بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 71

اللفظة، وأنه اتبع فلم يلحق، وذكروه في باب الاستعارة البليغة.
وسماها بعض أهل الصنعة[1]باسم آخر، وجعلوها من باب " الارداف "، وهو: أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ هو تابع له وردف (2) .
قالوا: ومثله قوله[3]: * نَؤُوم الضُحى لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ * وإنما أراد ترفهها بقوله: " نؤوم الضحى " (4) .
/ ومن هذا الباب قول الشاعر (5) : بعيدةُ مَهوى القُرْط إما لنوفلٍ * أبوها، وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ
وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه (6) .
ومن ذلك قول امرئ القيس: * وليل كموجِ البحر أرخى سُدُوله[7]* وذلك من الاستعارة المليحة.
ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره (8) من القرآن: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ
[1]يقصد المؤلف قدامة بن جعفر، فإنه هو الذى وضع الارداف من أوصاف الشعر ونعوته، راجع نقد الشعر 57 - 58 (2) في نقد الشعر 57 بعد ذلك: " فإذا دل على التابع أبان عن المتبوع ".
[3]يريد امرأ القيس، وصدر البيت: * ويضحى فتيت المسك فوق فراشها * (4) قال قدامة في نقد الشعر ص 57: " وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها فقال: نؤوم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، أي هي لا تنتطق لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة.
ومعنى عن في هذا البيت معنى بعد ".
راجع الصناعتين 276 والعمدة 2 / 282 (5) هو عمر بن أبى ربيعة كما في ديوانه ص 200 (6) قال قدامة: " وإنما أراد الشاعر أن يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى هو تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط ".
راجع العمدة 2 / 282، والصناعتين 276.
[7]وعجزه كما في ديوانه ص 100: * على بأنواع الهموم ليبتلى * راجع البديع ص 24 (9) راجع ص 101 (*)
والمعنى الثامن: أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الاسماع وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا، غامرا سائر ما تقرن به، كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه ومائه ".
ثم قال في ص 64: " ولولا هذه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة..فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك - علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه ".
والمعنى التاسع ص 66: " أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفاً، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم ".
والمعنى العاشر: " أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة.
وجعله قريباً إلى الإفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.
وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في
موقعه - أن يقدر عليه، أو يظفر به ".
ثم قال في ص 70: " وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد فإنا جمعنا بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها.
وكل واحد من تلك الامور مما يمكن اعتماده في إظهار الاعجاز فيه ".
ثم ختم كلامه في هذا الفصل بالاجابة على سؤال هام أورده في ص 71 وهو: " فإنه قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه،


صفحه 72

أو لأنه عبارة عنه، أو لأنه قديم في نفسه؟ " قيل: " لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضاً: إن وجه الاعجاز في نظم القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله عز وجل - معجزات في النظم والتأليف.
وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك.
وكذلك يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها.
وقد ثبت خلاف ذلك ".
* * * والفصل الرابع ص 72: عقده لشرح ما بينه من وجوه إعجاز القرآن الثلاثة السابقة، وهى الاخبار عن الغيوب، والانباء عن قصص الاولين وسير المتقدمين وبراعة النظم والتأليف والرصف.
* * * والفصل الخامس ص 76: مقصور على نفى الشعر من القرآن.
وأما الفصل السادس فقد عقده لنفى السجع من القرآن.
وقد استهله بقوله: " ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن.
وذكره الشيخ أبو الحسن الاشعري في غير موضع من كتبه.
وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من
الوجوه التى تعرف بها الفصاحة.
وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون، عليهما السلام، ولمكان السجع قيل في موضع: " هارون وموسى " ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: " موسى وهارون " ثم قال الباقلانى: " وهذا الذي يزعمونه غير صحيح.
ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز.
ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر؟ لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر.
وقد روي أن النبي

