بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 219

أن يتوسعوا في تفصيل ما أجمعوا عليه وأن يعتلوا له بأسبابه، ويعرضوا له من وجوهه، ويستقصوا فيه إلى أوائله، ويأخذوه من نشأته؛ حتى إن الذي وضعوا الكتب الممتعة في علم غريب الحديث،
لم يتعرضوا له، ولم يقولوا فيه قولاً، مع أنه مبنى علمهم، وجهة تأليفهم، وله منصب الحجة،
وإليه غاية الرأي، بل اجتزأوا - عفا الله عنهم - ببيان اللفظ الغريب وتفسيره، وصرفوا أكبر همهم إلى الإكثار من الجمع، وإلى صحة المعنى وجودة الاستنباط. وكثرة الفقه. وإشباع التفسير وإيراد
الحجة وذكر النظائر.
وتخليص المعاني، حتى كانت هذه الكتب كلها كما قال الخطابي البستي
" إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد ".
وما ننكر أن هذا كله حظ النقل والرواية.
ولكن أين حظ الرأي والدراية؛ وأين مذهب الحجة، وأين فائدة التاريخ؛ وأين دليل الفصاحة من اللغات؛ وأين أدلة اللغات من أهلها؟ . . .
وهذه فنون لو أن الرواية امتدت بها أو بعضها من عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -: وكان لعلمائنا رأي محصد في هذا الأمر. وحسبة حسنة. ونظر وتدبير - لقد كان الله ارتاح لنا برحمة من عملهم، وأنقذنا من كثير
لا نبرح نضطرب فيه آخر الدهر، وهيأ لنا من صنيعهم أسباباً وثيقة إلى أبواب من فلسفة هذه اللغة وتاريخ آدابها؛ ولكن ذلك قد كان من أمرهم في اللغة خاصةَ، ولما بيناه في الجزء الأول من تاريخ
آداب العرب: لم يرو أنه يسقط شيئاً على من بعدهم، ولا رأوا أنه وكف ولا نقص، ولا أن في باب الرأي غير ما صنعوا: فأخذوه على الجهة التي اتفقت لهم، وجاءوا به من عصرهم لا من عصره.
وقد كان هذا الشأن قريباً منهم لو أرادوه، وذلك الأمرُ مُوطأ لهم لو اعتزموا فيه؛ ولكنه فوت قد فات. وعمل قد مات، وأمل لزِمَتْه هيهات فلم يبق لنا من بعدهم إلا أن نصنع كما صنعنا؛
فنأخذ بالجملة دون تفصيلها، ونصلَ القولَ بين الأسباب وما تسببت له، ونعتل لما جاء عن النفس بما هو في تركيب النفس ونستروحَ إلى ما أجمعوا عليه بالحجة التي ينصبُها الإجماعُ ويشدها الاتفاق، ومهما أخطأنا من ذلك لم يُخطئنا الكشفُ على أصل المعنى وثبتِه ووجهِ مذهبه، وفي هذا
بلاغ، ثم لا يكون قد فاتنا في مثل هذا الفصل إلا ضربَ من الكمال والتأليف، وباب من التطوع في العمل، وإنما وجهُ الحقيقة في ذلك الأصل لا في الأمثلة ومظهر الواجب في الفرض وحده
وكم وراء الفرض من نافلة.


صفحه 220

نسق البلاغة النبويَّة
قد قلنا في بيان أسلوب كلامه - صلى الله عليه وسلم -، أنه أسلوب منفرد في هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وأن ما أشبهه من بلاغة الناس في الكلمات القليلة والجمل المقتَضبَةِ، لا يشبهه
في العبارة المبسوطة، ولا يستوي له الشبه مع ذلك في كل قليل ولا في كل مقتَضَب، حتى يقع التنظير بين الأسلوبين على الكفاية، وحتى يميل الحكم إلى الجزم بأن بعض ذلك كبعضه: بلاغة ونسقاً وبياناً.
ونحن الآن قائلون في نسق هذا الأسلوب؛ ليتأدَّى بك القول إلى صميم مذهبه، وينتظم هذا القول بعضه ببعض.
إذا نظرت فيما صح نقله من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة الصناعتين اللغوية والبيانية، رأيته


