أطلقه العلماء في هذا الوجه هو على هذه الجملة، أما هو فقد كشف الجملة التى أطلقوها، وفصل ذلك بعض التفصيل، حيث يقول ص 51: " فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ".
ومنها ص 53 " أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر.
وهذا المعنى هو غير المعنى الاول، فتأمله تعرف الفصل ".
والمعنى الثالث ص 54: أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التى يتصرف فيها ويشتمل عليها " وإنما هو على حد
/ قوله: " قيد الأوابد " عندهم من البديع ومن الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة[1]، وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيداً لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره.
واقتدى به الناس، واتبعه الشعراء، فقيل: " قيدُ النواظر " و " قيدُ الألحاظ " و " قيد الكلام " و " قيد الحديث " و " قيد الرهان ".
وقال الاسود بن يعفر: بمقلص عتد جَهِيزٍ شده * قيدُ الأوابد والرهان جواد[2]وقال أبو تمام: لها منظر قيدُ الأوابدِ لم يَزَل * يروحُ ويغدو في خفارته الحُبُّ[3]/ وقال آخر: ألحاظُهُ قيدُ عيونِ الورى * فليس طَرُفٌ يَتَعَدَّاهُ[4]وقال آخر: * قَيَّدَ الحُسْنُ عليه الحَدَقَا (5) * وذكر الاصمعي وأبو عبيد وحماد، وقبلهم أبو عمرو: أنه أحسن في هذه
[1]في الصناعتين 207: " والحقيقة: مانع الاوابد من الذهاب والافلات.
والاستعارة أبلغ، لان القيد من أعلى مراتب المنع عن التصرف، لانك تشاهد ما في القيد من المنع فلست تشك فيه ".
وقال قدامة في نقد الشعر ص 58: " فإنما أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة وأنه جواد، فلم يتكلم باللفظ بعينه، ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له، وذلك أن سرعة إحضار الفرس يتبعها أن تكون الاوابد - وهى الوحش - كالمقيدة له إذا نجا في طلبها.
والناس يستجيدون لامرئ القيس هذه اللفظة فيقولون: هي أول من قيد الاوابد، وإنما عنى بها الدلالة على جودة الفرس وسرعة إحضاره، فلو قال ذلك بلفظه لم يكن عند الناس من الاستجادة ما جاء من إتيانه بالردف له.
وفي هذا برهان على أن وضعنا الارداف من أوصاف الشعر ونعوته واقع بالصواب ".
[2]فرس مقلص: طويل القوائم، وفى المفضليات 2 / 19 " بمشمر " وهى بمعناها.
وعتد: قوى سريع الوثبة معد للجرى.
جهيز شده: سريع عدوه.
الرهان: المراهنة، يعنى إنه إذا دخل السباق حبس الرهن فلا يناله غيره.
الجواد: القوى السابق البعيد الجرى والبيت في الخزانة 1 / 508.
[3]ديوانه 1 / 17 " قيد النواظر " والخزانة 1 / 508.
[4]غير منسوب في الخزانة 1 / 508 (5) غير منسوب في الخزانة 1 / 508 وديوان المعاني 1 / 264 (*)
واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن
المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا.
وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف.
وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة، تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كثيرا.
ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ".
والمعنى الرابع: أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بيناً في الفصل والوصل والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ، والتحول من باب إلى باب.
والقرآن على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة - يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد.
وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف ".
والمعنى الخامس: أن نظم القرآن وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن، كما يخرج عن عادة كلام الانس، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا ".
والمعنى السادس ص 62: " أن الذى ينقسم إليه الخطاب، من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم - موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والابداع والبلاغة ".
والمعنى السابع ص 63: " أن المعاني التى تضمنها في أصل وضع الشريعة
والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضاً في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع ".
اللفظة، وأنه اتبع فلم يلحق، وذكروه في باب الاستعارة البليغة.
وسماها بعض أهل الصنعة[1]باسم آخر، وجعلوها من باب " الارداف "، وهو: أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ هو تابع له وردف (2) .
قالوا: ومثله قوله[3]: * نَؤُوم الضُحى لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ * وإنما أراد ترفهها بقوله: " نؤوم الضحى " (4) .
