بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 282

وليس الأمر في «أن» كذلك لارتفاعها بالابتداء، وإن لم يجز تقديمه في قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)[1]و (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)[2].
ولا يستقيم أن يفصل بينهما ب «أن» يقال: إنّ «أنْ» الخفيفة قد ابتدئت والثقيلة لم تبتدأ.
لأنه يقال له: ارفعه بالابتداء، وإن لم يجز تقديمه، كما رفعت «زيدا» ونحوه بالابتداء، وإن لم يجز أن يبتدأ بها في أول الكلام.
وأما قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) «3» ، فمذهب سيبويه أن في «كاد» ضمير القصة والحديث، وفسر بالجملة من الفعل والفاعل.
وجاز ذلك فيها وإن لم تكن مثل «كان» وبابها من الأفعال المجردة من الدلالة على الحدث، لمشابهتها لها في لزوم الخبر إياها.
ألا ترى أنها لا تخلو من الخبر، كما أن تلك الأفعال كذلك.
وقد أجاز أبو الحسن في قوله: (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) «4» أن يكون في «كاد» ضمير ممن تقدم، ويرفع (قُلُوبُ فَرِيقٍ) «5» «تزيغ» .
قال: وإن شئت رفعتها، يعني «القلوب» ب «كاد» وجعلت «تزيغ» حالا.
[1]البقرة: 184.
[2]النور: 60.
(5- 4- 3) التوبة: 117.


صفحه 283

فأما احتماله الضمير مما جرى، فوجهه: أنه لما تقدم قوله:
(لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ)[1]. وكانوا قبيلا، ومن عاندهم من الكفار والمنافقين قبيلا، أضمر في كاد، قبيلا.
فأما كون «يزيغ» حالاً فيدل على صحته قول العجاج:
إذا سمعت صوتها الخرَّارا ... أصم يهوى وقعها الصوارا
ألا ترى أنه قد تقدم «يهوى» على «وقعها» في موضع هاويا، وهذا يدل على جواز تقديم الحال من المضمر.
ومن تقديم خبر «كان» قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)[2]فالظرف حشو و «أحد» اسم «كان» ، و «كفوا» خبره، وأجاز أن يكون «له» وصفا للنكرة، فلما تقدم انتصب على الحال.
وحمله الكوفي على إضمار المجهول في «يكن» ، وفي «يكن» ضمير القصة، و «كفوا» حال.
وهذا إنما جاز عندهم للحاق النفي الكلام، وإلا كان كفرا، لأنك إذا قلت: لم يكن الأمر له كفواً أحد، كان إيجابا، تعالى الله عن ذلك وتقدّس.
[1]التوبة: 117.
[2]الإخلاص: 4.


صفحه 284

فهو كقولهم: ليس الطيب إلا المسك، على إضمارٍ في «ليس» وإدخال «إلا» بين المبتدأ والخبر، لأنه يؤول إلى النفي.
والعامل في الظرف إذا كان حالاً هو «يكن» . وعلى قول البغداديين في «كفوا» المنتصب على الحال «لَهُ» ، و «لَهُ» متعلق بمحذوف في الأصل، و «أحد» مرتفع به على قولهم.
وكانَّ «له» إنما قدمت وإن لم يكن مستقراً، لأن فيه تبييناً وتخصيصاً ل «كفو» . فلهذا قدم، وحسن التقديم وإن لم يكن مستقراً.
فهذا كله في تقديم ما في حيز المبتدأ.
فأما الظرف إذا كان خبراً ل «كان» فتقديمه على اسم «كان» كثير، كقوله:
(وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ)[1]وقوله: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ)[2].
وقوله: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ)[3]وكقوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ)[4].
فأما قوله: َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
«5» فقيل: «نصر» يرتفع ب «كان» ، و «حقا» خبر مقدم. وقيل: بل اسم «كان» مضمر، والتقدير: كان الانتقام حقاً، فتقف على هذا، وتبتدئَ لَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
«6» .
[1]القصص: 37.
[2]يونس: 78.
[3]آل عمران: 13.
[4]الكهف: 43.
(6- 5) الروم: 47.


صفحه 285

ومن هذا الباب قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) «1» ف «هم» مبتدأ، و «يستغفرون» الخبر، والجار في صلة «يستغفرون» ، وقدمه على المبتدأ كما قدم (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)[2].
ومثله: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ)[3]. ف «أنتم» مبتدأ، و «مدهنون» خبره، والجار من صلة «مدهنون» .
وأما قوله (قَلِيلًا) «4» فستراه في باب آخر إن شاء الله.
(4- 1) الذاريات: 17، 18.
[2]البقرة: 4.
[3]الواقعة: 81. [.....]