صفحه 221

في الأولى مُسددَ اللفظ مُحكم الوضع جزل التركيب. متناسِب الأجزاء في تأليف الكلمات: فخم الجملة واضح الصلة بين اللفظ ومعناه واللفظ وضريبه في التأليف والنسق، ثم لا ترى فيه حرفاً
مضطرباً؛ ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه؛ ولا كلمة غيرُها أتم منها أداة للمعنى وتأتياً لسره في الاستعمال؛ ورأيته في الثانية حسن المعرِض، بين الجملة، واضحَ التفضيل، ظاهِرَ الحدود جيدَ الرصفِ، متمكن المعنى؛ واسع الحيلة في تصريفه، بديعَ الإشارة، غريب اللمحة،
ناصع البيان، ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراهاً، ولا ترى اضطراباً ولا خطلاً، ولا استعانة من عجز، ولا توسعاً من ضيق، ولا ضعفاً في وجه من الوجوه.
وهذه حقيقة راهنة؛ دليلُها ذلك الكلام نفسهُ بجملته وتفصيله، لا يجهلها إلا جاهل، ولا يغفل عنها إلا غافل، فإذا أنت أضفت إليها ما هناك، من سمو المعنى؛ وفصل الخطاب، وحكمة القول، ودنو المأخذ، وإصابة السر، وفصل التصرف في كل طبقة من الكلام، وما يلتحق بهذه
وأمثالها من مذهبه - صلى الله عليه وسلم - في الإفصاح، ومنحاه في التعبير، مما خُص به دون الفصحاء، وكان له
خاصة، من عظمة النفس، وكمال العقل، وثقوب الذهن ومن المنزعَة الجيدة، واللسان المتمكن - رأيت من جملة ذلك نسقاً في البلاغة قفما يتهيأ في مُثول أغراضه وتساوق معانيه لبليغ من البلغاء،
إذ يجمع الخالص من سر اللغة ومن البيان ومن الحكمة - بعضها إلى بعض.
أما اللغةُ فهي لغة الواضع بالفطرة القوية المستحكمة، والمنصرف معها بالإحاطة والاستيعاب، وأما البيان فبيان أفصح الناس نشأة، وأقواهم مذهباً، وأبلغهم من الذكاء والإلهام،
وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة، وتبصير الوحي وتأديب الله، وأمر في الإنسان من فوق الإنسانية.
وأين من ذلك الفصحاء والبلغاء وأنى لهم؛ وما قط عرفنا بليغاً سَلمت له جهاتُ الصنعة في كلامه - من اللغة والبيان والحكمة - على أتمها، بحيث لم يرغ عن قصد الطريقة، ولا تحئفته
إحدى هذه الثلاث بإدخال الضيم على أختيها في كلامه واستبانة أثرها فيه وغلبتها عليه، وإنَّما هو جهد الممرن من هذه الفئة. أن يصنعَ الصنعةَ، ويغلوَ في الإتقان، ويبالغ في التهذيب والتنقيح،
ويعملَ بما وسعه لتخليص كلامه، ويتلوم على ذلك ويتقدم فيه ويتأخر متأملاً ههنا وههنا من أعطافِ الكلام، ثم هو بعد ذلك إن سلمت له الحكمة لم تسلم له صنعة اللغة في حسِّ الهداية إلى الاستعمال والتمكن منه، وإن خَلصَت له هذه لم يخلص إلى أسرار البيان في تركيبها وتنضيدها،
فإن هو أفضى إليها لم يخلص إلى النادر منها، مما يخرج الكلام في قبوله وحسن معرضه وصفاء


