ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه، إن شاء الله.
فأما الذي يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته
القرآن، وبنى أمر نبوته عليه - فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها، وننبه بالمذكور على غيره، فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه.
فمن ذلك قوله تعالى: (الّر.
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِليكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظًّلًمَاتِ إِلى النُّورِ بإِذْنِ رَبِّهمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)[1]فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة.
/ وقال عز وجل: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ)[2]فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه.
ولا يكون حجة إلا وهو معجزة.
وقال عز وجل: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) .
وهذا بيّن جداً فيما قلناه، من إنه جعله سبباً لكونه منذراً.
ثم أوضح ذلك بأن قال: (بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ) (3) .
فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة، لم يعقب كلامه الأول به.
وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه.
ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده.
وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على وجه معجزته.
فمن ذلك سورة المؤمن (4) .
قوله عز وجل: (حم.
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله تعالى: (غَافِرِ الذَّنبِ، وَقَابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الَّطْولِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، إِليْهِ الْمَصِيرُ.
مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إَلا الَّذينَ كفروا فلا يغررك / تقلبهم في
[1]سورة إبراهيم: 1
[2]سورة التوبة: 6 (3) سورة الشعراء: 192 - 195 (4) هي سورة غافر (*)
الرفيق، والمعالج الشفيق الذى يعرف الداء وسببه، والدواء وموقعه، ويصبر على طول العلاج، ولا يسأم كثرة التردد.
وقلت: اجعل تجارتك التى إياها تؤمل، وصناعتك التى إياها تعتمد - إصلاح الفاسد، ورد الشارد.
وقلت: ولابد من استجماع الاصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الامر.
وقلت: ابدأ بالاخف فالاخف، وبكل ما كان آنق في السمع وأحلى في الصدور، وبالباب الذى يؤتى منه الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر علما، وأنفذ كيدا..فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلى في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان، فلم أدع فيه مسألة لرافضي ولا لحديثي، ولا لحشوى، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لاصحاب " النظام " ولمن نجم بعد " النظام " ممن يزعم: أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة، فلما طننت أنى قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك - أتانى كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن وكانت مسألتك مبهمة فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما، وأغمضهما معنى، وأطولهما طولا.." ولست أعرف نقلا عن كتاب: " نظم القرآن " ولا حديثا عنه، ولا وصفا له غير وصف الجاحظ هذا، وأحسبه فيه من الصادقين وقد قلد الجاحظ في هذه التسمية أبو بكر: عبد الله بن أبى داود السجستاني،
المتوفى سنة 316 في كتابه: " نظم القرآن ".
وأبو زيد البلخى: أحمد بن سليمان، المتوفى سنة 322 هـ قال أبو حيان في كتاب " البصائر والذخائر ": قال أبو حامد القاضى: لم أر كتابا في القرآن مثل كتاب لابي زيد البلخى، وكان فاضلا يذهب في رأى الفلاسفة، لكنه تكلم في القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع، وأخرج سرائره وسماه: " نظم القرآن " ولم يأت على جميع المعاني فيه.
البلاد) فدلّ على أن الجدال في تنزيله كفرٌ وإلحاد.
ثم أخبر بما وقع[1]من تكذيب الأمم برسلهم، بقوله عز وجل: (كَذْبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِم، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهمْ لِيَأْخُذُوهُ، وَجَادَلُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق) فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الانبياء.
ورد براهينهم فقال تعالى: (فَأَخَذْتُهُم فَكيْفَ كَانَ عِقَابِ) .
ثم توعدهم بالنار، فقال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) .
ثم عظّم شأن المؤمنين بهذه الحجة، بما أخبر من استغفار الملائكة لهم، وما وعدهم عليه من المغفرة، فقال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد رَبِّهمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذِينَ آمنوُا: رَبَّنَا وسعت كل شئ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ للَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجحيمِ) .
فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه، ولم يحمد المؤمنين على المصير إليه.
ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين، ثم عطف على وعيد الكافرين، فذكر آيات، ثم قال: (هُوَ الَّذي يُرِيكُمْ آياتِهِ) .
فأمر بالنظر في آياته وبراهينه، إلى أن قال: (رَفِيعُ الَّدرَجاتِ ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق) / فجعل القرآن والوحي به كالروح، لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولأنه لا فائدة للجسد
من دون الروح.
فجعل هذا الروح سبباً (2) للانذار، وعلماً عليه، وطريقاً إليه.
ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الانذار والأخبار عما يقع عند مخالفته، ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته (3) من الوعيد - حجة ولا معلوماً صدقه، فكان لا يلزمهم قبوله.
فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول، ضرب لهم
[1]ا: " ما وقع م ": " عما وقع " (2) م: " سبيلا " (3) م: " دلالة " (*)
وكذلك أبو بكر: أحمد بن على، المعروف بابن الاخشيد، المعتزلي، المتوفى سنة 36 هـ، فإنه قد ألف كتابا أسماه: " نظم القرآن ".
وأول كتاب علمناه، يشتمل عنوانه على كلمة الاعجاز هو كتاب: " إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه " لابي عبد الله: محمد بن يزيد الواسطي، المعتزلي، المتوفى سنة 306 هـ.
وهو من الكتب التى لا نعرف عنها غير أسمائها المجردة.
وقد بقى من الكتب المؤلفة في القرن الرابع عن إعجاز القرآن، ثلاثة كتب.
أولها: كتاب الرماني، وثانيها: كتاب الخطابى، وثالثها: كتاب الباقلانى.
وهى التى نعرض لها بالبيان والتحليل، فيما يلى: إعجاز القرآن للرماني: ولد أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي في سنة 276، ومات سنة 384 وكان يعرف أيضا بالاخشيدى، نسبة إلى أستاذه ابن الاخشيد، وبالوراق، لانه كان يحترف الوراقة.
وقال عنه ياقوت في معجم الادباء 24 / 74: " كان إماما في علم العربية، علامة في الادب، في طبقة أبى على الفارسى، وأبى سعيد السيرافى وله تصانيف في جميع العلوم: من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام، على رأى المعتزلة.
وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق، حتى قال أبو على الفارسى: إن
كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شئ، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شئ ".
وقال عنه أبو حيان التوحيدي في الامتاع والمؤانسة 1 / 133: " وأما على بن عيسى فعالى الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، وعيب به، لانه لم يسلك طريق واضح المنطق، بل أفرد صناعة، وأظهر براعة وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا.
هذا مع الدين الثخين، والعقل الرصين " وقال عنه في تقريظ الجاحظ، كما قال ياقوت، في معجم الادباء 14 / 76 -: " لم ير مثله قط..علما بالنحو، وغرازة في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل، مع تأله وتنزه ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة "
المثل بمن خالف الآيات، وجحد الدلالات والمعجزات، فقال: (أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ الَّذينَ كَانُواْ مِنْ قَبْلهِمْ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الارض، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق) .
ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوأى، بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، وكانوا لا يقبلونها منهم.
فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام، ومجيئهما بالبينات، ومخالفتهم حكمها، إلى أن قال تعالى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْر سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذينَ آمنُواْ، كَذَلِكَ يَطْبَعَ اللهُ / عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارِ) .
فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة، وإنما يقع عن جهل، وإن الله يطبع على قلوبهم، ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان.
لجحودهم وعنادهم واستكبارهم.
ثم ذكر كثيراَ من الاحتجاج على التوحيد، ثم قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذينَ يُجَادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) .
ثم بين هذه الجملة، وإن من آياته الكتاب، فقال: (الَّذِينَ كَذَّبَوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) .
إلى أن قال: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يأتي بآية إلا بإذن الله) .
فدل على أن الآيات على ضربين: أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة[1]في دار التكليف، والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر، ويقع عندها العلم الضروري، وإنها إذا جاءت ارتفع التكليف، ووجب الاهلاك.
