بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 44

ومنه قوله تعالى: (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا)[1]أي: ذا ثمن، لأن الثمن لا يشترى، وإنما يشترى شىء ذو ثمن.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً)[2]أي: عقاب يوم، لا بد من هذا الإضمار، لأنه مفعول «اتقوا» ، فحذف وأقيم «اليوم» مقامه. فاليوم مفعول به وليس بظرف، إذ ليس المعنى: ائتوا في يوم القيامة، لأن يوم القيامة ليس بيوم التكليف.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)[3]أي: انقضاء أربعين ليلة.
قال أبو علي: ليس يخلو تعلق «الأربعين» ب «الوعد» من أن يكون على أنه ظرف أو مفعول ثان، فلا يجوز أن يكون ظرفاً لأن «الوعد» ليس فيها كلها فيكون جواب «كم» ، ولا في بعضها فيكون كما يكون جواباً ل «متى» ، لأن جواب «كم» يكون عن الكل، لأنك إذا قلت: كم رجلاً لقيت؟
فالجواب: عشرين، فأجاب عن الكل.
وجواب «متى» جواب البعض. لأنك إذا/ قلت: متى رأيت؟
يقال في جوابه: يوم الجمعة، وهو بعض الأيام التي يدل عليه «متى» ، فإذا لم يكن ظرفاً كان انتصابه بوقوعه موقع المفعول الثاني، والتقدير: واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أو تتمة أربعين ليلة، فحذف المضاف، كما تقول:
اليوم خمسة عشر من الشهر، أي تمامه.
[1]البقرة: 41.
[2]البقرة: 47، 123.
[3]البقرة: 51.


صفحه 45

ونظيره في الأعراف: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً) «1» أي: انقضاء ثلاثين.
(وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) «2» والميقات هو الأربعون، وإنما هو ميقات ووعد، لما روى أن القديم سبحانه وتعالى وعده أن يكلمه على الطور.
فأما انتصاب «الأربعين» في قوله: (فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) فذلك كقولك: تم القوم عشرين رجلاً. والمعنى: تم القوم معدودين هذا العدد. وتم الميقات معدوداً هذا العدد. فيكون «عشرين» حالاً، كما أن معدودين كذلك.
ونظيره قوله تعالى: (وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ)[3]أي إتيان جانب الطور الأيمن، فحذف المضاف الذي هو مفعول ثان وقام مقامه «جانب» .
وليس «جانب» ظرفاً لأنه مخصوص، كقوله:
فواعديه سرحتى مالك[4]
أي إتيان سرحتى مالك.
ومن ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ)[5]أو صورته، لأنهم لم يعبدوا العجل حقيقة من بعده، أي من بعد خروجه.
وكذلك (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ) في رأس التسعين، فإنه لم يكن فيه حياة كما يكون في العجل حقيقة، بل كان صورة مموهة وصنعوه صورة العجل.
(1- 2) الأعراف: 142.
[3]طه: 80. [.....]
[4]صدر بيت لعمر بن أبي ربيعة. أو تمامه:
أو الربا بينهما أسهلا
وانظر الحاشية (4 ص 10) من هذا الكتاب.
[5]البقرة: 51.


صفحه 46

وقيل: من بعد إنجائنا إياكم.
نظيره: (ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)[1]أي: من بعد وفاتي (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ)[2]أي عن عبادتكم العجل.
ومثله: (أَتَتَّخِذُنا هُزُواً)[3]أي ذوي هزو.
ومنه قوله: (وَكُلا مِنْها رَغَداً)[4]أي: من نعيمها.
نظيره: (فَكُلُوا[5]مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ)[6]أي: من نعيمها.
ومثله في الأعراف[7].
ومن ذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)[8].
أي حب عبادة العجل، فحذف «حب» أولا، فصار: وأشربوا في قلوبهم عبادة العجل، ثم حذف «العبادة» .
ومثله: (مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)[9]أي من أثر تراب حافر فرس الرسول.
وقال الكلبي[10]: لما ذرى العجل/ في اليم وشربوا منه الماء ظهرت علامة الذهب على بدن محبي العجل، فذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)[11].
[1]البقرة: 133.
[2]البقرة: 52.
[3]البقرة: 67.
[4]البقرة: 35.
[5]في الأصل. «وكاوا» بتبديل من الناسخ.
[6]البقرة: 58.
[7]يريد الاية 161 من سورة الأعراف ( ... وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) .
[8]البقرة: 93.
[9]طه: 96.
[10]الكلبي، هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر، نسابة مفسر إخباري. كانت وفاته سنة ست وأربعين ومائة. (تهذيب التهذيب 9: 178- وفيات الأعيان 2: 301) .
[11]البقرة: 93.


