وأما قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)[1]بعد قوله (قُلْ تَعالَوْا)[2]فالتقدير: ثم قل: آتينا موسى الكتاب.
وكذلك قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .[3]
هو على ترتيب الخبر، أي: أخبركم أولا بخلقه من تراب، ثم أخبركم بقوله «كن» .
وأما قوله: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)[4]وبعده (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)[5]فهو مثل الأول في ترتيب الخبر.
وأما قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)[6]أي: اثبتوا على التوبة ودوموا عليه.
قال عثمان[7]في بعض كلامه في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ)[8]: «الواو» وإن كان لا يوجب الترتيب، فإن لتقديم المقدم حظاً وفضلاً على المؤخر.
ألا ترى كيف قال: (أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) فقدم المؤخر في موضع تعداد النعم، فكان أولى.
وقال أبو علي أيضاً في موضع آخر في قوله تعالى (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ)[9]ثم، زائدة وقد يجوز أن يكون جواب «إذا» محذوفا، و «ثمّ تاب عليهم»
[1]الأنعام: 154.
[2]الأنعام: 151.
[3]آل عمران: 59.
[4]البلد: 11.
[5]البلد: 17.
[6]هود: 3.
[7]هو: أبو الفتح عثمان بن جني.
[8]الفتح: 24.
[9]التوبة: 118. [.....]
معطوف على جملة الكلام، أي: حتى إذا/ ضاقت عليهم الأرض تنصلوا وتندموا، ثم تاب عليهم. و «إذا» بعد «حتى» للجزاء، وهي بمعنى: متى، أي: متى ضاقت عليهم الأرض.
وأما قوله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)[1]فإن «ثم» للعطف على تراخ، وقد عطفت في الآية «النحر» الذي هو بآخرة، أو «الطواف» الذي هو الخاتمة، على الانتفاع بما يقام في المناسك في الدين، أو بمنافع البدن والهدايا في الدنيا، على القولين، وكذلك «إلى» التي هي غاية الفرائض، إما لنحر الهدايا، وإما للطواف الذي هو غاية إقامة جمع الواجبات.
وقيل معناه: إن أجرها على رب البيت العتيق.
وأما قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)[2]فقد قيل هذا على الإخبار أيضاً، أي: ثم أخبركم بالسؤال عن النعيم، لأن السؤال قبل رؤية الجحيم.
وقيل: بل المعنى يقال لكم: أين نعيمكم في النار وأين نمتعكم به؟ وشاهد هذه الآى البيت المعروف، وهو قوله:
قل للذي ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد من بعد ذلك جده[3]
ومعلوم أن سيادة الجد قبل سيادة أبيه، وسيادة أبيه قبل سيادته أولا، ثم أخبركم بسيادة أبيه ثانيا، ثم أخبركم بسيادة جده ثالثا.
[1]الحج: 33.
[2]التكاثر: 8.
[3]الرواية في المغني (ج 1: 105) :
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
الباب الرابع
هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حذف منه حرف الجر فمن ذلك قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)[1]. التقدير: اهدنا إلى الصراط، فحذف «إلى» ، دليله قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)[2]، وقوله تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً)[3]لأن العرب تقول:
هديته إلى الطريق فإذا قال: هديته الطريق، فقد حذف «إلى» .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ)[4]أي:
بأن لهم، فحذف الباء وانتصب «أن» على مذهب سيبويه، وبقي الجر عند الخليل والكسائي. وحجاجهم مذكور في الخلاف.
وعلى هذا جميع ما جاء فى التنزيل من قوله: (يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً)[5]في/ بني إسرائيل والكهف، دليله ظهوره في قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ)[6]. وقوله: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ)[7]، وقوله: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ)[8]، وقوله: (بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ)[9]، وقوله: (يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى)[10]، وقوله: (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ)[11].
