الباب السابع عشر
هذا باب ما جاء في التنزيل من اجتماع الهمزتين وذلك يكون على وجوه في الكلام، وينبغي أن نعلمك أصلاً قبل ذلك، فإن اجتماعهما يبتني على ذلك الأصل، وهو: أن تعرف أن الهمزة المتحركة وقبلها ألف متحرك تكون على تسعة أوجه[1]:
أحدها: أن تكون مفتوحة مضموما ما قبلها، نحو: «جُؤَن» .
والثاني: أن تكون مفتوحه مكسوراً ما قبلها، نحو: مئر: بوزن «معر» ، وهذه ليس فيها إلا أن تقلب واوا في حال الضم، وياء في حال الكسر، نحو «جون» و «مير» بواو وياء خالصين، ولا يجوز فيهما بين بَيْنَ.
وذلك أن الهمزة المفتوحة، إذا جعلتها بين بَيْنَ قربتها من الألف، والألف لا تقع بعد الضمة والكسرة بوجه ما، وهو مما تشهد الضرورة به، فكذلك لا يقع ما بعدهما ما يقارب الألف، كما أن الألف لما لم يمكن الابتداء به لم يكن جعل الهمزتين بين بينً في الابتداء، وإذا امتنع كونها بين بينً، فليس إلا القلب.
والضرب الثالث: أن تكون الهمزة مفتوحة مفتوحا ما قبلها، فهذه تخفيفها أن تجعل بين بين، نحو: «سال» و «قرا زيد» وذلك أن الألف من شأنها أن تقع بعد الفتحة، وكذلك يقع المقرب منها بعدها، وقد عرفتك أن هذا التخفيف مما ينكشف سره بالمشافهة.
[1]الأصل: «سبعة» وقد ساقها المؤلف تسعة. [.....]
والضرب الرابع: أن تكون الهمزة مكسورة مفتوحاً ما قبلها/ نحو: «سم» .
فهذه تجعل بين بَيْنَ، فأنت لأجل أنها مكسورة تقربها بالتخفيف من الياء الساكنة، والياء الساكنة تسلم بعد الفتحة، فما ظنك بالمقارب لها.
والضرب الخامس: أن تكون الهمزة مضمومة مفتوحا ما قبلها نحو:
«لؤم» ، فهذه أيضاً تجعل بين بَيْنَ، لأجل أنك تقربها من الواو الساكنة، والواو الساكنة تقر بعد الفتحة، فكذلك ما يقاربها.
والضرب السادس: أن تكون الهمزة مضمومة قبلها ضمة نحو: «هذا عبد أختك» و «شقّ أبلم» .
فهذه أحرى بأن تجعل بين بَيْنَ، لأجل أنك تقربها من الواو الساكنة، وشأنها أن تقع بعد الضمة، فكذا ما يقرب منها.
والضرب السابع: أن تكون الهمزة مكسورة مكسوراً ما قبلها، نحو: «من عند إبلك» . تجعلها بين بَيْنَ، لأجل أنك تقربها من الياء الساكنة، وحقها أن تقع بعد الكسرة، وكذلك القريب منها.
والضرب الثامن: أن تكون الهمزة مضمومة مكسوراً ما قبلها، نحو: «هذا قارئ يافتى» مثل «قارع يافتى» .
وهذا فيه خلاف، فمذهب الخليل وصاحب الكتاب جعلها بين بَيْنَ، ومذهب أبي الحسن القلب إلى الياء.
والتاسع: أن تكون مكسورة قبلها ضمة، نحو: «سئل» وهذه مثل الثامن في القلب، إلا أن أبا الحسن يقلبه واوا للضمة قبلها، كما يقلبها ياء للكسرة قبلها فى قارئ.
فأما ما حكاه محمد بن السري في كتابه في القراءات عن أبي الحسن من أنه قال: من زعم أن الهمزة المضمومة لا تمنع الكسرة إذا خففت دخل عليه أن يقول: «هذا قارئ» و «هؤلاء قارئون» و «يستهزئون» .
قال، يعني أبا الحسن، وليس هذا من كلام من خفف من العرب، إنما يقولون يستهزئون فخطأ في النقل، ألا تراه يلزم الخليل وسيبويه أن يقولا هذا في المتصل؟
قالا ذلك في المنفصل، نحو: «من عند أخيك» ، ونسمعهما يقولان «1» :
إنه قول العرب، هذا مما لا يظن.