/ ومن هذا الباب قول الشاعر (5) : بعيدةُ مَهوى القُرْط إما لنوفلٍ * أبوها، وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ
وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه (6) .
ومن ذلك قول امرئ القيس: * وليل كموجِ البحر أرخى سُدُوله[7]* وذلك من الاستعارة المليحة.
ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره (8) من القرآن: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ
[1]يقصد المؤلف قدامة بن جعفر، فإنه هو الذى وضع الارداف من أوصاف الشعر ونعوته، راجع نقد الشعر 57 - 58 (2) في نقد الشعر 57 بعد ذلك: " فإذا دل على التابع أبان عن المتبوع ".
[3]يريد امرأ القيس، وصدر البيت: * ويضحى فتيت المسك فوق فراشها * (4) قال قدامة في نقد الشعر ص 57: " وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها فقال: نؤوم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، أي هي لا تنتطق لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة.
ومعنى عن في هذا البيت معنى بعد ".
راجع الصناعتين 276 والعمدة 2 / 282 (5) هو عمر بن أبى ربيعة كما في ديوانه ص 200 (6) قال قدامة: " وإنما أراد الشاعر أن يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى هو تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط ".
راجع العمدة 2 / 282، والصناعتين 276.
[7]وعجزه كما في ديوانه ص 100: * على بأنواع الهموم ليبتلى * راجع البديع ص 24 (9) راجع ص 101 (*)
والمعنى الثامن: أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الاسماع وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا، غامرا سائر ما تقرن به، كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه ومائه ".
ثم قال في ص 64: " ولولا هذه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة..فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك - علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه ".
والمعنى التاسع ص 66: " أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفاً، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم ".
والمعنى العاشر: " أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة.
وجعله قريباً إلى الإفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.
وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في
موقعه - أن يقدر عليه، أو يظفر به ".
ثم قال في ص 70: " وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد فإنا جمعنا بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها.
وكل واحد من تلك الامور مما يمكن اعتماده في إظهار الاعجاز فيه ".
ثم ختم كلامه في هذا الفصل بالاجابة على سؤال هام أورده في ص 71 وهو: " فإنه قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه،
أو لأنه عبارة عنه، أو لأنه قديم في نفسه؟ " قيل: " لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضاً: إن وجه الاعجاز في نظم القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله عز وجل - معجزات في النظم والتأليف.
وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك.
وكذلك يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها.
وقد ثبت خلاف ذلك ".
* * * والفصل الرابع ص 72: عقده لشرح ما بينه من وجوه إعجاز القرآن الثلاثة السابقة، وهى الاخبار عن الغيوب، والانباء عن قصص الاولين وسير المتقدمين وبراعة النظم والتأليف والرصف.
* * * والفصل الخامس ص 76: مقصور على نفى الشعر من القرآن.
وأما الفصل السادس فقد عقده لنفى السجع من القرآن.
وقد استهله بقوله: " ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن.
وذكره الشيخ أبو الحسن الاشعري في غير موضع من كتبه.
وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من
الوجوه التى تعرف بها الفصاحة.
وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون، عليهما السلام، ولمكان السجع قيل في موضع: " هارون وموسى " ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: " موسى وهارون " ثم قال الباقلانى: " وهذا الذي يزعمونه غير صحيح.
ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز.
ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر؟ لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر.
وقد روي أن النبي
شَيباً) ، (واخْفِضْ لَهما جَنَاحَ الذُلِّ من الرحمةِ) .
ومما يعدونه من البديع " الثشبيه الحسن " كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجَزْعَ الذي لم يُثَقَّبِ[1]/ وقوله: كأن قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً * لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالى (2) واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين (3) قول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (4) وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل.
وكذلك عدوا[5]من البديع قول امرئ القيس في أذني الفرس: / وسَامِعَتَان يُعرَف العِتْقُ فيهما * كسامعتي مذعورة وسط ربرب (6)
[1]الصناعتين ص 185 والكامل 741 وفى اللسان 9 / 398: " والجزع: الخرز اليماني "، وهو الذى فيه بياض وسواد.