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها)[12]أي: لا يستحيى من ضرب المثل، فحذف «من» . ويكثر
[1]الفاتحة: 5.
[2]الشورى: 52.
[3]النساء: 175.
[4]البقرة: 25.
[5]الإسراء- بني إسرائيل: 9، الكهف: 2.
[6]النساء: 138.
[7]التوبة: 21.
[8]هود: 71.
[9]الحجر: 55.
[10]آل عمران: 39.
[11]مريم: 97. [.....]
[12]البقرة: 26.
حذف المثل لجر من أن[1]ويقل مع المصدر يحسن «أن يصرب» والتقدير:
من أن يضرب، ولا يحسن حذف: من ضرب. وأما قوله «بعوضة» فقيل: التقدير: أن يضرب مثلا ببعوضة، و «ما» صلة زائدة، فحذف الباء.
وقيل: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فما فوقها- عن الفراء- فحذف «بين» .
وقيل: «ما» ، نكرة في تقدير: شىء، و «بعوضة» بدل منه.
وقال أبو علي، في معنى الآية: لا يجوز في القياس أن يريد أصغر منها.
وقد حكى عن الكلبي أنه يريد: دونها.
وقال ابن عباس «فما فوقها» الذباب فوق البعوضة، وهو الحسن.
قال أبو علي: وإنما يجوز هذا في الصفة، هذا صغير وفوق الصغير، وقليل وفوق القليل، أي جاوز القليل.
فأما هذه نملة وفوق النملة، وحمار وفوق الحمار يريد أصغر من النملة ومن الحمار، فلا يجوز ذلك لأن «هذا» اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك.
الفراء: «فما فوقها» ، يريد: أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب.
ولو جعلت في مثله من الكلام «فما فوقها» تريد أصغر منها، لجاز، ولست
[1]هكذا الأصل. ولعل صواب العبارة: «ويكثر حذف من مع الفعل» .
أستحسنه، لأن البعوضة غاية في الصغر، فأحب إلى أن أجعل «فما فوقها» أكبر منها.
ألا ترى أنك تقول: تعطى من الزكاة الخمسون فما دونها، والدرهم فما فوقه، ويضيق الكلام أن تقول: فوقه فيهما، أو دونه فيهما. وموضع حسنها في الكلام أن يقول القائل: إن فلاناً لشريف. فيقول السامع:
وفوق ذلك يريد المدح. أو يقول: إنه لبخيل. فيقول: وفوق ذلك. يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرفت الرجل فقلت: دون ذاك فكأنك تحطه عن غاية الشرف، أو غاية البخل.
/ ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)[1]أي: بأن تذبحوا، لأن «أمر» فعل يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما بالباء دليله (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ)[2].
ومثله: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ)[3]أي: من أن أكون.
ومثله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ)[4]أي: في أن يؤمنوا لكم.
ومن ذلك قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ)[5]أي: بغيا لأن ينزل الله، فإن «ينزل الله» متعلق ب «بغيا» بواسطة حرف الجر. و «بغيا» مفعول له، و «أن يكفروا» رفع مخصوص بالذم. و «ما اشتروا» ، «ما» يجوز أن يكون نصباً على تقدير:
بئس شيئا ويجوز أن يكون رفعا على تقدير: بئس الذي اشتروا به.
[1]البقرة: 67.
[2]البقرة: 44.
[3]البقرة: 67.
[4]البقرة: 75.
[5]البقرة: 90.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)[1]أي: في نفسه، فحذف «في» .
وقال قوم: سفه، بمعنى سفه.
وقال قوم: هو تمييز. والمعرفة لا تكون تمييزا.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)[2].
قال عثمان[3]: يمكن أن يكون تقديره: فمن عفى له من أخيه عن شىء، فلما حذف حرف الجر ارتفع «شىء» لوقوعه موقع الفاعل كما أنك لو قلت: سير بزيد، ثم حذفت الباء، قلت: سير زيد.