صفحه 222

رونقه ودقة تأليفه كأنه وضغ تركيبى مُرتجل، له غرابة الارتجال في الوضع المفرد الذي هو من أصل اللغة، فإن قوة البيان إنما هي في هذه الغرابة وفي جهتها ومقدارها على ما عرفته من قبل.
ومن أجل ذلك تقرأ كلام البليغ من الناس، فترى الصنعة المحكمة، والطبع القوي، والصقلَ البديع، واللفظَ المونَقَ، والحكمةَ الناصعةَ، ولكنك تصيب أكثر ذلك أو عامَته على وجهه كما
هو، ليس فيه سر من أسرار البيان، ولا دقيقة من أوضاع اللغة، ولا غرابة من التركيب تتحير فيها،
وتقف عندها وتعطف برأيك عليها كلما هممتَ أن تمضيَ في الكلام، وتُرَدد نظرك في مصادرها ومواردها، على إصابتك من الصناعة، وبلوغك من الأدب، ورسوخك في حكمة البلاغة، فإن
البصير بذلك ليمر في كلام البلغاء مرا، لا يعدو أن يستحسنه وُيعجَبَ به ويستمرئ أسلوبه، حتى إذا انتهى إلى وجه من وجوه هذه الغرابة البيانية. رأى في الكلام عقلاً من العقول تنطوي عليه
الأحرف القليلة، وكأنه يكاشفه بنفسه وقد ثبت على نظره كما تثبت العاطفة، فما يعفو ولا يضمحل حتى يكون هذا المتبين الذي يطلب أسرار الكلام قد وقف عنده ذاهلاً، وحبسَ عليه
الفكرَ يتأمل به فرق ما بين عقله وهذا العقل، ويَروزُ نفسه منه مختبراً، ويتعرف من تلك الأحرف القليلة مسافة ما بين العجز والقدرة إن كان عاجزاً عن مثله، أو ما بين قوة وأخرى إن كان
قادراً عليه؛ فكأن اللفظة الواحدة من تلك الجملة إنما هي مقياس للنبوغ والابتكار وكأن الجملة ليست كلاماً من الكلام، ولكنها سر من أسرار النفس يُلقي إليه شغلأطوبلاً لم يكن هو من قبلُ في
سبب من أسبابه. وما كان إلا في أحرف وكلمات يَنشرُ منها ويطوي، فقد صار إلى كلمات مسحورة تَنشر هي من نفسه وتطوي.
هذا، على أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - ليس مما تكلف له، ولا داخلته الصنعة، ولا كان يَتلوم على حَوكِهِ
وسَردِه، ولكنه عَفوُ البديهة، ومساقطة الحديث، مما يجريه في مناقلةِ الكلام ومَساق المحاضرة، وأنه مع ذلك لعلى ما وصفنا وفوق ما وصفنا، فقد تراه وما يتفق فيه من الأوضاع التركيبية الغريبة،
وتعرف أن ذلك شيء لم يتفق مثله في هذا الباب لشاعر ولا خطيب ولا كاتب على إطالة الرواية، ومراجعة الطبع، والغلؤ في الصنعة، وعلى أن لهم السبكَ الخالص والمعدنَ الصريح. والبيان
الذي يتفجَّر في الألسنة لرقته وعذوبته واطراده. .
والبليغ من البلغاء في صنعته وبيانه، كالشجرة المورقة في روَائها ونضرَتها حتى تتسق له أسبابَ من هذه الأوضاع البيانية، وتستقل له طريقة في عَقدها وإخراجها، فيبلغ أن يكون مثمراً،
والثمر بعد متفاوت في أشجار البلاغة، نضجاً وماءً وحلاوة وكثرة، وما أثمرت من ذلك بلاغة غربية ما أثمرته بلاغة السماء في القرآن الكريم ثم بلاغة الأرض في كلامه - صلى الله عليه وسلم -، والناس بعد ذلك
أجمعوا حيث طاروا أو وقعوا. . .


