حذف المثل لجر من أن[1]ويقل مع المصدر يحسن «أن يصرب» والتقدير:
من أن يضرب، ولا يحسن حذف: من ضرب. وأما قوله «بعوضة» فقيل: التقدير: أن يضرب مثلا ببعوضة، و «ما» صلة زائدة، فحذف الباء.
وقيل: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فما فوقها- عن الفراء- فحذف «بين» .
وقيل: «ما» ، نكرة في تقدير: شىء، و «بعوضة» بدل منه.
وقال أبو علي، في معنى الآية: لا يجوز في القياس أن يريد أصغر منها.
وقد حكى عن الكلبي أنه يريد: دونها.
وقال ابن عباس «فما فوقها» الذباب فوق البعوضة، وهو الحسن.
قال أبو علي: وإنما يجوز هذا في الصفة، هذا صغير وفوق الصغير، وقليل وفوق القليل، أي جاوز القليل.
فأما هذه نملة وفوق النملة، وحمار وفوق الحمار يريد أصغر من النملة ومن الحمار، فلا يجوز ذلك لأن «هذا» اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك.
الفراء: «فما فوقها» ، يريد: أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب.
ولو جعلت في مثله من الكلام «فما فوقها» تريد أصغر منها، لجاز، ولست
[1]هكذا الأصل. ولعل صواب العبارة: «ويكثر حذف من مع الفعل» .
أستحسنه، لأن البعوضة غاية في الصغر، فأحب إلى أن أجعل «فما فوقها» أكبر منها.
ألا ترى أنك تقول: تعطى من الزكاة الخمسون فما دونها، والدرهم فما فوقه، ويضيق الكلام أن تقول: فوقه فيهما، أو دونه فيهما. وموضع حسنها في الكلام أن يقول القائل: إن فلاناً لشريف. فيقول السامع:
وفوق ذلك يريد المدح. أو يقول: إنه لبخيل. فيقول: وفوق ذلك. يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرفت الرجل فقلت: دون ذاك فكأنك تحطه عن غاية الشرف، أو غاية البخل.
/ ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)[1]أي: بأن تذبحوا، لأن «أمر» فعل يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما بالباء دليله (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ)[2].
ومثله: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ)[3]أي: من أن أكون.
ومثله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ)[4]أي: في أن يؤمنوا لكم.
ومن ذلك قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ)[5]أي: بغيا لأن ينزل الله، فإن «ينزل الله» متعلق ب «بغيا» بواسطة حرف الجر. و «بغيا» مفعول له، و «أن يكفروا» رفع مخصوص بالذم. و «ما اشتروا» ، «ما» يجوز أن يكون نصباً على تقدير:
بئس شيئا ويجوز أن يكون رفعا على تقدير: بئس الذي اشتروا به.
[1]البقرة: 67.
[2]البقرة: 44.
[3]البقرة: 67.
[4]البقرة: 75.
[5]البقرة: 90.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)[1]أي: في نفسه، فحذف «في» .
وقال قوم: سفه، بمعنى سفه.
وقال قوم: هو تمييز. والمعرفة لا تكون تمييزا.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)[2].
قال عثمان[3]: يمكن أن يكون تقديره: فمن عفى له من أخيه عن شىء، فلما حذف حرف الجر ارتفع «شىء» لوقوعه موقع الفاعل كما أنك لو قلت: سير بزيد، ثم حذفت الباء، قلت: سير زيد.
ومثل حذف «عن» في التنزيل قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)[4]والتقدير: فقد ضل عن سواء السبيل.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ)[5]أي: بأن طهرا بيتي.
ومنه قوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما)[6]أي: في أن يطوف وكذلك: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)[7]أي: فى أن تبتغوا.
[1]البقرة: 130.
[2]البقرة: 178.
[3]هو عثمان بن جني النحوي، وقد مر التعريف به.
[4]البقرة: 108.
[5]البقرة: 125.
[6]البقرة: 158.
[7]البقرة: 198. [.....]
ومثله قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا)[1]أي: في أن تبروا.
