وخص يعقوب بالتشديد قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ)[1]. لقوله:
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ)[2].
وأظهر أبو عمرو الباء عند الميم في جميع التنزيل، نحو قوله: (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ)[3].
وأدغمها/ في قوله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ)[4]. في خمسة مواضع:
في البقرة وآل عمران وفي المائدة في موضعين وفي سورة العنكبوت.
لموافقة: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ)[5]وهو يدغم الراء في اللام والميم في الميم.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا)[6]، جاء منصوباً، لأن قبله (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ)[7]- فنصب لما ذكرنا بفعل مضمر، ليكون مطابقاً وموافقاً.
وكذا (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ)[8]جاء منصوباً لهذا المعنى.
وأما قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ)[9].
[1]النحل: 101.
[2]النحل: 102.
[3]النساء: 81. [.....]
[4]العنكبوت: 21.
[5]العنكبوت: 21.
[6]الإسراء: 12.
[7]الإسراء: 12.
[8]الإسراء: 13.
[9]النور: 41.
ففاعل «علم» الضمير على «كل» ولا يجيء على مذهب سيبويه.
وما جاء عليه التنزيل من هذا النحو، أن يكون فاعل «علم الله» ، ولو كان كذلك لوجب أن ينصب «كل» .
ألا ترى أنك تقول «يقوم زيد وزيداً أضرب غلامه» فتنصب «زيداً» لأن الذي من سببه منصوب.
وكذلك قوله: «كل قد علم» ولو كان فاعل «علم» اسم الله دون الضمير العائد إلى «كل» لنصب.
وكذلك قوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[1]ففاعل «يرفع» الضمير العائد إلى «العمل الصّالح» ، و «العمل الصالح» مبتدأ.
ولو كان فاعل «يرفعه» اسم الله أو «الكلم» على رفع الكلم العمل لوجب نصب العمل، لأنه معطوف على «يصعد» .
وكأن المعنى[2]: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، في رفعه الكلم، أنه لا يحبط بالعمل السيء، ولا يرتفع إليه، ويخلص من غير إحباط يقع عليه، من أجل عمل سيىء. وذكر الضمير في يرفعه، لأنه للكلم، كشجرة وشجر.
[1]فاطر: 10.
[2]في الأصل: «وكان والمعنى» .
ومن المطابقة:
قراءة حفص[1]في سورة الكهف: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)[2]بضم الهاء من «أنسانيه» .
لما رأى أن الهاء المتصل ب «أذكره» وهو في صلة «أن» الذي صار بدلاً من الهاء، وفق بين الحركتين في الهاء.
ولهذا المعنى هرب في قوله: (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً)[3]عن الكسرة فأشبعها، كيلا يلزمه أن يتبع الهاء الميم.
ومن المطابقة والمجاورة:
قراءة ابن عامر، في جميع التنزيل (يا أبت) بفتح التاء تبعاً للباء.
وعلى هذا حكاية سيبويه/ في: «يا طلحة لما رخموا» ثم ردوا التاء، فتحوها تبعاً للحاء.
ومثل ذلك ما رواه أبو بشر عن ابن عامر: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً)[4]بفتح اللام تبعاً للعين.
وعن أبي حنيفة: (طَعامٌ تُرْزَقانِهِ)[5]، بضم النون تبعا للهاء.
وعن الحلواني عن ابى عامر: (أَتَعِدانِنِي)[6]، بفتح النون تبعاً للألف، وطلباً للمطابقة.
[1]في الأصل: «قراءة حفصة» .
[2]الكهف: 63.
[3]الفرقان: 69.
[4]الزمر: 21.
[5]يوسف: 37.
[6]الأحقاف: 17. [.....]
وعن ابن أبي عبلة: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)[1]- بفتح التاء تبعاً لفتحة النون.
وعن الأئمة السبعة فتح الميم من قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا)[2]غير نافع وابن عامر- وهم يعدون النصب في مثل- هذا شاذاً نحو: إن تقعد أقعد وأكرم. يختارون الجزم والرفع، دون النصب في وأكرم، ومع هذا أطبقوا خمستهم على فتح الميم تبعاً للام. وعلى هذا أطبقوا خمستهم على فتح الميم تبعاً للام.
وأما قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)[3]بنصب الميم. فيجوز أن يكون من هذا الباب فتح الميم إجماعاً.
ولم يكن فتح العين في قوله:
(أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ) »
إجماعاً، وإنما هي قراءة ابن أبي عبلة.
وقال النحويون في الآيتين: إن نصبهما على الصرف، فلم كان أحدهما إجماعاً، والآخر شاذاً؟ - وإن كانت التبعية عندك هي العلة، فقد وجدت التبعية أيضا فى النون من قوله: «ونمنعكم» .
[1]التغابن: 15.
[2]الشورى: 35.
[3]آل عمران: 142.
(4) النساء: 141.
فالجواب:
أن المستحسن من هذا إنما هو الجزم، والنصب على الصرف ليس بمستحسن، فجاء: (وَنَمْنَعْكُمْ) مجزوماً على ما هو المختار.
وإنما عدلوا إلى الفتح في: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) لأن إسكان الميم هنا محال، لما يتأتى من التقاء الساكنين، وكان الجزم ممتنعاً، فلا بد من التحريك، والتحريك هنا الكسر، كما هي قراءة بعضهم: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .
والأئمة عدلوا عن الكسر إلى الفتح، لأنها أخف مع انفتاح ما قبله.
وليس في قوله: (وَنَمْنَعْكُمْ) - التقاء الساكنين فيجب التحريك.
وعن شعيب عن أبي بكر عن عاصم: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)[1]بفتح النون، لتساوي (الْمُكْرَمِينَ)[2]من بعده، و (تُرْجَعُونَ)[3]من قبله.
ولأن قوله (عون) بالكسر بعد الضم يصير كقولهم «زيدون» .
فكما وجب فتح النون بعد الواو هنا وجب فتحه أيضا هاهنا.
ومن المطابقة:
/ حذف الجار والمجرور في سورة الأعراف: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ)[4]
[1]يس: 25.
[2]يس: 27.
[3]يس: 22.
[4]الأعراف: 101.
ولم يقل: كذبوا به، لما كان سياق الآية: (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ)[1]ولما قال: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ)[2]- في سورة يونس فأثبت الهاء- قال في سياقها: (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ)[3].
ومن المطابقة:
قوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ)[4]نصبه بإضمار فعل- لأن قبله:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ)[5]وكان أن تضمر وخلقنا الجان- أحسن وأجود.
وإذا لم تعرف أنت حيث تستبدل بأن النصب هو المختار في قوله:
«قام زيد وعمراً كلمته» .
إلا قوله:
أصبحت لا أنقل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن هممت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
ولا تطلب هذه الآي التي عددتها لك، فما ذنبي من المطابقة.
[1]الأعراف: 96.
[2]يونس: 73.
[3]يونس: 74.
[4]الحجر: 27.
[5]الحجر: 26.
وقوله تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)[1]ومن ذلك قوله: (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ)[2]ولم يقل: من أعبد لأن قبله: (ما تَعْبُدُونَ)[3]يعني الأصنام- فجاء على الأزدواج والمطابقة.
إلى هنا ينتهي القسم الأول من اعراب القرآن من تجزئة المحقق، ويليه القسم الثاني وأوله:
الباب المتم العشرين
[1]الشورى: 40. [.....]
[2]الكافرون: 3، 5.
[3]الكافرون: 2.