وقد ذكرنا في غير موضع من كتبنا: أن الواو واو الحال، أي: تثير الأرض غير ساقيه. / والأحسن أن يكون «تثير» داخلاً في النفي.
ومن حذف المبتدأ قوله تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها)[1]أي هي مسلمة.
وإن شئت كان قوله: «لا ذلول» أي: لا هي ذلول مسلمة، خبر بعد خبر.
ومن حذف المبتدأ قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)[2]أي: فالواجب عدة.
وكذلك: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)[3]أي: فالواجب ما استيسر من الهدى.
وأما قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ)[4]من رفع «رفثا» و «لا فسوقاً» ونصب «لا جدال في الحج»[5]فإن خبر المرفوعين مضمر، على قول الأخفش، لأنه يزعم أن رفعهما بالابتداء، ويجعل الناصب «جدال» نفس «لا» ولا يجعل «لا» مع «جدال» مبتدأ، كما هو مذهب سيبويه، وإنما يجعل «لا» بمنزلة «أن» ، فلا يجوز أن يشترك المنصوب المرفوع في الخبر، وعلى هذا مذهب سيبويه خبر الجميع قوله (فِي الْحَجِّ) لأن الجميع مبتدأ.
وعلى هذا الخلاف قوله:
فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدا مقيم[6]
[1]البقرة: 71.
[2]البقرة: 184، 185.
[3]البقرة: 196.
[4]البقرة: 197.
[5]في الأصل: «وأما قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) من رفع رفثاً ولا فسوقا ونصب ولا جدال في الحج. من رفع رفثاً ولا فسوقا ونصب جدالا فإن جدالا ... إلخ» .
[6]البيت لأمية بن أبي الصلت. والرواية في اللسان (أتم) . «لهم مقيم» .
ومن ذلك قوله تعالى: (لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ)[1]أي: هذا الشرع، وهذا المذكور لمن اتقى، أي: كائن لمن اتقى.
ومن ذلك قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ)[2]أي: فالواجب إمساك بمعروف.
ومنه: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ)[3]أي: فالواجب نصف ما فرضتم.
ومنه قوله تعالى: (وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ)[4]أي: فالواجب وصية لأزواجهم.
فأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)[5]فإن أبا إسحاق وأبا العباس حملا قوله «يتربصن» على أنه خبر ابتداء محذوف، مضاف إلى ضمير «الذين» ، على تقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً أزواجهم يتربصن. والجملة خبر «الذين» . والعائد إلى «الذين» من الجملة المضاف إليه «الأزواج» .
وقد جاء المبتدأ المضاف محذوفاً في قوله تعالى: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ)[6]أي. تقلبهم متاع قليل، فحذف المبتدأ.
في مواضع.
وقال الأخفش: / التقدير في الآية: يتربصن بعدهم، فحذف «بعدهم» العائد إلى «الذين» وإن كان متصلاً بالظرف لأنه قد جاء مثل ذلك كقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا)[7]. التقدير: وكأن لم يلبثوا قبله. لا بد من إضمار «قبله» . وسترى ذلك في مواضع إن شاء الله.
[1]البقرة: 203.
[2]البقرة: 229.
[3]البقرة: 237. [.....]
[4]البقرة: 240.
[5]البقرة: 234.
[6]آل عمران: 196 و 197.
[7]يونس: 45.
وقال الكسائي: إن قوله «يتربصن» جرى خبراً عن الاسم الذي تقدم في صلة الموصول، لأن الغرض من الكلام: أن يتربصن هن. وأنشد الفراء:
لعلى إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي الذبان أن يتندما
فأخبر عن ابن أبي الذبان، الذي تعلق بقوله: «إن مالت بي الريح» فقال: أن يتندما.
ولا حجة له في البيت، لأنه قد عاد من جملة الكلام إلى ياء المتكلم ضمير، وهو قوله «إن مالت بي الريح» فبطل حجته بالبيت. وصح قول أبي الحسن وقول أبي العباس، ومن ذلك قوله تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) «1» .
قال سيبويه: قال الله عز وجل: (فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ) «2» فارتفع لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: فلا تكفر فيتعلموا لنجعل قولهما «لا تكفر» سبباً للتعلم، ولكنه قال «فيتعلمون» أي فهم يتعلمون[3].