وقال أبو إسحاق: بل «أن تبروا» مبتدأ، والخبر محذوف. أي: البر والتقوى أولى.
ومنه قوله تعالى: (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ)[2]أي لأولادكم.
ومنه قوله تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ)[3]أي: على عقدة النكاح، لقوله[4]:
/ عزمت على إقامة ذي صباح ... ليوم[5]ما يسود من يسود.
ومثله قوله تعالى: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[6]التقدير: ما لنا في ألا نقاتل، فحذف «في» .
وقال الأخفش: إن «أن» زائدة، أي ما لنا غير مقاتلين لأن قوله «لا نقاتل» في موضع الحال.
وعن بعض الكوفيين: إنما دخلت «أن» لأن معناه: ما يمنعنا، فلذلك دخلت «أن» ، لأن الكلام: مالك تفعل كذا وكذا.
قال أبو علىّ: والقول هو الأول.
[1]البقرة: 224.
[2]البقرة: 233.
[3]البقرة: 235.
[4]البيت لرجل من خثعم. (الكتاب 1: 116) .
[5]رواية الكتاب: «لشيء» . وفي هامشه: «لأمر» . والشاهد فيه جرذي صباح بالإضافة توسعا ومجازا، والوجه فيه أن يستعمل ظرفا لقلة تمكنه.
[6]البقرة: 246.
وجه قول أبي الحسن إن «أن» لغو كإذن، يكون لغواً، كما تكون هي، وكما تكون عوامل الأسماء لغوا، ولا يمنعها كونها لغوا من العمل في معمولها، كما لم تمتنع عوامل الأسماء، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ)[1].
فإن قال قائل: فهلا أجاز فى «لن» أيضا كما أجاز في «أن» كذلك، فإن هذا لا يلزمه، لأن «أن» أشد تصرفاً من «لن» وهي لذلك أحمل للتوسع وأجلد به.
ألا ترى أنها تدخل على الماضي والمستقبل، وتدخل على أمثلة الأمر، كقولك: كتبت إليه بأن قم، وليس شىء من هذا في «لن» .
ألا ترى أنها تلزم المستقبل ولا تتجاوز عن ذلك، إلا أن الوجه فيها مع ذلك ألا تكون ك «إذن» لأن «إذن» إذا وقع بعدها فعل الحال ألغيت ولم تعمل فيه، و «أن» قد عملت هنا، فلو كانت مثل «إذن» لوجب ألا تعمل فيما بعدها من الفعل، كما لم تعمل «إذن» إذا كان الفعل الذي بعده فعل الحال، ألا ترى أن الاسم في «مالك قائماً» ينتصب على الحال، فكذلك الفعل بعد «إذن» هنا فعل حال، فلو كانت «أن» ك «إذن» لوجب ألا تعمل في فعل الحال كما لم تعمل «إذن» فيه، في نحو قولك: إذا حدثت بحديث: إذن أظنك كاذباً. وأيضاً فلا يجوز أن تكون «أن» مثل «إذن» في أن تلغى كما تلغى «إذن» .
ألا ترى أن فيها من الاتساع أكثر مما في «أن» ، تقول: أنا أقوم إذن فلا توليه فعلا. وتقول: إذن والله أقوم، فتفصل بينه وبين الفعل.
[1]الحاقة: 47.
والإلغاء سائغ فيه. فإذا كان له من التصرف ما ليس «لأن» ، لم/ ينكر أن يجوز فيه الإلغاء، فلا يجوز في «أن» لكون تصرفها أقل من تصرف «إذن» .
وجوز أبو الحسن أن يكون المعنى: وما لنا في ألا نقاتل. وهذا أوضح، ويكون «أن» مع حرف الجر في موضع النصب على الحال، كقوله تعالى:
(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)[1]ونحو ذلك، ثم حذف الحرف فسد «أن» وصلتها ذلك المسد. والحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه.
ومثل هذه الآية في التنزيل: (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا)[2]أي: ما لكم في ألا تأكلوا ومن إضمار حرف الجر قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)[3]أي: لأن آتاه الله الملك.
