بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 211

والذي عندنا، أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع إقامة وزنِ الشعر في إنشاده إلا لأنه منع من إنشائه، فلو استقام له وزن بيت واحد، لغلبت عليه فطرته القوية، فمرَّ في الإنشاد، وخرج بذلك - لا محالة -
إلى القول والاتساع وإلى أن يكون شاعراً، ولو كان شاعراً لذهب مذاهب العرب التي تبعث عليها طبيعة أرضهم - كما بسطناه في موضعه - ولتكلف لها، ونافس فيها، ثم لجاراهم في ذلك إلى غايته، حتى لا يكون دونهم فيما تُستوقِد له الحمية، وما هو من طبع المنافسة والمغالبة، وهذا
أمر، كما ترى، يدفع بعضه إلى بعض، ثم لا يكون من جملته إلا أن ينصرف عن الدعوة، وعما هو أزكى بالنبوة وأشبه بفضائل القرآن، ولا من أن يتسعَ للعرب يومئذ بد، فيقرهم على شيء،
ويجاريهم على شيء، وينقض شعره أمر القرآن عروة عروة، ولذا قال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) .
ئم يأتي بعد ذلك جلة أصحابه وخلفائه، يأخذون فيما أخذ فيه، فيمضون على ما كان من أمرهم في الجاهلية، ويثبتون على أخلاقهم وعلى أصول طباعهم ويستطير ذلك في الناس، وهو
أمر متى تهيأ نما فيهم، ومتى نما غلب عليهم، ومتى غلب استبد بهم، ومتى استبد لم تقم معه للإسلام قائمة (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) .
فانظر، هل ترى شيئاً غير إلهي هذا التدبير المحكم والصنع العجيب؛ وهل ترى ذلك أعجب


صفحه 212

من أن الله تعالى منع نبيه تصحيح وزن الشعر، وجعل لسانه لا ينطلق به إذ وضعه موضع البلاغة من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه، لأنه تعالى من غيب المصلحة لعباده، أنه - صلى الله عليه وسلم - لو أقام وزن
بيت مال به عمود الدين، ثم لتصدع له الأساس الاجتماعي العظيم الذي جاء به القرآن، إذ يكون قد بنى على غير أركان وثيقة ولا عماد محكم.
على أن منع الشعر إنما أخذ به - صلى الله عليه وسلم - منذ نشأته، ولولا ذلك ما استقام له وجه طبيعي ليس فيه ندرة تُعَد؛ فقد نشأ منه نشأته على بغضه؛ والانصراف عما يَزين الشيطانُ منه، والنفرةِ من تعاطيه،
وعلى أن يتوهم شيئاً من أوزانه وأعاريضه حتى يُميت الدواعيَ إليه من نفسه، فلا تنزع به الفطرة،
لا تستدرجه العادة، وعظم ذلك عنده وبلغَ، لا يُعرف أحد من العرب كره قول الشعر كُرهه، ولا أبغضه، بغضه، مع تأصله في فطرتهم، ونزوعهم إليه بالعِرْق، ونشأة الناشئ منهم على أسبابه من
طبيعة الأرض وطبائع أهلها، وعلى أنه لا يفتأ يدور في مسمعه، ويختم في قلبه، ولا يبرح منه راوياً أو حاكياً، فقد كان حكمةَ القوم وسياستهم ومعدن آدابهم وديوان أخبارهم، بل كان عبادة
أرواحهم لطبيعة أرضهم، والصلةَ المحفوظة بينهم وبين ماضيهم، كما سلفت الإشارة إليه في موضعه، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -:
" لما نشأت بغضت إليَّ الأوثان وبغض إليَّ الشعر. ولم أهِم بشيء مما
كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمني الله منهما، ثم لم أعد ".
لا جرم أن ذلك تأديب من الله أراد به تحويل فطرته - صلى الله عليه وسلم - عن الشعر وقوله، حتى لا تنزع به العادة منزعاً، ولا تذهب في أسبابه مذهباً وحتى تستويَ في ذلك ظاهراً ودِخلة، فلا يستطرق لها
الوهم من باب ولا يجد إليها مَفوى يبلغه، ومتى كان بغض الشعر في نفسه كبغض الأوثان وأن العمل في ذلك بالنسبة إليه كالعمل لهذه، فكيف يمكن أن يبقى له مع هذا كله طبع فيه أو وجه إليه. . وكيف يتأتى أن يكون مثل هذا أدباً أخذ به نفسه وراضها عليه، دون أن يكون تاديباً من الله
وتصرفاً منه، في تكوين نفسه وتهذيب فطرته، وتحويل طبعه، وأن يكون قد منعه في هذا الباب ما لم يمنعه أحداً من قومه، كما أعطاه في أبواب كثيرة ما لم يعطه أحداً منهم، وخاصة إذا عرفت أن
الشعر قد كان سجية في أهله، وأنه ليس من بني عبد المطلب رجالاً ونساء من لم يقل الشعر غيره - صلى الله عليه وسلم - وإنما كل ذلك تفسير طبيعي لقوله عليه الصلاة والسلام: " أدبني ربي فأحسن تأديبي ".
على أنه فيما كان وراء عمل الشعر وتعاطيه وإقامة وزنه، يحب هذا الشعر ويستنشده، ويثيب عليه، ويمدحه متى كان في حقه ولم يعدل به إلى ضلالة أو معصية، والآثار في هذا المعنى كثيرة لا نطيل باستقصائها، ولولا أن ذلك قد كان منه - صلى الله عليه وسلم - لماتت الرواية بعد الإسلام، ولما وجد في
الرواية من يجل وكده حمل الشعر وروايته وتفسيره واستخراج الشاهد والمثل منه، وكأنه عليه الصلاة والسلام حين سمع الشعر وأثاب عليه ورخص فيه لم يرد إلا هذا المعنى، والشاهد القاطع