صفحه 223

فمن هذه الأوضاع قوله عليه الصلاة والسلام: " ماتَ حتف أنفِه "
وقد شرحناه فيما مر بك،
وقوله في صفة الحرب يوم حنيْن: " الآن حَمِي الوطيس "
والوطيسُ: هو التنور مجتمعُ النار والوقود، فمهما كانت صفة الحرب، فإن هذه الكلمة بكل ما يقال في صفتها، وكأنما هي نار
مشبوبة من البلاغة تأكل الكلامَ أكلا، وكأنما هي تمثل لك دماء نارية أو ناراً دموية!
وقوله في حديث الفتنة: هدْنة على دَخن، والهدنة: الصلح والموادعة والدخن: تغير الطعام إذا أصابه الدخان في حال طبخه فأفسد طعمه.
وهذه العبارة لا يَعدلها كلام في معناها، فإن فيها لوناً من التصوير البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت به، وذلك أن الصلح إنما يكون موادَعة وليناً؛ وانصرافاً عن الحرب، وكفًّا عن الأذى؛ وهذه كلها من عواطف القلوب الرحيمة فإذا بني الصلح على فساد، وكان لعلةٍ من العلل،
غلب ذلك على القلوب فأفسدها، حتى لا يسترح غيره من أفعالها، كما يغلب الدخن على الطعام، فلا يجد آكله إلا رائحة هذا الدخان، والطعام من بعد ذلك مشوب مفسد.
فهذا في تصوير معنى الفساد الذي تنطوي عليه القلوب الواغرة وثم لون آخر في صفة هذا المعنى، وهو اللون المظلم الذين تنصبغ به النية (السوداء) وقد أظهرته في تصوير الكلام لفظة (الدخن) .
ثم معنى ثالث، وهو النكتة التي من أجلها اختيرت هذه اللفظة بعينها، وكانت سر البيان في العبارة كلها، وبها فضلت كل عبارة تكون في هذا المعنى وذلك أن الصلح لا يكون إلا أن تطفأ الحرب.
فهذه حربٌ قد طفئت نارها بما سوف يكون فيها ناراً أخرى.
كما يلقى الحطب الرطب على النار تخبو به قليلاً، ثم يستوقِد فيستعر فإذا هي نار تلظى، وما كان فوقه الدخان فإن النار ولا جَرم من تحته، وهذا كله تصوير لدقائق المعنى كما ترى، حتى ليس في الهدنة التي تلك صفتها
معنى من المعاني يمكن أن يتصور في العقل إلا وجدت اللون البياني يصوره في تلك اللفظة لفظة " الدَخن ".
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: " بعثتُ في نفس الساعة "
يريد أنه بعث والساعة قريبة منه.
فوصف ذلك باللفظة التي تدل على أدق معاني الحس بالشيء القريب، وهي لفظة النفس كما يحس المرء بأنفاس من يكون بإزائه ولا يكون ذلك إلا على شدة القرب، وإنَّما أفرد اللفظة ولم يقل: " بعثت في أنفاس الساعة " لأنها نفخة واحدة، وهذا معنى آخر فإن النفخة الشديدة متى جاءت
من بعيد كانت كالنفس من الأنفاس، وليس المراد من قرب الساعة أنها قدر اليوم أو غد على التعيين، ولكن المراد أنها آتية لا ريب فيها.
وأن ما بقي من عمر الأرض ليس شيئاً فيما مضى،


