قلت:
وحمل ابن بحر زيادة «لا» على الشذوذ جهل منه بقواعد العربية. وليس كل من يعرف شيئاً من الكلام يجوز له التكلم على قواعد العربية. وليس كون «لا» زائدة في فحوى خطاب العرب مما يكون طعناً من الملحدة على كلام الله، لأن كلام الله منزل على لسانهم. فما كان متعارفاً في لسانهم لا يمكن الطعن به على كتاب الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وكيف يكون زيادة «لا» شاذة، وقد جاء ذلك عنهم وشاع، كقول الهذلى[1]:
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب
أي، أفمن ناحيتك أيتها المرأة هذا البرق الذي يشبه ضوؤه ضوء غاب.
/ وأنشد أبو عبيدة للأحوص[2]:
وتلحيننى في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل
أي: فى اللهو أن أحبه و «لا» زائدة:
ومنه ما أنشده سيبويه لجرير:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين[3]
لا «فيه» زائدة إذا قلت: علاك مشيب حين حين، فقد أثبت حيناً علاه فيه المشيب. فلو جعلت «لا» غير زائدة لوجب أن تكون نافية
[1]هو: ساعدة الهذل. (اللسان 20: 354) .
[2]بغية الوعاة (1: 195) .
[3]الديوان (ص 586) والكتاب لسيبويه (1: 358) .
على حدها في قولهم: جئت بلا مال، وأبت بلا غنيمة. فنفيت ما أثبت من حيث كان النفي ب «لا» عاماً منتظماً لجميع الجنس. فلما لم يستقم حمله على الجنس لتدافع العارض في ذلك حكمت بزيادتهما، فصار التقدير: حين حين. وهو من باب: حلقة فضة، وخاتم حديد لأن الحين يقع على الزمان القليل كالساعة ونحوها وعلى الطويل كقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)[1]وعلى ما هو أقصر من ذلك كقوله تعالى:
(تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ)[2]. فصار: حين حين، كقوله:
ولولا يوم يوم ما أردنا
ومنه قول الشماخ:
أعايش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع[3]
وروى التوزى عن أبي عبيدة أن «لا» زائدة.
ومنه قول المرار، بيت الكتاب[4]-:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا[5]منا ولا من سوائنا
[1]الدهر: 1.
[2]إبراهيم: 25.
[3]الديوان (ص 56) . وفيه: «ما لقومك» مكان «ما لأهلك» . وعائش: ترخيم: عائشة، وهي امرأة الشماخ.
قال ابن فارس: «وأما قول أبي عبيدة في شعر الشماخ أن «لا» زائدة فقط، لأنه ظن أنه أنكر فساد المال وليس الأمر كما ظن. وذلك أن الشماخ احتج على امرأته بصنيع أهلها أنهم لا يضيعون المال، وذلك أنها قالت له: لم تشدد على نفسك في العيش حتى تلزم الإبل وتعذب فيها فهو عليك. فرد عليها فقال:
ما لي أرى أهلك يتعهدون أموالهم ولا يضيعونها بل يصلحونها وأنت تأمرينني بإضاعة المال!» .
[4]الكتاب (1: 203) .
[5]في الكتاب: «إذا قعدوا» . [.....]
وأما قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)[1]فإن موضع قوله (فِي الْأَرْضِ) يحتمل ضربين:
أحدهما: أن يكون مفعولاً فيه ظرفاً.
والآخر: أن يكون وصفاً.
فإن جعلته ظرفاً احتمل أن يكون ظرفاً ل «أصاب» واحتمل أن يكون ل «مصيبة» . ولا ذكر فيه على شىء من هذين التأويلين. كما أن قولك:
بزيد، من: مررت بزيد. كذلك يؤكد ذلك. ويحسنه دخول «لا» في قوله:
(وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) . فصار ذلك مثل: ما ضربت من رجل ولا امرأة.
والضرب الآخر أن يكون صفة للنكرة، ويكون متعلقاً بمحذوف.