ومثل حذف «عن» في التنزيل قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)[4]والتقدير: فقد ضل عن سواء السبيل.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ)[5]أي: بأن طهرا بيتي.
ومنه قوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما)[6]أي: في أن يطوف وكذلك: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)[7]أي: فى أن تبتغوا.
[1]البقرة: 130.
[2]البقرة: 178.
[3]هو عثمان بن جني النحوي، وقد مر التعريف به.
[4]البقرة: 108.
[5]البقرة: 125.
[6]البقرة: 158.
[7]البقرة: 198. [.....]
ومثله قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا)[1]أي: في أن تبروا.
وقال أبو إسحاق: بل «أن تبروا» مبتدأ، والخبر محذوف. أي: البر والتقوى أولى.
ومنه قوله تعالى: (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ)[2]أي لأولادكم.
ومنه قوله تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ)[3]أي: على عقدة النكاح، لقوله[4]:
/ عزمت على إقامة ذي صباح ... ليوم[5]ما يسود من يسود.
ومثله قوله تعالى: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[6]التقدير: ما لنا في ألا نقاتل، فحذف «في» .
وقال الأخفش: إن «أن» زائدة، أي ما لنا غير مقاتلين لأن قوله «لا نقاتل» في موضع الحال.
وعن بعض الكوفيين: إنما دخلت «أن» لأن معناه: ما يمنعنا، فلذلك دخلت «أن» ، لأن الكلام: مالك تفعل كذا وكذا.
قال أبو علىّ: والقول هو الأول.
[1]البقرة: 224.
[2]البقرة: 233.
[3]البقرة: 235.
[4]البيت لرجل من خثعم. (الكتاب 1: 116) .
[5]رواية الكتاب: «لشيء» . وفي هامشه: «لأمر» . والشاهد فيه جرذي صباح بالإضافة توسعا ومجازا، والوجه فيه أن يستعمل ظرفا لقلة تمكنه.
[6]البقرة: 246.
وجه قول أبي الحسن إن «أن» لغو كإذن، يكون لغواً، كما تكون هي، وكما تكون عوامل الأسماء لغوا، ولا يمنعها كونها لغوا من العمل في معمولها، كما لم تمتنع عوامل الأسماء، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ)[1].
فإن قال قائل: فهلا أجاز فى «لن» أيضا كما أجاز في «أن» كذلك، فإن هذا لا يلزمه، لأن «أن» أشد تصرفاً من «لن» وهي لذلك أحمل للتوسع وأجلد به.
ألا ترى أنها تدخل على الماضي والمستقبل، وتدخل على أمثلة الأمر، كقولك: كتبت إليه بأن قم، وليس شىء من هذا في «لن» .
ألا ترى أنها تلزم المستقبل ولا تتجاوز عن ذلك، إلا أن الوجه فيها مع ذلك ألا تكون ك «إذن» لأن «إذن» إذا وقع بعدها فعل الحال ألغيت ولم تعمل فيه، و «أن» قد عملت هنا، فلو كانت مثل «إذن» لوجب ألا تعمل فيما بعدها من الفعل، كما لم تعمل «إذن» إذا كان الفعل الذي بعده فعل الحال، ألا ترى أن الاسم في «مالك قائماً» ينتصب على الحال، فكذلك الفعل بعد «إذن» هنا فعل حال، فلو كانت «أن» ك «إذن» لوجب ألا تعمل في فعل الحال كما لم تعمل «إذن» فيه، في نحو قولك: إذا حدثت بحديث: إذن أظنك كاذباً. وأيضاً فلا يجوز أن تكون «أن» مثل «إذن» في أن تلغى كما تلغى «إذن» .
ألا ترى أن فيها من الاتساع أكثر مما في «أن» ، تقول: أنا أقوم إذن فلا توليه فعلا. وتقول: إذن والله أقوم، فتفصل بينه وبين الفعل.
[1]الحاقة: 47.