صفحه 224

وإن لا نظام لإنسان الدنيا إلا أن يتمثل في نفسه إنسان الآخرة، فالساعة من القرب كأنها من كل إنسان في آخر أنفاسه وهذا كله قد أصبح اليوم من الحقائق التي لا مرْية فيها.
وفي تلك اللفظة معنى ثالث، كأنه يقول: إن عمر الأرض كان طويلاً فكانت الساعة بعيدة ثم قصر هذا العمر فبدأت الساعة تتنفس: وما يدرينا أنه قد حان أجل الأرض كما يحين أجل النهار
عندما تبدأ الدقيقة الأولى من ساعة الغروب، ثم لا ينقضي هذا الأجل إلا في الدقيقة الأخيرة من هذه الساعة؟ .
وبقي معنى رائع في لفظة (النفس) أيضاً؛ وذلك أنه يقال على المجاز: فلان في نفسيى من ضيقه، إذا كان في سعة ومندوحة وقد عرف الضيق ما هو بعد أن شد عليه وكتم أنفاسه! فيكون التأويل على ذلك، أن الساعة آتية وأنها قريبة.
وأنها تكاد تكون ولكن البعثة في نفس منها، فليعمل
الناس لآخرتهم فإنه يوشك أن لا يعملوا؛ ثم ليعمروا أنفسهم قبل أن يعمروا أرضهم: فإن الساعة تطوي هذه وتنشر تلك.
ومن تلك الأوضاع قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" كل أرضٍ بسماتها "، وقوله: " يا خيل الله اركبي "
" ولا تنطح فيها عنزان ".
وقوله لأنجشةَ، وكان يسير بالنساء في هوادجهن. وهو يحدو بالإبل وينشد القريض والرَّجر. فتنشط وتجد وتنبعث في سيرها فتهتز الهوادج وتضطرب النساء فيها اضطراباً شديداً فقال عليه الصلاة والسلام
" روَيدك رفقاً بالقوارير ".
وقوله في يوم بدر: " هذا يومٌ له ما بعده ".
إلى أمثال لذلك كثيرة؛ لو أردنا أن نستقصي في جمعها وفي شرحها واستنباط وجوه البيان منها، لطال بنا القول جداً ورجع أمر هذا الفصل أن
يكون في معنى التأليف كتاباً برأسه إن كنا لا نلتزم إلا جهة البيان وحدها.
وكل ذلك من الأوضاع التي ابتدعها أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - في هذه اللغة ابتداة ولم تسمع من أحد قبله، ولا شاركه في مثلها أحد بعد، وكل كلمة منها كما رأيت لا يعدلها شيء في معناها،
ولا يفي بها كلام في تصوير أجزاء هذا المعنى وانتظام هذه الأجزاء ونفض أصباغها عليها، وهذا
الضرب من الكلام الجامع هو الذي يمتاز البليغ في كل أمة بالكلمة الواحدة من مثله، أو


صفحه 225

الكلمتين، أو الكلمات القليلة القليلة.
ولو ذهبت تحصيه في العربية ما رأيته إلا معدوداً، على حين أن خطباءها وشعراءها وكتابها وأدباءها لا يأخذهم العد وقد انفردت بكثرتهم هذه اللغة الخاصة، حتى لا تساويها في ذلك لغة أمة من الأمم فإن كان لأضخم هذه الأمم بعض شعراء فلنا بعض وكل، وإن عدوا لنا واحداً " صفرناه " ولا فخر.
وقلما يتفق ذلك الضرب من الكلام في العربية على مثل ما رأيت من الغرابة البيانية، إلا في القرآن الكريم والبلاغة النبوية، وهذه كتب الأدب ودواوين الشعر والرسائل بين أيدينا؛ فخذ فيها
حيث شئت فإنه كلأ: حابس فيه كمرسل.
على أن أعجب شيء أنك إذا قرنت كلمة من تلك البلاغة إلى مثلها مما في القرآن، رأيت الفرق بينهما في ظاهره كالفرق بين المعجز وغير المعجز سواء ورأيت كلامه - صلى الله عليه وسلم - في تلك الحال
خاصة مما يطمع في مثله، وأحسست أن بين نفسك وبينه صلة تطوع لك القدرة عليه وتمد لك أسباب المطمعةِ فيه، بخلاف القرآن، فإنك تستيئس من جملته، ولا ترى لنفسك إليه طريقاً ألبتة،
إذ لا تحس منه نفساً إنسانية، ولا أثراً من آثار هذه النفس، ولا حالة من حالاتها حتى تأنسَ إلى ذلك على التوهم، ثم تتوفم الطمع والمعارضة من هذه الأنسة، فتمضيَ عزمكَ وتقطعَ برأيك،
وتبتُّ القول فيه - كما يكون لك قراءة الكلام الإنساني، فإن جميع هذا الكلام الآدمي منهاج،
ولجملته طريق؛ وحدود البلاغة التي تفصل بعضه عن بعض كلها مما يوقف عليه بالحسَ والعيان،
ويقدر فرق ما بين بعضها إلى بعض مهما بلغ من تفاوتها واختلافها في السبك والصنعة والغرابة.
بَيدَ أن ذلك مما لا يستطاع في القرآن ولا وجه إليه بحال من الأحوال فما هو إلا أن تقرأ الآية منه حتى تراها قد خرجت من حد المألوف، وانسلت منه وفاتت سَمت ما قدرتَ لها من مطلع ومقطع، فمهما وجدت لا تجد سبيلاً إلى حدها، ومهما استطعت لا تستطيع أن تقرن بها
كلاماً تعرف حدَّه في البلاغة، إن لم يكن بالصنعة فبالحس.
وهذا وجه من أبين وجوه الإعجاز في القرآن، وقد جاء من طبيعة تركيبه وأن لا أثر فيه من آثار النفس الإنسانية، وعليه قول الجاحظ في (كتاب النبوة) وإن كان لم يهتد إلى تعليله:
" لو أن رجلاً قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم - أي العرب - سورة قصيرة أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها ".