شَيباً) ، (واخْفِضْ لَهما جَنَاحَ الذُلِّ من الرحمةِ) .
ومما يعدونه من البديع " الثشبيه الحسن " كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجَزْعَ الذي لم يُثَقَّبِ[1]/ وقوله: كأن قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً * لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالى (2) واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين (3) قول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (4) وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل.
وكذلك عدوا[5]من البديع قول امرئ القيس في أذني الفرس: / وسَامِعَتَان يُعرَف العِتْقُ فيهما * كسامعتي مذعورة وسط ربرب (6)
[1]الصناعتين ص 185 والكامل 741 وفى اللسان 9 / 398: " والجزع: الخرز اليماني "، وهو الذى فيه بياض وسواد.
واحدته جزعة، قال ابن برى، سمى جزعا، لانه مجزع، أي مقطع بألوان مختلفة، أي قطع سواده بياضه " (2) البديع ص 122 وسر الفصاحة 237 وأخبار أبى تمام 17 والصناعتين ص 185، 189 وأسرار البلاغة ص 168 والعمدة 1 / 260 وقال المبرد في الكامل ص 740: " فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطبا العناب، وكأنه يابسا الحشف؟ قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمى بالقول مفهوما، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا " (3) م: " ما وجد للمحدثين في نحو هذا " (4) س: " رؤوسنا " م: " ليل تهاوت " والبيت في ديوانه 1 / 318 والصناعيتن ص 189 والعمدة 1 / 260 وأسرار البلاغة ص 151
[5]م: " وكذلك عدوا من البديع قول طرفة بن العبد في أذنى ناقته: مؤللتان يعرف العتق فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد مذعورة أم فرقد، ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويتين ومحجر * إلى سنبك مثل الصفيح المنصب (6) لم يرد هذا البيت في ديوان امرئ القيس، وورد في ديوان علقمة ص 24.
والسامعتان: الاذنان.
المذعورة: المفزعة، يعنى بقرة الوحش ذعرت فنصبت أذنيها وحددتهما الربرب: جماعة بقر الوحش (*)


صفحه 73

صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " وفي بعضها: " أسجعاً كسجع الكهان؟ " فرأى ذلك مذموماً لم يصح أن يكون في دلالته.
والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع، لان اللفظ يقع فيه تاليا للمعنى ".
ثم قال: " ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه: كان قبيحاً من الكلام.
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة ".
ثم قال: " فلو رأوا أن ما تُلِيَ عليهم من القرآن سجعا لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن " ويقول ص 90: " ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعوا إلى المعارضة، لان السجع ممتنع عليهم، بل هو في عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز منها؟ " ثم مضى في حديثه عن السجع، وذكر فيما ذكر اختلاف العلماء في الشعر كيف اتفق للعرب قوله أو لا؟ وهل كان اتفاقا غير مقصود إليه؟ أم تواضعوا على هذا الوجه من النظم؟ وأن الله عرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة.
ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان بمثل القرآن " ووجدوا أن هذا لما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به، ليكون دلالة على