ومثله: (كُنْ فَيَكُونُ)[4]كأنه قال: إنما أمرنا ذاك فيكون، أي: فهو يكون.
قال أبو علي: تقدير قولك: لا تقرب الأسد فيأكلك، هاهنا غير سائغ.
ألا ترى أن كفر من نهى عن أن يكفر في الآية ليس سبباً لتعلم من يتعلم ما يفرق به بين المرء وزوجه وذلك أن الضمير الذي في قوله (فَيَتَعَلَّمُونَ) لا يخلو من أحد أمرين:
(1، 2) البقرة: 102.
[3]في الأصل: «فيتعلمون» .
[4]النحل: 40.
إما أن يكون راجعاً إلى «الناس» من قوله (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) «1» ، أو إلى (أَحَدٍ) «2» .
فإن كان راجعاً إلى «الناس» فلا تعلق له بقوله (فَلا تَكْفُرْ) ، لأنه لا معنى لقوله (فَيَتَعَلَّمُونَ) إذا كان فعل الغير أن يحمل على (فَلا تَكْفُرْ) ، لفساده في المعنى.
وإن كان راجعاً إلى (أَحَدٍ) لم يكن (فَيَتَعَلَّمُونَ) أيضاً جواباً لقوله (فَلا تَكْفُرْ) ، لأن التقدير: لا يكن كفر فتعلم. / والمعنى: إن يكن كفر يكن تعلم، وهذا غير صحيح، ألا ترى أنه يجوز أن يكفر ولا يتعلم، فليس الأول سبباً للثاني، فإذا لم يجز ذلك لم يخل من أحد أمرين:
إما أن تجعل الفعل معطوفاً بالفاء على فعل قبله وإما أن نجعله خبراً لمبتدأ محذوف.
والفعل الذي قبله لا يخلو من أن يكون (كَفَرُوا) أو (يُعَلِّمُونَ) أو (يُعَلِّمانِ) ، أو فعلا مقدراً محذوفاً من اللفظ، وهو «يأبون» . فإن عطفت على «كفروا» جاز، ويكون موضعه رفعاً كموضع «كفروا» .
وإن عطفت على (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) فيتعلمون، جاز. و (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) يجوز أن يكون منصوباً على الحال من الواو في (كَفَرُوا) . ويجوز أن يكون بدلاً عن (كَفَرُوا) ، لأن تعليم السحر كفر.
(1، 2) البقرة: 102.
فأما ما اعترض به أبو إسحاق على المعطوف على (يُعَلِّمُونَ) من أنه خطأ، لأن قوله (مِنْهُما) دليل هاهنا على التعلم من الملكين خاصة، فهو ساقط غير لازم من جهتين: إحداهما، أن التعلم إن كان من الملكين خاصة لا يمنع أن يكون قوله (فَيَتَعَلَّمُونَ) عطفاً على (كَفَرُوا) وعلى (يَتَعَلَّمُونَ) ، وإن كان متعلقاً ب (مِنْهُما) فكأن الضمير في (مِنْهُما) راجع إلى الملكين.
فإن قلت: كيف يجوز هذا؟ وهل يسوغ أن يقدر هذا التقدير (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما) . فتضمر الملكين قبل ذكرهما؟.
قيل له: أما المضمر فعلى ما ذكرته صحيح.
فأما الإضمار قبل الذكر فساقط هنا، ليس يلزم على تقديره في قول سيبويه إضمار قبل الذكر. ألا ترى أن (مِنْهُما) إذا كان ضميراً عائداً إلى الملكين، فإن إضمارهما بعد تقدم ذكرهما، وذلك شائع. ونظيره قوله: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ)[1]فإن قال: إن المعطوف على قول سيبويه بعيد من المعطوف عليه، وعلى قول غيره قريب، ومهما احتملت الآية من غير تأويل كان أولى.
قيل له: إن بعد المعطوف عن المعطوف عليه وتراخيه عنه لا يمنع من عطفه عليه وإتباعه إياه.
[1]البقرة: 124.
ألا ترى أن الناس/ حملوا قوله تعالى: (وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ)[1]فيمن جر على (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)[2]وعلم «قيله» ، وليس بعده من المعطوف عليه وتراخيه عنه بأقل من هذا، وهذا كثير.