صفحه 213

قوله في أمر الجاهلية: " إن الله قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته!
وبمثل هذا القول استأنس العلماء وتجردوا للرواية وتملأوا منها. رحمهم الله وأثابهم بما صنعوا!
وقد كان له - صلى الله عليه وسلم - شعراء ينافحون عنه، ويتجارون مع شعراء القبائل الأحاديث والأفانين، ولم يقمهم هو ولكن أقامتهم العادة العربية التي جعلت قولهم أشد على بعض العرب من نضح النبل،
لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بالفخر، ولم يبعث للهجاء، وقد ترك عادة العرب ونخوة الجاهلية في مثل ذلك، ولكنهم لم يتركوها في أول العهد بالرسالة، فكانوا يَهيجون عليه شعراءهم، ويحرضون خطباءهم، ويقصدونه بالأقاويل يستطيلون بها عليه، فإذا أتاه الوفد منهم:
كبني تميم حين جاءوه بشاعرهم الأقرع بن حابس وخطيبهم عَطارد بن حاجب؛ ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد، أخرج إلينا نفاخركَ ونشاعرْكَ، فإن مَدْحنا زين وذمنا شَين - رماهم بمثل
خطيبه ثابت بن قيس شمَّاس. أو بأحد شعرائه عبد الله بن رَواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك، فضغَموا الشعراء والخطباء، وأبلغوا في الرد عليهم، تأييداً من الله في المنافحة عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -،
ورداً لكيدهم الذي يكيدون.
ولقد كانت السابقة في ذلك لحسان رضي الله عنه، وكان ذا لسان ما يسره به معقول من مَعَدّ وكأنما زاد الله فيه زيادة ظاهرة؛ وهو الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " قل وروحُ القدسِ معك!
فكان إذا أرسل لسانه لم يجدوا له دفعاً، وإذا مسهم بالضر لم يَجد شعراؤهم نفعاً، وإذا وضع منهم لم يستطيعوا لما وضعه رفعاً:
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تَبع
لا يرقَع الناسُ ما أوهَت أكفهمُ ... عند الدفاع ولا يُوهون ما رقعوا
أكرم بقومٍ رسولُ الله شيعتهم ... إذا تفرَّقت الأهواء والشيعُ
***