صفحه 226

ولا يقذفن في روعك أنه وهو أفصح العرب، لو قد تصنع في شيء من كلامه؛ وتكلف له، وتأتى لوجوه البلاغة المعجزة فيه، من التركيب البياني، والاختراع اللغوي وما إليهما - لجاء منه بما عسى أن يطابق القرآن في نظمه وإحكامه، وفي كل ما به صار القرآن معجزاً - تتوهم ذلك
الذي يكون من جمع النفس القوية، وكذ الذهن الصحيح، والتوفر باسباب الفطرة والصنعة على عمل هذا أمره وشأنه؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لو اتفق له كذلك - على فرض أن يتفق - لخرج
مخرج غيره من فصحاء العرب، قولاً واحداً؛ لأن ما كان على حكم الغريزة لا ينزل على حكم الصنعة، وإنَّما نوادر الفصاحة والبيان من هذه التراكيب الغريبة عمل لا تبلغ فيه الحيلة؛ ولا يؤتيه
البحث والنظر وتعاطي هذه الصناعة الفلسفية التي تنفذ شيئاً من شيء وتهيئ مادة من مادة، بل كان ذلك في حكماء البلاغة إنما هو شعر القريحة البيانية، وهو ضربٌ من الإلهام، يقوى بقوة الاستعداد له ويكثر بكثرة أسبابه في النفس فلا يتعاطاه أهله بالصنعة الكلامية ولو وقعو في ملءِ
رؤوسهم منها، ولا يمكن أن تنفذ فيه قواعد التأليف البياني التي تصف البلاغة وضروبها وأسرارهَا؛ بل هو يتفق لهم اتفاقاً على غير طريقة معروفة ولا وجه يسلكونه إليه وقد يعسُرُ على أبلغ الناس في حين قد تيسر له بأسبابه، واتجه إليه بالرغبة، وجَمع عليه النفس الحريصة، وحسبه
منقاداً فإذا هو عنان لا يملك.
ولو أن هذا الضرب كان مما يجدي فيه الاحتفال، وتبلغ منه الروية ويُحتالُ عليه بالنظر والتثبت، كسائر ضروب الكلام - لقد كان البلغاء ابتذلوه ونالوا منه وصاروا فيه إلى الغاية، مع أنه
غضَةُ الريق التي لا يُعتصر منها، وإنَّما يبعثها قدر، ويسيغها قدَر، ومع أن الحرف الواحد منه في باب الاستعارة أو المجاز أو الكناية أو نحوها إذا اتفق لأحدهم كان أميرَ كلامه، والواسطة في نظامه، والدليل على إلهامه.
فهذه واحدة، والثانية أنه - صلى الله عليه وسلم - لو اتفق له كذلك - على فرض أن يتفق - لما استطاع أن يتجرد
من نفسه الكلامية، التي من شأنها أن تُطمع غيره في كلامه. وتجعله أبعد الأشياء عن مظنة الإعجاز بجانب الكلام ورأى ألفاظه تتنفسق تنفساً آدمياً، بجانب تلك الألفاظ التي تهب هبوباً كأن لها جواً فوق كون من اللغة.
وليس الأمر في هذه المعارضة - كما علمت - إلى مقدار الهمة في بعدها وقصَرها،