والجهة الأخرى، وهي أن الضمير لهاروت وماروت. والتقدير: (ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما) .
فلا يعود إلى الملكين، إنما يعود إلى هاروت وماروت، وجاز (يُعَلِّمُونَ) حملا على المعنى.
ويجوز عطف (يَتَعَلَّمُونَ) على (ما يُعَلِّمانِ) ، فيكون التقدير: وما يعلمان من أحد فيتعلمون منهما، فيكون الضمير الذي في (يَتَعَلَّمُونَ) على هذا التأويل «لأحد» .
إلا أنه جمع لما حمل على المعنى، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ)[3]. وارتفاعه لا يمنع عطفك إياه على هذا الفعل الذي ذكرناه، لأن هذا الفعل، وإن كان منفيا في اللفظ، فهو موجب في المعنى. ألا ترى أن معناه: يعلمان كل أحد إذا قالا له: (إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) .
ويجوز أن يكون معطوفاً على مضمر دل عليه الكلام، وهو: يأبون فيتعلمون. إلا أن قوله (فَلا تَكْفُرْ) نهى عن الكفر، فدل (فَيَتَعَلَّمُونَ) على إبائهم.
[1]الزخرف: 88.
[2]الزخرف: 85.
[3]الحاقة: 47.
فأما كونه خبرا المبتدأ المحذوف، فعلى أن تقدره: فهم يتعلمون منهما، فهذا ما احتملته هذه الآية.
ومن إضمار المبتدأ قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)[1]فأضمر المبتدأ وأخبر عنه بثلاثة أخبار.
وكان عباس بن الفضل يقف على (صُمٌّ) ثم على (بُكْمٌ) ثم على (عُمْيٌ) فيصير لكل اسم مبتدأ، والأول أوجه.
ودل قوله في الأخرى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ)[2]على أن الواو هنا مقدرة أيضاً وأنه في قولهم: هذا حلو حامض، مقدر أيضاً. والجار في قوله (فِي الظُّلُماتِ) متعلق بمحذوف. والتقدير: صم وبكم ثابتون في الظلمات.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) «3» . إذا وقفت على (هُوَ) كان (الْحَيُّ) خبر مبتدأ مضمر. ولا يجوز أن يكون (الْحَيُّ) وصفاً ل «هو» لأن المضمر لا يوصف. ويجوز أن يكون خبراً لقوله (اللَّهُ) .
ويجوز أن يرتفع (الْحَيُّ) / بالابتداء و (الْقَيُّومُ) خبره.
ويجوز أن يكون (الْحَيُّ) مبتدأ و (الْقَيُّومُ) صفة، و (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) «4» جملة خبر المبتدأ. ويكون قوله (ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) «5» الظرف، وما ارتفع به خبر آخر، فلا تقف على قوله (وَلا نَوْمٌ) «6» .
[1]البقرة: 18، 171.
[2]الأنعام: 39. [.....]
(3، 4، 5، 6) البقرة: 255.
ومن ذلك قوله تعالى: (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[1]. هذا خبر مبتدأ مضمر، والتقدير فيه: وجوب صدقة البر (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا) .
وقيل اللام بدل من اللام في قوله تعالى: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ)[2]. (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا)[3].
وهذا لا يصح، لأن «الفقراء» مصرف الصدقة، والمنفقون هم المزكون، فإنما لأنفسهم ثواب الصدقة التي أدوها إلى الفقراء.
وإن قال: إن المراد بالعموم الخصوص، يعني بالأنفس: بعض المزكين الذين لهم أقرباء فقراء، فهو وجه ضعيف.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ)[4]أي: فالواجب إمساك بمعروف.
ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «5» أي:
فالواجب تحرير رقبة.
وقوله بعده: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «6» أي: فالواجب.
وكذلك (فَدِيَةٌ) أي: فالواجب دية.
وكذلك في سورة المجادلة: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)[7]أي:
فالواجب تحرير رقبة.
[1]البقرة: 273.
[2]البقرة: 272.
[3]البقرة: 273.
[4]البقرة: 229.
(5، 6) النساء: 92.
[7]المجادلة: 3.