اتبعه طرفة، فقال فيه: وسامعتان يُعرف العِتْقُ فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد[1]ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويَّتَيْنِ ومَحْجَرٍ * إلى سند مثل الصفيح المنصب (2) وقال طرفة في وصف عيني ناقته: وعينان كالماويتين استكنتا * بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد[3]ومن البديع في التشبيه قول امرئ القيس: له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ * وإرخاء سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُل (4) / وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها.
* * * ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبحرِ كَالأَعْلاَمِ) (5) .
وقوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ بيض مكنون) (6) .
ومواضع نذكرها بعد هذا.
[1]البيت في اللسان 10 / 26 وروايته الاولى: " ومؤللتان " وفى 313 / 24: " أللت الشئ تأليلا: أي حددت طرفه، ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذن ناقته بالحدة والانتصاب: " مؤللتان " إلخ (2) م: ".
إلى سنبك " والسند: الخد.
وفى اللسان 20 / 168: " الماوية: المرآة كأنها نسبت إلى الماء لصفائها وأن الصورة ترى فيها كما ترى في الماء الصافى، والميم أصلية فيها، وقيل الماوية: حجر البلور " ومحجر العين: ما دار بها من العظم الذى في أسفل الجفن.
[3]في اللسان 3 / 52: " الحجاج: العظم النابت عليه الحاجب: والقلت: والنقرة في الجبل تمسك الماء.
وقلت العين: نقرتها (4) ديوانه ص 102 ونقد الشعر ص 38 والصناعتين ص 189 والعمدة 1 / 259 والامالي 2 / 250.
والايطل: الخاصرة.
والارخاء: شدة العدو.
شبه خاصرتيه بخاصرتي الظبى في دقتهما، وشبه ساقيه بساقي النعامة في قصرهما.
ويستحب ذلك مع طول الوظيف، وفى شدتهما، لان ساق النعامة ظمياء ليست برهلة، كما قال البكري في شرح الامالى 2 / 878.
والسرحان الذئب.
والتقريب: رفع اليدين معا ووضعهما معا في العدو، ويقال: إن الذئب أحسن الدواب تقريبا.
والتتفل: ولد الثعلب (5) سورة الرحمن: 24 (6) سورة الصافات: 49 (*)


صفحه 74

ومن البديع في " الاستعارة " قول امرئ القيس: وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدُولُهُ * عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي[1]فقلت له لما تمطى بِصُلبِهِ * وأَردَفَ أعجازاً وناءَ بكلكلِ / وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل.
ومن ذلك قول النابغة: وصدر أراح الليلُ عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ (2)
فاستعارة من أراحه الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل.
وأخذ منه ابن الدمينة فقال: اقضى نهاري بالحديث وبالمُنَى * ويجمَعُني والهم بالليل جامعُ (3) ومن ذلك قول زهير: صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله * وعرى أفراس الصبا ورواحله[4]ومن ذلك قول امرئ القيس: سَمَوتُ.
إليها بعدَ ما نام أهلها * سمو حباب الماء حالا على حال (5)
[1]ديوانه ص 100 والبديع ص 24، 25 والصناعتين ص 217 والموازنة ص 11 والموشح ص 31 ودلائل الاعجاز 62 وطبقات الشعراء 71 السدول: الستور.
يبتلى: ينظر ما عندي من صبر أو جزع.
تمطى: امتد.
صلبه: وسطه.
أردف: أتبع.
أعجازه: مآخيره.
ناء: نهض.
الكلكل: الصدر.
(2) ديوانه ص 9 والبديع ص 26: والصناعتين ص 217 وفى الموشح ص 31 " قال الصولى ... جعل صدره مألفا للهموم، وجعلها كالنعم العازبة بالنهار عنه، الرائحة مع الليل إليه، كما تريح الرعاة السائمة بالليل إلى أماكنها.
وهو أول من وصف أن الهموم متزايدة بالليل ... " (3) البيت لابن الدمينة في ديوانه ص 17 والاغانى 15 / 154 والموشح ص 32 وصدره هناك: * أظل نهاري فيكم متعللا * وقد ورد منسوبا لقيس بن ذريح في الامالى 2 / 316 والاغانى 9 / 218 وإلى مجنون ليلى في مصارع العشاق ص 248 والاغانى 2 / 45 وقد صحح أبو الفرج نسبته إلى ابن الدمينة راجع الاغانى 9 / 218.
[4]البديع ص 26 والموازنة ص 11 والصناعتين 217 ومعاهد التنصيص 260 وديوانه ص 42 وفى س: " عن ليلى ".
(5) ديوانه ص 108.
(*)
النبوة، ومعجزة على الرسالة ".
وختم الباقلانى كلامه في هذا الفصل بإلزام عجيب لمخالفيه حيث يقول في ص 99: " ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه النظّام، وعباد بن سليمان، وهشام الفوطي، ويذهب مذهبهم، في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضرباً من الصرف.
ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها.
ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه! وكيف يعجزهم الخروج عن السجع
والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم، أنهم كانوا لا يلزمون أبداً طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة.
فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك، لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلامين! " هذا مجمل ما قاله الباقلانى في هذا الفصل الذى عقده لبيان نفى السجع من القرآن، وهو أخف فصول الكتاب وزنا، وأقلها قدرا، وأحفلها بالخطأ البين في أصل الفكرة، وفى كيفية نصرتها والدفاع عنها، والحجاج دونها، والرد على مخالفيها ومرد ذلك - فيما يلوح لى - إلى أن الباقلانى قد اندفع في كلامه بدافع المناصرة لمذهب الاشاعرة الذى كان يدين به.
والذى حدا شاعرنا إلى نفى السجع من القرآن أنهم ظنوا، بل تيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذم السجع في حديث الجنين.
ومن قصة هذا الحديث أن حمل بن مالك بن النابغة كان قد تزوج بامرأتين، يقال لاحداهما: مليكة بنت ساعدة، وللاخرى: أم عفيفة بنت مسروح، فتغايرتا كما هو الشأن دائما بين الضرتين، فضربت أم عفيفة مليكة بمسطح أو بعمود فسطاطها، وهى حامل فألقت جنينها، ورفعت قضيتها إلى النبي فقضى على عاقلة الضاربة بغرة: عبد أو أمة.
فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل؟ ! فقال عليه السلام: " أسجع كسجع الجاهلية؟ " وقد روى قول النبي بعدة روايات، منها: " أسجع كسجع