صفحه 286

الباب الرابع عشر
هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حُذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه/ وهو جائز حسن في العربية يعد من جملة الفصاحة والبلاغة. وقد ذكره سيبويه في غير موضع من كتابه.
فمن ذلك قوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)[1]والتقدير: وبالدار الآخرة هم يوقنون.
ومن ذلك قوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)[2]أي: في الدار الآخرة.
كما أن قوله: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا)[3]أي: في الدار الدنيا.
دليله قوله: (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ)[4].
وما جاء في التنزيل من قوله: (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ)[5]فهو على تقدير:
ولدار الساعة الآخرة، فتكون «الآخرة» صفة للساعة المضمرة.
وعليه قراءة ابن عامر فى قوله: (لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فى الأنعام[6].
[1]البقرة: 4.
[2]البقرة: 130.
[3]البقرة: 130.
[4]الأنعام: 32.
[5]النحل: 30.
[6]الأنعام: 32.


صفحه 287

وليست «الدار» مضافة إلى الآخرة لأن الشيء لا يضاف إلى صفته كما لا يضاف إلى نفسه.
وعلى هذا: مسجد الجامع، أي الوقت الجامع وصلاة الأولى، أي:
صلاة الساعة الأولى و (دِينُ الْقَيِّمَةِ)[1]، أي: دين الملة القيمة وكذلك (وَحَبَّ الْحَصِيدِ)[2]أي: حب الزرع الحصيد و (حَقُّ الْيَقِينِ)[3]أي: حق العلم اليقين. فمن قال بخلاف ذا فقد أخطأ.
ومن ذلك قوله تعالى: (آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ)[4]أي: آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس، (قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) «5» أي أنؤمن إيماناً كإيمان السفهاء. فحذف الموصوف وأقيمت الكاف التي هي صفته بمقامه.
وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله: «كما» .
ومثله: «كذلك» في نحو قوله: (كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) «6» أي قولاً مثل ذلك قال الذين لا يعلمون. ويكون (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بدلاً من الأول وتفسيراً.
ومثله: (كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ)[7]، و: (كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ)[8].
ومثله: (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ)[9]أي: فعلا مثل ذلك، وقولا مثل ذلك.
[1]البينة: 5.
[2]ق: 9.
[3]الواقعة: 95.
[4]البقرة: 13.
(6- 5) البقرة: 113.
[7]آل عمران: 40.
[8]آل عمران: 47.
[9]مريم: 9. [.....]


صفحه 288

وأما قوله: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ)[1]إن[2]شئت كان وصفاً لمصدر قوله: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ)[3]على تقدير: إتماما مثل إرسالنا الرسول. وإن شئت كان من صلة قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[4]أي:
ذكرا مثل إرسالنا الرسول.
وأما قوله: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ)[5]فإن شئت كان صفة لمصدر خبر مبتدأ تقدم/ ذكره، على تقدير: (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)[6]أي: الأنفال ثابتة لله ثبوتاً كثبوت إخراج ربك إياك من بيتك.
وإن شئت: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً مثل إخراجك من بيتك.
وأما قوله تعالى: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)[7]أي: تعودون عودا مثل بدئنا إياكم، كقوله: (بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ)[8].
وعلى هذا قياس كاف التشبيه في التنزيل، وهذا نوع آخر من حذف الموصوف.
ومن ذلك (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) «9» فريق- (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) «10» فحذف الموصوف وجعل (يَوَدُّ) وصفا له.
[1]البقرة: 151.
[2]الأصل: «وإن» .
[3]البقرة: 150.
[4]البقرة: 152.
[5]الأنفال: 5.
[6]الأنفال: 1.
[7]الأعراف: 29.
[8]الأنبياء: 104.
(10- 9) البقرة: 96.


صفحه 289

وقدره آخرون: ولتجدنهم ومن الذين أشركوا، أي: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس فهو وصف لموصوف منصوب معطوف على مفعول (لَتَجِدَنَّهُمْ) .
وقدره الفرّاء: من يود. و «من» إن كان موصولاً فلا يجوز إضماره، وإن كان موصوفاً جاز إضماره، كقول حسان:
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
أي: من يمدحه ومن ينصره. ويكون «من» موصوفاً. ومن لم يقف على «حياة» ، فإنما أدخل «من» على قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)[1]حملاً على المعنى.
إذ المعنى: ولتجدنهم أحرص من الناس ومن الذين أشركوا.
ومن ذلك قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ)[2]قال أبو علي:
ومن الذين هادوا فريق يحرف الكلم، فحذف الموصوف، كما قال:
(وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ)[3]أي: ومن آياته آية يريكم البرق دليله قوله:
(وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ)[4]أي: سماعون من أجل الكذب.
أي: يسمعون ليكذبوا عليك ويحرفوا ما سمعوا. فقوله «يحرفون» صفة لقوله «سماعون» وليس بحال من الضمير الذي في «يأتوك» .
ألا ترى أنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، وإنما التحريف ممن يشهد ويسمع ثم يحرف.
[1]البقرة: 96.
[2]النساء: 46.
[3]الروم: 24.
[4]المائدة: 41.