إلى أن قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لَمَّا رَأَوْا بَأسَنَا) .
فأعلمنا أنه قادر على هذه الآيات، ولكنه إذا أقامها زال التكليف، وحقت العقوبة على الجاحدين.
[1]ا، م: " الادلة ".
(*)
والكتاب النفيس الذى أشار التوحيدي إليه، هو كتاب: " الجامع لعلم القرآن " وقد ذكره الرماني في إعجاز القرآن.
بدأ الرماني كتابه ببيان وجوه إعجاز القرآن، فقال: إنها تظهر من سبع جهات وهى: ترك المعارضة مع توفر الدواعى وشدة الحاجة، والتحدى للكافة والصرفة، والبلاغة، والاخبار الصادقة عن الامور المستقبلة، ونقض العادة وقياسه بكل معجزة.
ثم قسم البلاغة إلى ثلاث طبقات، وقال: إن ما كان في أعلاها معجز، وهو بلاغة القرآن.
ثم عرف البلاغة بأنها إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن.
ثم قسم البلاغة إلى عشرة أقسام، وهى: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل والتجانس والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
ثم فسرها بابا بابا، على ترتيبها تفسيرا وافيا شافيا.
فهو - مثلا - عند ما عرض
لباب الاستعارة عرفها، وفرق بينها وبين التشبيه.
ثم بين أركانها، وقال: إن كل استعارة حسنة توجب بلاغة بيان لا تنوب منابة الحقيقة، وذلك أنه لو كان يقوم مقامه كانت الحقيقة أولى به، ولم تجز الاستعارة.
ثم ذكر ما جاء في القرآن من الاستعارة على جهة البلاغة، وبدأ بقول الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فجعلناه هباء منثورا) ، فقال: " حقيقة،، قدمنا،، هنا: عمدنا و " قدمنا " أبلغ منه لانه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لانه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم.
وفى هذا تحذير من الاغترار بالامهال.
والمعنى الذى يجمعهما العدل، لان العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ لما بينا " وجملة الآيات التى ذكرها في هذا الباب على ذلك النحو العظيم - أربع وأربعون آية.
وبعد أن فرغ الرماني من تفسير أبواب البلاغة العشر، عاد إلى البيان عن الوجوه السبعة التى ذكرها في أول الكتاب، وقال: إنها مظاهر إعجاز القرآن.
فأبان عن أوجه دلالتها على الاعجاز.
ويعنينا أن نذكر هنا ما قاله عن توفر الدواعى، و " الصرفة " لما للاولى من دلالة خاصة، ولاهمية الثانية.
قال: " وأما توفر الدواعى فتوجب الفعل مع الامكان لا محالة، في واحد كان أو جماعة.
والدليل على ذلك أن إنسانا لو توفرت دواعيه إلى شرب الماء بحضرته، من جهة عطشه واستحسانه لشربه، وكل داع يدعو إلى مثله، وهو مع ذلك ممكن له، فلا يجوز أن لا يقع شربه منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعى على ما بينا.
فإن لم يشربه مع توفر الدواعى له دل ذلك على عجزه عنه، فكذلك توفر الدواعى إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها "
وقال عن الصرفة: " وأما الصرفة فهى صرف الهمم عن المعارضة.
وعلى ذلك يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن معارضته وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة.
وهذا عندنا أحد وجوه الاعجاز التى تظهر منها للعقول " وختم كتابه بالاجابة عن سؤال أورده، فقال: " فإن قيل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز العرب دون المولدين، وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولدين من الكلام البليغ شئ كثير؟ قيل له: لان العرب كانت تقيم الاوزان والاعراب بالطباع، وليس في المولدين من يقيم الاعراب بالطباع كما يقيم الاوزان بالطباع، والعرب على البلاغة أقدر لما بينا من فطنتهم لما لم يفطن له المولدون من إقامة الاعراب بالطباع.
فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز " وقد ذهب الرماني إلى نفى السجع من القرآن، وتسمية ما فيه من ذلك فواصل لان الاسجاع عيب، والفواصل بلاغة، لان الفواصل تابعة للمعانى، وأما الاسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة.
أعجاز القرآن للخطابي: ولد أبو سليمان: حمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب البستى سنة 319 وتوفى سنة 388 هـ وهو من أعلام الفكر الاسلامي في القرن الرابع الذين امتازت كتبهم
وكذلك ذكر في (حم) السجدة[1]على هذا المنهاج الذي شرحنا، فقال عز وجل: (حم.
تنزيل الكتاب مِنَ الرحَّمْنِ الرَّحِيمِ.
كِتَابٌ فَصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
بَشِيراً وَنَذِيراً) فلولا أنه جعله / برهاناً لم يكن بشيراً ولا نذيراً، ولم يختلف بأن يكون عربياً مفصلاً أو بخلاف (2) ذلك.
ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم، بقوله تعالى: (فَأعْرَضَ أَكْثَرُهُم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) .
ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه.
وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ولكن (3) يحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حجة، ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه، وصحة نبوته.
وذلك: أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره.
ويبين ذلك: أنه قال عقيب هذا: (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحُى إِلَيَّ) .
فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي.
ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: (إِنَّ الَّذينَ آمنَوُا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِ) .
ومعناه: الذين آمنوا بهذا الوحي والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة.
ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة، إلى أن قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادِ وثَمُودَ) .
فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في الدنيا.
ثم توعدهم بأمر الآخرة، فقال: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، إلى انتهاء ما ذكره فيه.
ثم رجع إلى ذكر القرآن، فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذَا القُرْآنِ والْغَوْا فيه لعلكم تغلبون) .
[1]هي سورة: فصلت (2) ا، م: " خلاف " (3) س: " ويحتاج " (*)
بغزارة المادة، وعمق الفكرة، ودقة الاستنباط وروعة البيان، وظهرت فيها شخصيتهم واضحة المعالم، بينة القسمات.
ومن كتب الخطابى الجليلة: كتاب " غريب الحديث " و " معالم السنن في شرح سنن أبى داود " و " أعلام السنن في شرح البخاري " وإعجاز القرآن " وهو أصغرها حجما.
بدأ الخطابى كتابه بقوله: " قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما
وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم - بعد - صدروا عن رى، وذلك لتعذر معرفة وجه الاعجاز في القرآن، ومعرفة الامر في الوقوف على كيفيته " ثم عرض للاقوال التى قيلت قبله في وجوه الاعجاز، وبدأ برأى القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه، وانقطعوا دونه.
وعقب عليه بقوله: " وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها دلالة، وأيسرها مؤونة، وهو مقنع لمن لم تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الاعجاز فيه.
ثم ثنى برأى القائلين بأن العلة في إعجازه " الصرفة " أي صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدورا عليها، غير معجوز عنها، إلا أن العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجارى العادات - صار كسائر المعجزات.
وعلق عليه بقوله: " وهذا أيضا وجه قريب، إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهى قوله سبحانه: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) .
فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التى وصفوها لا يلائم هذه الصفة فدل على أن المراد غيرها " ثم ذكر رأى الطائفة التى زعمت أن إعجازه إنما هو فيما تضمنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، وصدقت أقوالها مواقع أكوانها.
ثم نقده بقوله: " ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره، نوع من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالامر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن.
وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها،
ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوْا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الملائِكَةُ ألاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وَأَبشِروا) .
ثم قال: (وَإمَّا ينزغنك من الشيطان نزع فاستعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ) .
وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال، لأن الضروريات لا يقع فيها نزع الشيطان.
ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه.
ثم قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنَا) ، إلى أن قال: (إَنَّ الَّذِينَ كفرا بِالذِّكْرِ لّمَّا جَاءَهُمْ، وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لاَّ يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفِهِ) .