صفحه 75

الجاهلية وكهانتها؟ ".
ومنها: " دعني من أراجيز الاعراب ".
ومنها: " أسجاعة بك؟ ".
ومنها: " أسجع كسجع الجاهلية؟ قيل: يا رسول الله، إنه شاعر.
ومنها: " لسنا من أساجيع الجاهلية في شئ " ومنها.
" إنما هذا من إخوان الكهان ".
ومنها: " إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه - أي في الجنين - غرة " ومنها:
" أسجع كسجع الاعراب؟ " وقد فهم كثير من العلماء أن هذا الحديث إنما ورد في ذم السجع، والتنفير منه.
ولا شك أنهم واهمون في ذلك.
ولو كان النبي أراد إلى ذمه لقال: " أسجعا " فقط.
وإنما أراد النبي بقوله هذا، كما يتضح من سياق الحديث، إنكار تشادق هذا الساجع في دفعه حقا وجب عليه وعلى عاقلته، وقعقعته بالسجع على طريقة الكهان في الجاهلية.
وقد أغرب الباقلانى في استنباطه من هذا الحديث ص 88: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن السجع مذموم، فلا يصح أن يكون في دلالته على نبوته! وكيف يذم النبي السجع وكثير من كلامه مسجوع؟ يقول: " أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام؟ " وقد أخطأ الباقلانى في قوله: إن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع.
فليس السجع كذلك على الاطلاق، وإنما هذا نوع من السجع ردئ لا يقع إلا في كلام الضعفاء.
ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع، وهو مع ذلك تابع للمعانى.
وهذا هو النوع المحمود منه الذى جاء في المأثور الصحيح عن بلغاء الجاهلية، وفصحاء الاسلام، وورد في أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق اتفق وجوده في كلام البشر، وإليه يريغ المثبتون للسجع في القرآن، القائلون بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات، وأبعد الغايات في البلاغة، وقد بان بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه - عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام الخلق.
ولو قد تدبر الباقلانى ما حكاه من قول المثبتين للسجع في القرآن: إنه مما يبين