صفحه 214

تأثيره في اللغة - صلى الله عليه وسلم -
قد علمت مما بسطناه في مواضع كثيرة، أن قريشاً كانوا أفصح العرب ألسنة، وأخلصهم لغة، وأعذبهم بياناً؛ وأنهم قد ارتفعوا عن لهجات رديئة اعترضت في مناطق العرب، فسلمت بذلك لغتهم، وإنَّما كان هؤلاء القوم أنضاد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعمامه وأهله وعشيرته، ثم علمت ما قلناه آنفاً في نشأته اللغوية، وما وصفناه من أمره فيها، وأن له في تلك رتبة بعيدة المصعد، فلا جَرَم كان - صلى الله عليه وسلم - على حد الكفاية في قدرته على الوضع، والشقيق من الألفاظ، وانتزاع المذاهب
البيانية، حتى اقتضب ألفاظاً كثيرة لم تسمع من العرب قبله، ولم توجد في متقدم كلامها، وهي تعد من حسنات البيان، لم يتفق لأحد مثلها في حسن بلاغتها، وقوة دلالتها، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها، وكلها قد صار مثلاً، وأصبح ميراثاً خالداً في البيان العربي، كقوله:
ماتَ حتف أنفه وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما سمعتُ كلمة غريبة من العرب - يريد التركيب البياني - إلا وسمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمعته يقول:
" مات حتفَ أنفه "
وما سمعتها من عربي قبله.
ومثل ذلك قوله في الحرب: " الآن حميَ الوَطِيس "،
وقوله: " بُعثْتُ في نفس الساعة "
إلى كثير من ذلك سنقول فيه بعد. وهذا ضربٌ عزيز من الكلام يحتذيه البلغاء ويطبعون على قالبهِ؛
وكلما كثر في اللغة لانت أعطافه، واستبصرت طُرُق الصنعة إليه، وما من بليغ أحدث في العرَبية منه ما أحدثه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذه واحدة في الأوضاع التركيبية، وسنبسط القول فيها.
والثانية في الأوضاع المفردة، مما يكون مجازة مجاز الإيجاز والاقتضاب؛ وهذا الباب كانت تنصرف فيه العرب بالاشتقاق والمجاز، فتضع الألفاظ وتنقلها من معنى إلى معنى، غير أنها في


صفحه 215

أكثر ذلك إنما تتسع في شيء موجود ولا توجِد معدوماً؛ فلم يعرف لأحد من بلغائهم وضحع بعينه يكون هو انفرد به وأحدثه في اللغة ويكون العرب قد تابعوه عليه، إلا ما ندر لا يعد شيئاً؛
بخلاف المأثور عنه - صلى الله عليه وسلم - في مثل ذلك، فهو كثير تعد منه الأسماء والمصطلحات الشرعية مما لم يرد في القرآن الكريم؛ ومنه ألفاظ كان العربُ أنفسهم يسألونه عنها ويعجبون لانفراده بها وهم
عربٌ مثله؛ كما عجبوا لفصاحته التي اختص بها ولم يخرج من بين أظهرهم، كما روي من أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي تَميمة الهُجَيمي: " إياك والمخيلةَ " فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب؛ فما المخيلة؟
فقال عليه الصلاة والسلام:، سَبلُ الإزار "
ومرت الكلمة بعد ذلك على هذا الوضع، يراد بها الكبر ونحوه.
وكثيراً ما كان يسأل أصحابه عن مثل هذا فيوضحه لهم، ويسددهم إلى موقعه؛ واستمر عصره على ذلك، وهو العصر الذي جمعت فيه اللغةُ واستفاضت، وامتنع العربُ عن الزيادة فيها
بعد أن سمعوا القرآن الكريم وراعتهم أسرار تركيبه؛ فلم يكن يومئذ من يتجوز ويقتضب ويشتق ويضع غيره - صلى الله عليه وسلم -، مع أنه كان لا يتأتى إلى ذلك بالروية، ولا يستعين عليه بالفكر، ولا يجمع
بالنظر؛ إنما هو أن يعرض المعنى فإذا لفظه قد لبسه واحتواه وخرج به على استواء، لا فاضلاً ولا مقصراً، كأنما كان يُلهَم الوضع إلهاماً، وليس ذلك بأعجب من مخاطبته وفود العرب بما كان لهم من اللغات والأوضاع الغريبة التي لا تعرفها قريش من لغتها، ولا تتهدَّى إلى معانيها، ولا يعرفها
بعضُ العرب عن بعض، ثم فَهمه عنهم مثل ذلك على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، حتى قال له علي رضي الله عنه وقد سمعه يخاطب وفدَ بني نهد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال عليه الصلاة والسلام: " أدبني ربي فأحسنَ تأديبي ".
ومن ذلك كتبه الغريبة التي كان يُمليها ويبعث بها إلى قبائل العرب يخاطبهم فيهم