ومنه قوله تعالى: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)[4]أي: إلا على إغماض فيه، و «على» مع المجرور في موضع الحال، أي: إلا مغمضين فيه.
ومن حذف حرف الجر قوله تعالى: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ)[5].
[1]المدثر: 49.
[2]الأنعام: 119.
[3]البقرة: 258.
[4]البقرة: 267.
[5]آل عمران: 73.
الذي عليه البصريون حذف المضاف على تقدير: كراهة أن يؤتى.
قال أبو علي: في الآية «أن» لا يخلو من أن يكون منتصباً بأنه مفعول به، أو مفعول له فلا يجوز أن ينتصب بأنه مفعول به وذلك أن الفعل قد تعدى باللام إلى قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ)[1]كما تعدى بها في قوله: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا)[2]فإذا انتصب هذا بأنه مفعول به لم ينتصب به مفعول آخر، فإذا لم ينتصب بأنه مفعول به انتصب بالوجه [الآخر][3]، والتقدير: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم: كراهة ذكر أن يؤتى أحد، وذكر أن يحاجوكم. والدليل على انتصابه بهذا الوجه: قوله فى الآية الأخرى (إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ)[4]وكما أن قوله «لِيُحَاجُّوكُمْ» في هذه الآية مفعول له، وقد دخلت اللام عليه وكذلك قوله (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) منتصب بالعطف على ما هو مفعول له.
/ وهذه الآية عندنا على غير ما قاله الشيخ رحمه الله، والتقدير: ولا تؤمنوا بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، إلا من تبع دينكم، فالباء مضمر، و «أن يؤتي» مفعول «لا تؤمنوا» واللام زيادة، ومن تبع دينكم استثناء من «أحد» على التقدير الذي ذكرنا.
ويجوز أن يكون قوله (لمن تبع دينكم) ، «من» صلة «تؤمنوا» وإنما لا يتعدى الفعل بحرفين إذا كانا متفقين، وأما إذا كانا مختلفين فالتعدى بهما جائز. وقد استقصينا هذه المسألة في غير كتاب من كتبنا.
[1]آل عمران: 73.
[2]يوسف: 17. [.....]
[3]تكملة يقتضيها السياق.
[4]البقرة: 76.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ)[1]أي من قومه، فحذف «من» .
ومنه قوله تعالى: (فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً)[2]أي: بظلم وزور، فحذف الباء. وإن زعمت على أنه ليس على حذف الباء، وإنما هو من باب (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً)[3]لم يمكنك تقدير «زور» على لفظه، وإنما تقدره:
ظالمين مزورين، فتعدل أيضاً عما تلزمنيه. فقد ثبت أنه على تقدير: فقد جاءوا بظلم وزور.
ومنه قوله تعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا) «4» أي: من أن يقولوا، أي: يضيق صدرك من مقالتهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) «5» .
ومن ذلك قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ)[6]أي: لأن كان ذا مال، فحذف اللام. وفيما يتعلق به هذا اللام اختلاف واضطراب: في قول أبي علي، مرة: هو متعلق بمحذوف ولم يعلقه بقوله (إِذا تُتْلى)[7]ولا بقوله [ «قال» الذي هو جواب «إذا» ][8]قال: لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبله.
وقال مرة: بقوله «عتل» وهذا كلامه على تفرقة.
قال في التذكرة[9]: ومن لم يدخل همزة[10]الاستفهام كان «أن» متعلقاً ب «عتل» وذلك كأنه القليل الانقياد، وأنشد أبو زيد:
وعتل داويته من العتل ... من قول ما قيل وقيل لم يقل
[1]الأعراف: 155.
[2]الفرقان: 4.
[3]العاديات: 1.
(4، 5) هود: 12.
[6]القلم: 13، 14.
[7]القلم: 15.
[8]كتاب كبير في علوم العربية.
[9]في المخطوطة بياض بقدر كلمتين إشارة إلى كلام ساقط، والتكملة من الكشاف (4: 588) .
[10]في المخطوطة: «مرة» . ولعل الصواب ما أثبتناه.