/ وأخذه أبو تمام فقال: * سُمُوَّ عُباب الماء جاشت غواربه * وإنما أراد امرؤ القيس إخفاء شخصه.
ومن ذلك قوله: * كأني وأصحابي على قرن أعفرا (2) * يريد أنهم غير مطمئنين.
ومن ذلك ما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا عسل بن ذكوان، أخبرنا (3) أبو عثمان المازني، قال: سمعت الأصمعي يقول: أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة: فإنكَ كالليلِ الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (4) قال الحسن بن عبد الله: وأخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عون بن / محمد الكندي، أخبرنا قعنب بن محرز، قال (5) : سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو يقول: كان زهير يمدح السوق، ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دقل صينى (6) على أن يقول كقول النابغة: فإنَّكَ كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
(1) وصدره كما في ديوانه ص 45: * سما للعلى من جانبيها كليهما * وهو في مدح أبى دلف العجلى (2) وصدره كما في ديوان امرئ القيس ص 51: * ولا مثل يوم في قذاران ظلته *
وقذاران: اسم موضع.
والاعفر: الظبى الذى تعلو بياضه حمرة.
جاء في اللسان 6 / 261: " ويقال: رماني عن قرن أعفر، أي رماني بداهية ... وذلك أنهم كانوا يتخذون القرون مكان الاسنة، فصار مثلا عندهم في الشدة تنزل بهم.
ويقال للرجل إذا بات ليلته في شدة تقلقه: كنت على قرن أعفر ومنه قول امرئ القيس ... " (3) م: " قال لنا " (4) ديوانه ص 41 (5) سقط هذا الخبر من م (6) في اللسان 13 / 262: " الدقل: ضرب من النخل، وخشبة طويلة تشد في وسط السفينة يمد عليها الشراع، وتسميه البحرية الصارى " (*)


صفحه 76

به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة لو تدبر هذا القول، ولم يكن مدفوعا إلى معارضته لمخالفته مذهب أصحابه - لرآه قولا وجيها، ولما وجد بين السجع وبين أنواع البديع التى ذكرها من فرق، ولقال عنه مثل قوله عن البديع ص 170: " ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع، كان جديرا " ولو صنع ذلك لاهتدى إلى سواء الصراط، ولما ذهب يتمحل العلل الواهية لنفى السجع من القرآن، كقوله: " لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه - كان قبيحاً من الكلام! وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة..فلو كان ما تلى عليهم من القرآن سجعا لقالوا، نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن ".
وفوق ما في كلامه هذا من خطأ وتهافت، فإن فيه هفوة أخرى، إذ حكم قواعد البلاغة في القرآن، مع أن القرآن هو الاساس الذى يجب أن تحاكم إليه قواعد البلاغة، وأن تجرى على سننه، ووفق أحكامه.
وكقوله: " ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضرباً من الصرف! ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة
ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه "! ! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في القرآن بحال من الاحوال،

- لما قال.
يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان.
واتبعه الفرزدق فقال: ولو حملتني الريح ثم طلبتني * لكنت كشئ أدركتني مقادِرُه[1]فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة.
ثم أخذه الأخطل فقال: وإن أمير المؤمنين وفعلَهُ * لكالدهرِ لا عار بما فعل الدهر (2) وقد روي نحو هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم: " نُصِرتُ بالرعب، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلنَّ هذا الدين على ما دخل عليه الليلُ ".
/ وأخذه علي بن جبلة (3) فقال: وما لامرئ حاولته منك مهرب * ولو رفعته في السماء المطالعُ (4) بلى، هاربٌ لا يهتدي لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع (5) ومثله قول سلم الخاسر:
فأنت كالدهرِ مبثوثاً حبائله * والدهر لا ملجأ سنه ولا هَرَبُ (6) ولو ملكتُ عِنانَ الريح أصرفُهُ * في كل ناحيةٍ ما فاتك الطَلَبُ فأخذه البحتري فقال: ولو أنهم ركبوا الكواكبَ لم يكنْ * ينجِّيهُمُ عن خوفِ بأسك مَهْرَبُ (7) ومن بديع الاستعارة قول زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصى الحاضر المتخيم (8)
[1]م: " كسيل " والبيت في ديوان الفرزدق ص 313 وروايته: " وأن لو ركبت الريح ... كشئ أدركته " وقبله: فأيقنت أنى إن نأيتك لم يرد * بى النأى إلا كل شئ أحاذره وفى زهر الآداب 4 / 179 " لكنت كمود " (2) لا يوجد في ديوانه وهو لشمعلة التغلبي كما في المكاترة ص 7 والمؤتلف والمختلف 141 (3) ك: " على بن أبى طالب "! (4) معاهد التنصيص 149 وزهر الآداب 4 / 180 وفى س، ك: " عنك مهربٌ * ولو كان في جوف السماء " (5) س، ك: " طالع " (6) معاهد التنصيص ص 149 (7) ديوانه 2 / 189 وزهر الآداب 4 / 180 (8) ديوانه ص 13 (*)