/ وفيه ذكر يعود إلى الموصوف. وقوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) صفة معطوفة على صفة، لأنه صفة منفى، فيكون كالبدل في قوله:
في ليلة لا ترى بها أحداً ... يحكى علينا إلا كواكبها[2]
من الضمير في «يحكى» لما جرى على المنفى.
وزيادة الحروف في التنزيل كثير، فأقرب من ذلك إلى ما نحن فيه قوله: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ)[3]وقوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ)[4]
[1]الحديد: 22.
[2]البيت لعدي بن زيد، والشاهد فيه: رفع الكواكب على البدل من الضمير الفاعل في يحكي. لأنه في المعنى منفى، ولو نصب على البدل من أحد لكان أحسن. (الكتاب 1: 361) .
[3]آل عمران: 159.
[4]النساء: 154.
وقوله تعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ)[1]وكقوله: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ)[2]أي: عن قليل وكقوله: (جُنْدٌ ما هُنالِكَ)[3]أي: جند هنالك.
وقيل في قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ)[4]«ما» صلة.
وكذلك قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ)[5]أي: مثل أنكم.
وقيل في قوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ)[6]فكقوله:
فهي ترثى بأبي وابنيما[7]وكقولهم: أفعله آثرا ما.
فهذه حروف جاءت للتأكيد عند سيبويه.
وعند قوم، هو اسم ولا خلاف في زيادتها. فمن قال: هو اسم، قال:
قد جاء من الأسماء مثله مزيداً، كقولهم: كان زيد هو العاقل.
قال الله تعالى: (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ)[8]«فهو» فصل. وقال (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً)[9]وقال: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[10]وقال: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ)[11].
وسأعد لك الفصل فيما بعد.
[1]المائدة: 13.
[2]المؤمنون: 40.
[3]ص: 11.
[4]الذاريات: 17.
[5]الذاريات: 23.
[6]الانفطار: 8.
[7]البيت لرؤبة. و «ما» فيه فصل، وإنما حكى ندبتها. (الكتاب 1: 322) . ويروى: (فهي تنادي بأبي وابنما) .
[8]الأنفال: 32.
[9]المزمل: 20.
[10]البقرة: 129. [.....]
[11]الكهف: 39.
والصحيح قول سيبويه، إذ لا معنى لها سوى التوكيد، ولا تكاد الأسماء تزاد. فأما «هو» فإنما جىء به ليفصل الخبر عن الوصف، فهو لمعنى.
فثبت أن «ما» حرف زيدت كزيادة «من» في النفي، وزيادة الباء في: ألقى بيده وساعده لك.
[و] زيادة «أن» و «إن» في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ)[1]وقوله:
فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا[2]
وأما قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)[3]فإن الكسائي يقول: إن «إْن» زائدة، والتقدير: في الذي مكناكم فيه.
والفراء يقول: في الذي نمكنكم فيه. وإياه اختار أبو علي، وزعم أنه من جهة المعنى واللفظ أقرب.
فأما المعنى، فلأن قوله: (فِيما/ إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) في المعنى في قوله: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ)[4].
وكما أن «لم» نفى بلا إشكال، وكذلك «إن» ، ويبين ذلك قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها)[5]فهذا كله يدل على أن تمكين من تقدمهم يزيد على تمكينهم، فهذا بمنزلة (ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) .
[1]يوسف: 96.
[2]البيت لفروة بن مسيك. وطبنا، أي: عادتنا. (الكتاب 1: 475. المغني 1: 23) .
[3]الأحقاف: 26.
[4]الأنعام: 6.
[5]الروم: 9.
وأما اللفظ فلأن «ما» موصولة، و «أن» لا يزاد بعد «ما» الموصولة وإنما يزاد بعد النفي في نحو: «ما إن طبنا جبن» .
والذي جاء من ذلك في الشعر فيما أنشده سيبويه وأبو زيد من قوله:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته[1]إنما هو لتشبيه اللفظ.