وهذا وإن كان متأولاً على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه[1]من الأخبار عن الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الاتى - فلا يخرج عن أن يكون متأولاً على ما يقتضيه نظام الخطاب، مع أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة / تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقه.
وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته [وإعجازه] .
وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه.
ثم قال: (وَلَوْ جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته، أأَعْجمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) (2) فأخبر أنه لو كان أعجمياً لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك خارج عن عرف خطابهم، أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا يبين (3) لهم وجه الإعجاز فيه.
لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغير ذلك من الأمور، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه - وجبت الحجة عليهم به، على ما نبينه في وجه هذا الفصل.
إلى أن قال: (قُلْ أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، من أضل ممن هو في شقاق بعيد) .
[1]م: " تضمنه " (2) سورة فصلت: 44 (3) م، " وبأنه لا يتبين " (*)
فقال: (فَأتُواْ بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شَهدَاءَكُمِ مِنْ دون الله إن كنتم صادقين) من غير تعيين.
فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه " ثم ذكر الرأى الرابع الذى ذهب إليه الاكثرون من علماء أهل النظر، وهو أن إعجازه من جهة " البلاغة " وقال: " ووجدت عامة أهل هذه المقالة، قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن، دون التحقيق له، وإحاطة العلم به.
ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التى اختص بها القرآن، وعن المعنى الذى يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة - قالوا: لا يمكننا تصويره، ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام: وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة، لا يمكن تحديده.
وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذى يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به - عند سماعه - معرفة ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيل الفاضل من المفضول منه.
وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوى العلم والمعرفة به.
وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا يوجد مثلها لغيره، والكلامان معا فصيحان، ثم لا يوقف لشئ من ذلك على علة " ثم عقب الخطابى على ذلك بقوله: " وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام " ثم ذكر أن دقيق النظر، وشاهد العبر، قد دلاه على ما يباين به القرآن سائر الكلام، وأن العلة في ذلك: " أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية.
فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز المطلق الرسل.
وهذه أقسام الكلام الفاضل.
فالقسم الاول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده،
والقسم الثالث أدناه وأقربه.
فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الاقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الاوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة.
وهما على الانفراد في نعوتهما
والذى ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور، فكر هنا سرد القول فيها.
فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك.
ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل: (وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين.
أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم)[1]فأخبر أن الكتاب آية من / آياته، وعلم من أعلامه، وإن ذلك يكفي في الدلالة، ويقوم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء، صلوات الله عليهم.
ويدل عليه قوله عز وجل: (تبارك الذي نزل الفرقان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً، الَّذِي لَهُ ملك السموات والارض) (2) .
ويدل عليه قوله: (أم يقولون افترى على الله كذبا، فإن يشإ الله يختم على قلبك، ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته) (3) .
فدل على أنه جعل قلبه مستودعاً لوحيه، ومستنزلاً لكتابه، وأنه لو شاء صرف ذلك [عنه} إلى غيره.
وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق، وإبطال الباطل مع صرفه عنه.
ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التي وصفناها.
فبان بهذا وبنظائره (4) ما قلناه، من أن بناء نبوته صلى الله عليه وسلم على دلالة القرآن ومعجزته، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى، وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء، لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد عليها، ووصف منضاف (5) إليها، لأن نظمها ليس معجزاً (6) ، وإن / كان ما تتضمنه (7) من الأخبار عن الغيوب (8) معجزاً.
وليس كذلك القرآن، لأنه يشاركها في هذه الدلالة، ويزيد عليها
[1]سورة العنكبوت: 50 و 51 (2) سورة الفرقان: 1 و 2 (3) سورة الشورى: 24 (4) ا: " بها وبنظائرها " (5) س: " مضاف " (6) م: " معجز " (7) س: " يتضمنه " (8) م: " عن الغائبات والغيوب " (*)
في أن نظمه معجز، فيمكن أن يستدل به عليه، وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام من القديم سبحانه وتعالى، لأن موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم أنه في الحقيقة كلامه.
وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله، وإن اختلف الخال في ذلك من بعض الوجوه، لأن موسى عليه السلام سمعه من الله عز وجل، وأسمعه نفسه متكلماً، وليس كذلك الواحد منا.
وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه، وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا الفصل.
والذى نرومه الآن ما بيناه من اتفاقهما في المعنى الذى وصفناه، وهو: أنه عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال، وكذلك نحن نعلم ما نقرؤه[1]من هذا على جهة الاستدلال.
[1]ا، م: " ما نعلمه " (*)
كالمتضادين، لان العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة.
فكان اجتماع الامرين في نظمه - مع نبو كل واحد منهما عن الآخر - فضيلة خص بها القرآن " ثم قال: " وإنما تعذر على البشر الاتيان بمثله، لامور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبأوضاعها التى هي ظروف المعاني، والحوامل لها.
ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الافضل عن الاحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.
وإنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم.
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الالفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه.
وأما المعاني فلا خفاء على ذى عقل أنها هي التى تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقى إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذى أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا.
فتفهم الآن، واعلم أن القرآن أنما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني: من توحيد له - عزت قدرته -
وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته: من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الاخلاق، وزجر عن مساويها.
واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب
/ فصل في [بيان وجه] الدلالة على أن القرآن معجز قد ثبت بما بينا في الفصل الأول أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم
مبنية على دلالة معجزة القرآن.
فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك: قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا هو: أن يعلم أن القرآن، الذى هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف، هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة.
والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر، الذي يقع عنده العلم الضروري به.
وذلك أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره ممن لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد، ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره، ويأخذه غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش، وغيرهم من ملوك الاطراف.
ولما ورد ذلك مضاداً لأديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفاً لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر - وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل دينه الذين أكرمهم الله بالإيمان على جملته / وتفاصيله، وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير، إذ كان عمدة دينهم، وعلماً عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم.
ما أمر به ونهى عنه.
ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الامور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق - أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرهم: فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله " وأنى لهم ذلك وأمر معاناة المعاني التى تحملها الالفاظ، شديد بالغ الشدة لانها نتائج العقول، وولائد الافهام، وبنات الافكار.
وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لانها لجام الالفاظ وزمام المعاني، وبه يتصل أخذ الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان " ثم ذكر أقوال المعاندين للقرآن، لما عجزوا عن معارضته، وقال: " إن عمود هذه البلاغة التى تجتمع لها هذه الصفات، هو وضع كل نوع من الالفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الاخص الاشكل به.
الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه: إما تبدل المعنى الذى يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة.
ذلك أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة والحمد
والشكر.
والامر فيها وفى ترتيبها عند علماء اللغة بخلاف ذلك، لان لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها ".
ثم مضى يبين الفروق بين معاني الكلمات التى ذكرها، وأتبعها بطائفة الاعتراضات التى وجهت إلى القرآن، أو التى يمكن أن توجه إليه، كتأليف معظم كلامه من ألفاظ مبتذلة في مخاطبات العرب، مستعملة في محاوراتهم، وقلة حظه من الغريب المشكل، بالاضافة إلى واضحه الكثير، وقلة عدد الفقر والغرور من ألفاظه، بالقياس إلى مباذله ومراسيله.
والقول بأن كثيرا من العبارات الواقعة في القرآن، لم تقع في أفصح وجوه البيان وأحسنها، وأنه قد عرض فيه سوء التأليف من نسق الكلام على ما ينبو عنه ولا يليق به، وإدخاله بين الكلامين ما ليس من جنسهما، مع ما فيه من الحذف والاختصار، ومضاعفة التكرار، وغير ذلك مما يشكل معه الكلام ويستغلق معناه، ويخرج به عن الفصاحة العالية والبلاغة السامية.