صفحه 77

وقول الأعشى: وإن عتاقَ العِيسِ سوف يزوركم * ثناءٌ على أعجازِهنَّ مُعَلَّقُ[1]/ ومنه أخذ نصيب فقال: فعاجوا فأَثْنَوا بالذي أنت أهلُهُ * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ (2)
ومن ذلك قول تأبط شراً: فخالط سهل الأرضِ لم يكدح الصفا * به كدحة والموت خزيان ينظر (3) ومن الاستعارة في القرآن كثير، كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكْ) (4) يريد ما يكون الذكر عنه شرفاً.
وقوله: (صِبْغَةَ اللَّه وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (5) .
قيل: دين الله أراد.
وقوله: (اشتَرَوُاْ الضَّلاَلَة بِالهُدَى، فَمَا رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (6) .
* * * ومن البديع عندهم [الغلو والافراط في الصفة] ، كقول النَّمِر بن تَوْلب: / أبقى الحوادثُ والأيامُ من نمر * أسباد سيف قديم بأثره بادي[7]تظلُ تحفرُ عنه إن ضربتَ بِهِ * بعد الذراعين والقيدين والهادي (8) وكقول النابغة: تقدُّ السلوقيّ المضاعف نسجه * ويُوقدن بالصُّفّاح نار الحُباحب[9]وكقول عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (10)
[1]ديوانه ص 149 (2) نقد الشعر 27 والشعر والشعراء 1 / 372 والاغانى 1 / 337 (3) الاغانى 18 / 215 وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 80 وقال المرزوقى في شرحه 1 / 82: " ويقول: أسهلت ولم يؤثر الصفا في صدري أثرا، لا خدشا ولا خمشا، والموت كان طمع في، فلما رأني وقد تخلصت بقى مستحييا ينظر ويتحير.
والواو من قوله: " والموت " واو الحال.
وهذا من فصيح الكلام، ومن الاستعارات المليحة " (4) سورة الزخرف: 44 (5) سورة البقرة: 138 (6) سورة البقرة: 16
[7]نقد الشعر 17 والموشح 78 والعمدة 2 / 58 والوساطة 435 والصناعتين 283 والاغانى 19 / 162 والشعر والشعراء 1 / 270 (8) يريد بعد قطع الهادى والذراعين والساقين.
[9]ديوانه ص 44 وفيه: " وتوقد " والعمدة 2 / 59، 285 وتأويل مشكل القرآن 131.
(10) شرح القصائد العشر ص 204 (*)
لانهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، والامتلاك لزمام الفصاحة، وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب.
وأى فارق بين مشاركة القرآن كله لغيره من الكلام في كونه كلاما عربيا مؤلفا من ألفاظ فصيحة بليغة، وبين مشاركة بعض آية في كونها جاءت مسجوعة؟ وكيف يكون السجع المحمود من أمارات الفصاحة المعدودة، التى يقصد إليها أعلام البلغاء في بعض كلامهم لتوشيته وتزيينه، وتحسينه بعقد المناسبة بين ألفاظه ثم نجرد القرآن منه، وننفيه عنه بزعمنا، مع ادعائنا أنه قد اشتمل على أنواع البلاغة والفصاحة جميعا؟ ولئن قال الباقلانى: " إن السجع عيب يجب تفيه عن القرآن، فإنى أقول: إن السجع من الميزات البلاغية التى يجدر بنا أن ننزه القرآن عن خلوه منها.
* * * والفصل السابع من فصول إعجاز القرآن ص 101 في ذكر البديع من الكلام، بدأه الباقلانى بقوله: إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة تضمنه البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظاً نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوه عنه، ليكون الكلام وارداً على أمر مبين، وباب مقرر مصور ".
ثم نقل جملة من بديع الشعر، بعضها من كتابي البديع لابن المعتز، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر، وقال ص 162: " وقد
قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه.
وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، والوجوه التي نقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال ".
وختم كلامه في هذا الفصل بقوله: " إنا لا نجعل الإعجاز متعلقاً بهذه الوجوه الخاصة، ووقفاً عليها، ومضافاً إليها، وإن صح أن تكون