وأبو الحسن قد فصل بين المتصل والمنفصل في: ...[2]وغلام، نحو:
إبلك، فقلب المتصل واوا والمنفصل ياء.
هذا الذي/ حكاه عنه غلط في النقل، وإنما دخل عليه أن يقول:
«هذا قارو» بالواو، كما حكيناه.
فكذلك رواه أبو عبد الله اليزيدي عنه، ثم حكاه عن أبي الحسن من قولهم:
إنما يقولون يستهزيون على ماذا يحمله، على التحقيق أم على فصلها بين بين؟.
فإن حمله على التحقيق لم يجز، على [أن] «3» الكلام ليس فيه، إنما الكلام على التخفيف أم على جعلها بين بين.
فإن حمله على أنه جعلها بين بين، فقد أثبت إذن ما أنكره، وما لم يقله أحد من أهل التخفيف عنه، وهذا خطأ عليه فاحش فى النقل.
(3- 1) تكملة يقتضيها السياق.
[2]بياض بالأصل.
وأما ما ذكره محمد بن يزيد في هذه المسألة في كتابه المترجم بالشرح من قوله:
والأخفش لا يقول إلا كما يقول النحويون: «هذا عند ئِبِلك» . ولكن يخالف في «يستهزئون» .
فهذا الإطلاق يوهم أنه لا يفصل بين المتصل والمنفصل، وقد فصل أبو الحسن بين «أكمؤك» و «عند نحو بك»[1].
فينبغي إذا كان كذلك ألا نرسل الحكاية عنه، حتى يعتد ويفصل بين المتصل والمنفصل كما فصل هو.
وأما الهمزة المفتوحة التي بعدها همزة مضمومة من كلمة واحدة، فقد جاء في التنزيل في أربعة مواضع:
في آل عمران: (أَأُنَبِّئُكُمْ)[2].
وفي ص: (أَأُنْزِلَ)[3].
وفي القمر: (أَأُلْقِيَ)[4].
والرابع فى الزخرف: (أَشَهِدُوا)[5].
والهمزة المفتوحة التي بعدها مكسورة من كلمة:
أولها فى الأنعام: (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ)[6].
والثانية في النمل: (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ)[7].
والثالثة في الشعراء: (أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً)[8].
والرابعة فى التوبة: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)[9].
[1]كذا في الأصل وانظر: الكتاب (2: 163- 171) .
[2]آل عمران: 45.
[3]ص: 8.
[4]القمر: 25.
[5]الزخرف: 19.
[6]الأنعام: 19.
[7]النمل: 55.
[8]الشعراء: 41.
[9]التوبة: 12.
والخامسة في يوسف: (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ)[1].
والسادسة في مريم: (أَإِذا ما مِتُّ)[2].
والسابعة في الشعراء: (أَإِنَّ لَنا)[3].
والثامنة والتاسعة في القصص: (أَئِمَّةً)[4]فيهما.
والعاشرة فى السجدة: (أَئِمَّةً)[5].
والحادي عشر فى يس: (أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ)[6].
والثاني عشر فى الصافات: (أَإِنَّا لَتارِكُوا)[7].
والثالث عشر فيها: (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ)[8].
والرابع عشر فيها: (أَإِفْكاً آلِهَةً)[9].
والخامس عشر فى السجدة: (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ)[10].
والسادس عشر: فى الواقعة: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ)[11].
والسابع عشر فى النمل: (أَإِنَّكُمْ)[12].
والثامن عشر فى ق (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا)[13].
[1]يوسف: 90.
[2]مريم: 66.
[3]الشعراء: 41. [.....]
[4]القصص: 5 و 41.
[5]السجدة: 24.
[6]يس: 19.
[7]الصافات: 36.
[8]الصافات: 52.
[9]الصافات: 86.
[10]فصلت: 9.
[11]الواقعة: 66.
[12]النمل: 55.
[13]ق: 3.
والتاسع عشر في الأنبياء: (أَئِمَّةً)[1].
وخمسة في النمل: (أَإِلهٌ)[2].
/ فذلك أربعة وعشرون.
فهذه همزتان اجتمعتا مفتوح بعدها مكسور، وفي مدها وتليين الثانية اختلاف إلا التي في الشعراء، فإنه لم يقرأ هناك على الخبر أحد، كما قرأ في الأعراف، وقد يرد غير ذلك مع استفهام بعده:
فأولها في سورة الرعد: (أَإِذا- أَإِنَّا)[3].