صفحه 216

بلحونهم ولا يعدو ألفاظهم وعبارتهم فيما يريد أن يلقيه إليهم، وهي ألفاظ خاصة بهم وبمن يداخلهم ويقاربهم، ولا تجوز في غير أرضهم ولا تسيرُ عنهم فيما يسير من أخبارهم، ولا تأتلف مع أوضاع اللغة القرشية فما ندري أي ذلك أعجب: أن ينفرد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعرفة هذا الغريب من ألسنة العرب دون قومه وغير قومه ممن ليس ذلك في لسانهم، عن غير تعليم ولا تلقين ولا رواية، أو أن يكونَ قومُه من قريش قد ضربوا في الأرض للتجارة حتى اشتق اسمهم منها، وخالطوا
العرب وسمعوا مناطقهم في أرضهم، وحين يتوافَون إليهم في موسم الحج، وهم مع ذلك لا يعلمون من هذا الغريب بعضَ ما يعلمه، ولا يديرونه في ألسنتهم، ولا يُورثونه أعقابَهم فيما ينشأون عليه من السماع والمحاكاة؛ حتى كان هذا لباب فيه - صلى الله عليه وسلم - باباً على حدة، كما يؤخذ كل
ذلك من قول علي: " نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره "،
فليس العجب في أحد القسمين إلا في وزن العجب من الآخر.
على أنا ننقل كتاباً من هذه الكتب؛ لنعرف الأمر على حقه، ولنميز اللغةَ السهلة التي ذهبت خشونتها وانسحقت في الألسنة، وهي لغة قريش، من هذه اللغات الغريبة التي يجمعها - صلى الله عليه وسلم - دون
قومه، ثم لا تجري في منطقه إلا مع أهلها خاصة؛ ولا تندر في كلامه مع غيرهم، أو تغلب عليه، أو تنقصُ من فصاحته، أو تُضعف أسلوبه، كما هو الشأن في أهل الغريب من هذه اللغة، وفيمن
يتباصرون به ويتكلفون لذلك حفظَه وروايتَه، وهم أهل التوعرِ والتقعير واستهلاك المعاني، الذين تُسْلمهم إلى ذلك طبيعة الغريب نفسه، إذ يدور في ألسنتهم ويستجيبُ لهم كلما مَثلت معانيه، غير
مُختَلب ولا مستكرَه، ويغلبهم على مُرادِفه من الكلام السهل المأنوس؛ لأنهم أكثر رغبة فيه.،
وأشد عناية به في الطلب والحفظ والمدرمة؛ ومتى نشطت طبيعة الإنسان لأمر من الأمور، فقد لزمها توفير قِسطِه من المزاولة، وتوفيه حقه من العناية به تبلغ منه البلاغَ كله، وحتى يكون هو الغالب عليها، وحتى يلزمه فها في حق الاستجابة إليها، ما لزمها منه في حق العناية
أما الكتابُ الذي أشرنا إليه فهو كتابه - صلى الله عليه وسلم - لوائل بن حُجر الكِنْدِي، أحد أقيال حَضرَمَوت، ومنه:


صفحه 217

" إلى الأقيال العَباهلةِ، والأزواع المشابيب. . . ".
وفيه: وفي التيعة شاة لا مقورَةُ الألياط، ولا ضناك، وأنطوا الثبجة. وفي السيُوب الخُمس ومَن زَنى مِم بكر فاصعقوه مائة، واستوفضوه عاماً. ومَن زَنى مِم ثيب فضرجوه بالأضاميم. ولا توصيمَ في الدين، ولا غفة في فرائض الله تعالى، وكل مُسكر حرام وائلُ بن حجر يترفل على الأقيال ".
ومن هذا الباب كلامه - صلى الله عليه وسلم - مع ذي المشعار الهمدَاني، وطهفة النهدي وقطن بن حارثة العليمي، والأشعث بن قيس، وغيرهم من أقيال حضرموت ورجال اليمن، قد أحصاه أهلُ الغريب
وفسروه؛ وانظر كتابه إلى همدان، ومنه:
(. . إن لكم فراعَها ووهِاطها وعَزَازها، تأكلون علافَها، وتَرعون عفاءها؛ لنا من دفئهم وصرامِهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثَلَبُ والنَابُ والفصيل والفارضُ والداجِنُ والكبش الحوَرِي، وعليهم فيها الصالغُ والقارح ".
فهذه طائفة يسيرة مما انتهى إلينا من غريب اللغات التي كان يعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنَّما خرجت عنه هي وأمثالها، مما جمعوا حديثاً كالأحاديث، ورُويت كما فصلت؛ ولولا أنها وجه من التاريخ
والسيرة، وضرب من تعليم أولئك القوم، لقد كانت انقطعت بها الرواية فلم ينته إلينا منها شيء،