صفحه 78

هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع، والتعمل المستشنع ".
* * * والفصل الثامن في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن.
وعنده: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ الذى قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند أخى معرفة.
وأما من لم يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء عنه فهو عنه أعجز.
ثم نقل الباقلانى نصوصا من خطب النبي وكتبه، وكلام أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس وعبد الله بن مسعود ومعاوية وعمر بن عبد العزيز والحجاج وقس ابن ساعدة وأبى طالب.
وقد استغرقت هذه النصوص من ص 196 - إلى ص 234.
وثم قال: إنه نسخ لقارئ كتابه جملاً من كلام الصدر الأول ومحاوراتهم وخطبهم، ليتأملها بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل حتى يقع له الفصل بين كلام الآدميين،.
وبين كلام رب العالمين، ويعلم أن نظم القرآن يخالف نظمهم، ويتبين الحد الذى يتفاوت بين كلام البليغين والخطيبين والشاعرين، وبين نظم القرآن جملة.
ثم عقد بابا جليل الشأن عظيم الخطر ص 236، لبيان أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، قال فيه: " إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة متفق على كبر محلها.
وصحة نظمها، ووجوه بلاغتها، ورشاقة معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، يقرن بلفظ ملوكي ".
وبعد أن عرض لكلام مسيلمة، رجع إلى ما ضمنه من الكلام على الأشعار

وكقول أبي تمام: لو يعلمِ الركنُ من قد جاء يلثمه * لخر يلثم منه موطئ القَدَمِ[1]وكقول البحتري: ولو أن مشتاقاً تَكَلَّفَ فوق ما * في وسعه، لمشى إليك المنبرُ (2) ومن هذا الجنس في القرآن: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) (3) .
/ وقوله: (إِذَا رَأَتْهُم مِن مَّكَانٍ بَعيدٍ سَمِعُواْ لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) (4) .
وقوله: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغيظ) (5) .
* * * ومما يعدونه من البديع " المماثلة " وهو ضرب من الاستعارة [سماه قدامة التمثيل، وهو على العكس من الارداف، لان الارداف مبنى على الاسهاب والبسط، وهو مبنى على الايجاز والجمع] (6) .
وذلك أن يقصد الإشارة إلى معنى، فيضع ألفاظاً تدل عليه، وذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه.
نظيره من المنثور: أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته، فكتب إليه: " أما بعد، فإني أراك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتؤخرُ أخرى، فاعتمِدْ على أيتهما
شِئْتً " (7) .
وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب (8) : " فإن أنت فعلتَ ذاك، وإلا أشرعت إليك الرمح.
" فأجابه المهلب: " فإن أشرع الأميرُ الرمحَ، قلبتُ إليه ظهر المجن ".
[1]غير موجود في ديوانه (2) ديوانه 1 / 18 والصناعتين 286 والموازنة 1 / 296 (3) سورة ق: 30 (4) سورة الفرقان: 12 (5) سورة الملك: 8 (6) الزيادة من م (7) سر الفصاحة ص 222 (8) في سر الفصاحة بعد ذلك: " حين حضه على قتال الازارقة وتوعده له ... " (*)