فثبت بهذا كله وتحقق أن من تكلم في الجوهر والعرض والجزء الذي يتجزأ[2]أو لا يتجزأ لا يعرف معنى قوله: «حين لا حين» لأن ذاك عقلى وهذا سماعى، وبين ما يكون مبنيّا على السماع، وبين ما يكون مبنياً على العقل تفاوت وبون.
ولولا أني خفت أن تقول بعدي ما لا يحل لك في هذا الكتاب لسقت جميع ما اختلفوا في زيادته في التنزيل في هذا الباب، لكني ذكرتها فى مواضع ليكون أحفظ عندك.
[1]عجزه:
على السن خيرا لا يزال يزيد
(المغني 1: 23- الكتاب 2: 306) .
[2]في الأصل: «لا يتجزأ» .
الباب السادس
هذا باب ما جاء في التنزيل من الأسماء التي سميت بها الأفعال وهي أبواب ذكرها سيبويه، نحو: صه، ومه، ورويد، والنجاء، وإياك، وعليك، وهاك، وهلم. كما تراه في الكتاب[1]. فهذه كلها أسماء سميت بها الأفعال.
وقد أبطلنا قول من قال: هي قسم رابع، في غير كتاب من كتبنا.
فما جاء في التنزيل من ذلك قولهم في الدعاء بعد الفاتحة (آمين) .
وفيه لغتان: أمين، وآمين، بالقصر والمد وكلاهما اسم ل «استجب» كما أن «صه» اسم. ل «اسكت» و «مه» كذلك. وفي «آمين» ضمير المخاطب.
وروى عن الأخفش أنه اسم أعجمي، مثل: هابيل وقابيل فإن سميت به رجلاً لم ينصرف.
قال أبو علي «في التذكرة» : لو قال قائل إنه ليس/ بأعجمي، لأنه لا يخلو لو كان أعجمياً من أن يكون اسم جنس، أو منقولاً من معرفة، وليس باسم جنس ولا منقولاً من معرفة. فإذا لم يخل من هذين الوجهين في العجمة، وليس واحداً منهما، ثبت أنه ليس بأعجمي، فهو وجه.
[1]انظر الكتاب لسيبويه (1: 122- 127) .
فإن قلت: إنه وزن جاء في الأعجمية.
قيل: لا ينكر، وإن كان جاء في الأعجمى: مثل، هابيل، أن يجىء هذا عربياً، ويكون إفراده في الأبنية العربية مثل: درى، ومرنق، ونحو ذلك من الأبنية التي تجىء مفردة، نحو: انقحل، وما أشبه. فبعضهم لا يصرفه لتوهم العجمة، وبعضهم يصرفه ويجعله مثل: قيراط، وفيروز.
قال أبو علي في موضع آخر: اختلف في «آمين» فقال قائلون:
إنه اسم من الأسماء التي سمي بها الفعل، نحو: صه، ومه، وإيه، ورويد، وما أشبه ذلك. وقال قائلون: هو اسم من أسماء الله.
فما يدل على أنه اسم سمي به الفعل: ما روى حجاج[1]عن ابن جريح[2]عن عكرمة[3]قال: أمن هارون على دعاء موسى عليه السلام، فقال الله:
(قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما)[4].
وكما أن قول موسى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ)[5]جملة مستقلة وكلام تام، كذلك قول هارون (آمِّينَ) جملة مستقلة وكلام تام. ولولا أنه كذلك لم يكن هارون داعياً، لأن من تكلم باسم مفرد أو كلمة مفردة لم يكن داعيا،
[1]هو حجاج بن محمد المصيصي- بكسر الميم وتشديد الصاد المهملة، وقيل بفتح الميم وخفة الصاد- وكانت وفاته سنة 206 هـ (تهذيب التهذيب 2: 205) .
[2]هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح. وكانت وفاته سنة 150 هـ (تهذيب التهذيب 6: 402) .
[3]هو عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام. وعنه يروى ابن جريج (تهذيب التهذيب 7: 258) .
[4]يونس: 89.
[5]يونس: 88. [.....]