صفحه 218

فهي ولا ريب لم تكن مجتلبة، ولا متكلفة، ولا ترامى إليها البحث والتفتيش، وإنَّما جرت منه - صلى الله عليه وسلم - مجرى غيرها؛ مما قذفه الطبع المتمكن، وألفته السليقة الواعية، ولا ريب أن وراءها في ذلك
الطبع وتلك السليقة، ما وراء ألفاظها من سائر ما انفردت به تلك اللغات عن القرشية، فلا بد أن يكون لمجر محيطاً بفروق تلك اللغات، مستوعباً لها على أتم ما تكون الإحاطة والاستيعاب، كأنه في كل لغة من أهلها، بل أفصح أهلها.
وإنما يحمل هذا على قوة في فطرته اللغوية، تتميز بالإلهام عن سائر العرب من قومه وغير قومه، على النحو الذي اختصت به ذاته الشريفة بالوحي من ربه، والباب في كلتا الجهتين واحد أيسره وأكثره.
لماذا كانت تلك فطرته اللغوية، في تمكنها، وشدتها، واستحصافها، وسبيلها إلى الإلهام؛ وانطوائها على أسرار الوضع؛ فانظر ما عسى أن يحدث من مبلغ أثرها في اللغة وضعاً واشتقاقاً
واستجازة وتقليباً، وما عسى أن يبلغ القول في مظاهرها من مخارج الكلام ووجه إرساله وإحكام تنضيده واجتماع نسقه؛ ثم تدبر ما عسى أن تكون جملة ذلك قد أثرت في العرب ومناطقها
وأساليبها، وهم كما علمت أهل الفطرة والسليقة وإنما أكبر أمرهم في اللغة التوهم والنزوع إلى المحاكاة، والمضي على ما توهموا، والأخذ فيما نزعتهم إليه الطبيعة، وعلى ذلك مبنى لغتهم كما فصلناه في بابه.
فالعربي الفصيحُ منهم، إذا كان جافياً مُتَوقحاً، وكان صافي الحس بليغ الطبع، وكان في قواه البيانية مع ذلك فضل من التصرف - رجَعَ أمره ولا جَرَم إلى أن يكون صاحب لغتهم، وإلى أن يكون منطقُهُ فيهم مذهباً من المذاهب، وإن كانوا لا يعرفونه باللغة وعلمها وتصريفها على الحدود
التي يعرفُ بها الناس علماءهم، وكان هو لا يعرف من نفسه أنه لغويَ وأنه واضع، إذ ليس من ذلك شيء يسمى عندهم علماً، إنما هو سصت الفطرة التي تأخذ فيه طبائعهم، ودلالتها التي تهتدي
بها وتستقيم عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل.
ولقد كان هؤلاء العرب أجدَر الناس بأن يقال إن فيهم
حاسة سادسة، هي حاسة الاهتداء اللغوي، ثم لا يكون هذا القول إلا حقاً.
وبعد، فإنه ليس لنا أن نبسط في الفصل أكثر مما بسطنا، فإن علماءنا ورواتنا رحمهم الله لم يوقعوا الكلام في أماليهم وكتبهم على حالة اللغة لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تعييناً، ولا دلوا على ما كان له
من الأثر في أوضاعها وتقليبها، وعلى ما جاء من قِبَله في ذلك مما كان من قبل سواه؛ وعلى ما صارت إليه اللغة بعد استفاضة الإسلام والاجتماع على المضرية، إلى ما يداخل ذلك من أبواب التاريخ اللغوي.
وإنما اكتفوا بأنهم إجماع واحد، ويقين لا تحتل منه، أنه عجَتَ كان أفصح العرب، وأعلمهم بلغاتها وأوسعهم في هذا الباب وأنه لم يأتهم عن أحد من روائع الكلام ما جاءهم عنه وأن له في كل ذلك المزية البينة، التي تواتر النقل، وتظاهر بها الخبر، كما أسلفنا بيانه، ثم تركوا