واحدته جزعة، قال ابن برى، سمى جزعا، لانه مجزع، أي مقطع بألوان مختلفة، أي قطع سواده بياضه " (2) البديع ص 122 وسر الفصاحة 237 وأخبار أبى تمام 17 والصناعتين ص 185، 189 وأسرار البلاغة ص 168 والعمدة 1 / 260 وقال المبرد في الكامل ص 740: " فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطبا العناب، وكأنه يابسا الحشف؟ قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمى بالقول مفهوما، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا " (3) م: " ما وجد للمحدثين في نحو هذا " (4) س: " رؤوسنا " م: " ليل تهاوت " والبيت في ديوانه 1 / 318 والصناعيتن ص 189 والعمدة 1 / 260 وأسرار البلاغة ص 151
[5]م: " وكذلك عدوا من البديع قول طرفة بن العبد في أذنى ناقته: مؤللتان يعرف العتق فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد مذعورة أم فرقد، ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويتين ومحجر * إلى سنبك مثل الصفيح المنصب (6) لم يرد هذا البيت في ديوان امرئ القيس، وورد في ديوان علقمة ص 24.
والسامعتان: الاذنان.
المذعورة: المفزعة، يعنى بقرة الوحش ذعرت فنصبت أذنيها وحددتهما الربرب: جماعة بقر الوحش (*)
صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " وفي بعضها: " أسجعاً كسجع الكهان؟ " فرأى ذلك مذموماً لم يصح أن يكون في دلالته.
والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع، لان اللفظ يقع فيه تاليا للمعنى ".
ثم قال: " ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه: كان قبيحاً من الكلام.
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة ".
ثم قال: " فلو رأوا أن ما تُلِيَ عليهم من القرآن سجعا لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن " ويقول ص 90: " ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعوا إلى المعارضة، لان السجع ممتنع عليهم، بل هو في عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز منها؟ " ثم مضى في حديثه عن السجع، وذكر فيما ذكر اختلاف العلماء في الشعر كيف اتفق للعرب قوله أو لا؟ وهل كان اتفاقا غير مقصود إليه؟ أم تواضعوا على هذا الوجه من النظم؟ وأن الله عرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة.
ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان بمثل القرآن " ووجدوا أن هذا لما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به، ليكون دلالة على
اتبعه طرفة، فقال فيه: وسامعتان يُعرف العِتْقُ فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد[1]ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويَّتَيْنِ ومَحْجَرٍ * إلى سند مثل الصفيح المنصب (2) وقال طرفة في وصف عيني ناقته: وعينان كالماويتين استكنتا * بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد[3]ومن البديع في التشبيه قول امرئ القيس: له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ * وإرخاء سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُل (4) / وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها.
* * * ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبحرِ كَالأَعْلاَمِ) (5) .
وقوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ بيض مكنون) (6) .
ومواضع نذكرها بعد هذا.
[1]البيت في اللسان 10 / 26 وروايته الاولى: " ومؤللتان " وفى 313 / 24: " أللت الشئ تأليلا: أي حددت طرفه، ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذن ناقته بالحدة والانتصاب: " مؤللتان " إلخ (2) م: ".
إلى سنبك " والسند: الخد.
وفى اللسان 20 / 168: " الماوية: المرآة كأنها نسبت إلى الماء لصفائها وأن الصورة ترى فيها كما ترى في الماء الصافى، والميم أصلية فيها، وقيل الماوية: حجر البلور " ومحجر العين: ما دار بها من العظم الذى في أسفل الجفن.
[3]في اللسان 3 / 52: " الحجاج: العظم النابت عليه الحاجب: والقلت: والنقرة في الجبل تمسك الماء.
وقلت العين: نقرتها (4) ديوانه ص 102 ونقد الشعر ص 38 والصناعتين ص 189 والعمدة 1 / 259 والامالي 2 / 250.
والايطل: الخاصرة.
والارخاء: شدة العدو.
شبه خاصرتيه بخاصرتي الظبى في دقتهما، وشبه ساقيه بساقي النعامة في قصرهما.
ويستحب ذلك مع طول الوظيف، وفى شدتهما، لان ساق النعامة ظمياء ليست برهلة، كما قال البكري في شرح الامالى 2 / 878.
والسرحان الذئب.
والتقريب: رفع اليدين معا ووضعهما معا في العدو، ويقال: إن الذئب أحسن الدواب تقريبا.
والتتفل: ولد الثعلب (5) سورة الرحمن: 24 (6) سورة الصافات: 49 (*)