وفي بني إسرائيل: اثنان[4].
وفي المؤمنين: واحد[5].
وفي السجدة: واحد[6].
وفي النمل: (أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ)[7].
وفى العنكبوت: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ... أَإِنَّكُمْ)[8].
وفي الصافات: موضعان[9].
وفي الواقعة[10]: وفي سورة النازعات[11].
فهذه أحد عشر موضعا واثنتان وعشرون كلمة.
وأما المفتوحتان: ففي إحدى وثلاثين موضعاً أولها:
في البقرة: (أَأَنْذَرْتَهُمْ)[12].
وفيها: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ)[13].
وقوله: (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) وقد تكرر في الآية 49 والآية 98.
[1]الأنبياء: 73.
[2]النمل: 60- 64.
[3]الرعد: 5.
[4]هما قوله تعالى: (إِذا كُنَّا عِظاماً)
[.....]
[5]في المؤمنين اثنان لا واحدا وهما (أَإِذا مِتْنا) (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) .
[6]في السجدة اثنان لا واحدا وهما (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ) (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) .
[7]النمل: 67.
[8]العنكبوت: 28 و 29.
[9]في الصافات خمسة مواضع، الأول والثاني (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) الثالث والرابع (إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) الخامس (أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) .
[10]هما (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) .
[11]هما (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ) و (أَإِذا كُنَّا عِظاماً) .
[12]البقرة: 6.
[13]البقرة: 140.
والثالثة في آل عمران: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ)[1]في قراءة ابن كثير.
والرابعة فيها: (أَأَسْلَمْتُمْ)[2].
والخامسة فيها: (أَأَقْرَرْتُمْ)[3].
السادسة في المائدة: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)[4].
السابعة، والثامنة، والتاسعة: (آمَنْتُمْ)[5]فى الأعراف وطه والشعراء.
والعاشرة في هود: (أَأَلِدُ)[6].
الحادي عشر في يوسف: (أَأَرْبابٌ)[7].
الثاني عشر في سبحان: (أَأَسْجُدُ)[8].
الثالث عشر في الأنبياء: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ)[9].
الرابع عشر في الفرقان: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي)[10].
والخامس عشر في النمل (أَأَشْكُرُ)[11].
السادس عشر في يس: (أَأَنْذَرْتَهُمْ)[12].
السابع عشر فيها: (أَأَتَّخِذُ)[13].
[1]آل عمران: 73.
[2]آل عمران: 20.
[3]آل عمران: 81.
[4]المائدة: 116.
[5]الأعراف: 23- وطه: 71- الشعراء: 49. [.....]
[6]هود: 72.
[7]يوسف: 39.
[8]الإسراء: 61.
[9]الأنبياء: 62.
[10]الفرقان: 17.
[11]النمل: 40.
[12]يس: 10.
[13]يس: 23.
الثامن عشر فى السجدة: (ءَ أَعْجَمِيٌّ)[1].
التاسع عشر في الزخرف: (أَآلِهَتُنا)[2].
العشرون في الأحقاف: (أَذْهَبْتُمْ)[3].
الحادي والعشرون والثاني والثالث والرابع والعشرون في الواقعة:
(أَأَنْتُمْ)[4].
الخامس والعشرون في المجادلة: (أَأَشْفَقْتُمْ)[5].
السادس والعشرون في الملك: (أَأَمِنْتُمْ)[6].
السابع والعشرون فى القلم: (أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ)[7].
الثامن والعشرون في النازعات: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ)[8].
التاسع والعشرون: (ألهكم)[9].
الثلاثون: (آلذَّكَرَيْنِ) «10» .
الحادي والثلاثون: (آزَرَ) «11» .
وفي كل ذلك اختلاف بين القراء السبعة إلا في قوله: (آلذَّكَرَيْنِ) «12» (آزَرَ) «13» .
[1]فصلت: 44.
[2]الزخرف: 58.
[3]الأحقاف: 20 في قراءة.
[4]الواقعة: 59 و 64 و 69 و 72.
[5]المجادلة: 13.
[6]الملك: 16. [.....]
[7]القلم: 14 في قراءة: (أأن كان) .
[8]النازعات: 27.
[9]التكاثر: 1 في قراءة: (أألهكم) .
(12- 10) الأنعام: 143، 144.
(13- 11) الأنعام: 74.