صفحه 47

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً)[1]أي: ذا أمن. وإن شئت «أمنا» كان بمعنى: آمن.
ومن ذلك قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ) «2» أي: لها جزاء ما كسبت (وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ) «3» أي: جزاء ما كسبتم.
ومنه قوله تعالى: (وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها)[4]أي في عقوبة اللعنة، وهي النار.
(كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ)[5]أي: جزاء أعمالهم.
قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) «6» أي: مثل داعي الذين كفروا (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) «7» لا بد من هذا الإضمار ليكون الداعي بمنزلة الراعي.
وقيل: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا)[8]: مثل وعظ الذين كفروا، فحذف المضاف. قال سيبويه: وهذا من أفصح الكلام إيجازاً واختصاراً ولأن الله تعالى أراد تشبيه شيئين بشيئين: الداعي والكفار، بالراعي والغنم فاختصر. وذكر المشبه في الغنم بالظرف الأول فدل ما أبقى على ما ألقى.
وهذا معنى كلامه.
ومثله: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ)[9]أي أكل الميتة، فحذف.
[1]البقرة: 125. [.....]
(2- 3) البقرة: 134.
[4]آل عمران: 87، 88. وبدء الآية الأولى: (أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ.
[5]البقرة: 167.
(6- 7) البقرة: 171.
[8]إبراهيم: 18.
[9]البقرة: 173.


صفحه 48

قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ)[1][أي: ولكن ذا البر][2].
وإن شئت: ولكن البر بر من آمن.
وإن شئت: «كان البر» بمعنى البار، فلا يكون من هذا الباب. ولا وجه أن يكون التقدير: ولكن البر بر من آمن، ليكون ابتداء الكلام على الحقيقة لأنه إذا حذف منه «ذا» ، أو جعل بمعنى البار، فعلى الوجهين يكون مغيراً عن أصله.
(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)[3]أي: من جناية أخيه، وتقديره: من جنايته على أخيه. والعفو: التيسير[4]دون الصفح، كالذي في قوله. وآخره عفو لله، أي يسر له حيث قبلت الصلاة في آخره قبولها في أوله، لم تضيق على المصلى.
وقال في موضع آخر: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) «5» الآية. هذا في قبول الدية في العمد، أي من يسر له من أخيه القاتل فاتباع بالمعروف، أي ليتبعه ولى المقتول بالمعروف، فيتجمل في المطالبة، وليؤد المطالب ذلك منه إلى ولي المقتول بإحسان فلا يمطله ولا يبخسه، فقوله تعالى: (وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) «6» مرتفع بالابتداء، وخبره «له» ، هي مضمرة/ في تقدير الفاعل أن يؤدى إليه أخوه، والجار في «بإحسان»
[1]البقرة: 177.
[2]التكملة من تفسير أبي حيان (2: 3) وفيه بعد هذا: «قاله الزجاج» .
[3]البقرة: 178.
[4]في الأصل: «وللعفو اليسير» . والصواب ما أثبتناه، بدليل ما بعده.
(5- 6) البقرة: 178.


صفحه 49

متعلق بمضمر في موضع حال. والتقدير: متلبساً بإحسان، أي محسناً.
ولا يتعلق بالمصدر نفسه، لأنه قد تعلق به «إلى» ، والضمير في «إليه» ، راجع إلى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)[1].
ومن ذلك قوله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)[2]أي: إلى كرامته.
ومنه قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)[3]أي: في استيفاء القصاص، أو في شرع القصاص.
ومن ذلك قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) «4» أي: انتهاك حرمة الشهر الحرام.
(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) «5» أي: ذات قصاص.
ومن ذلك قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)[6]أي: أشهر الحج أشهر وإن شئت: الحج حج أشهر.
وإن شئت كان: الحج نفس الأشهر، مجازاً واتساعاً، لكونه فيها.
[1]وقيل: اتباع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فالحكم أو الواجب، أو فالأمر اتباع. وجاز أيضا رفعه بإضمار فعل تقديره: فليكن اتباع. وجوزوا أيضا أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: فعلى الولي اتباع القاتل بالدية. وقدروه أيضا متأخرا، تقديره: فاتباع بالمعروف عليه. وأداء، لكونه معطوفا على «اتباع» فيكون فيه من الإعراب ما قدروا في «فاتباع» ويكون «بإحسان» متعلقا بقوله «وأداء» .
وجوزوا أن يكون «وأداء» مبتدأ، و «بإحسان» هو الخبر (تفسير أبي حيان 2: 13- 14) .
[2]البقرة: 156.
[3]البقرة: 179. [.....]
(4- 5) البقرة: 194.
[6]البقرة: 197.


صفحه 50

ومن ذلك قوله: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ)[1]أي في استعمالهما. ووقع في «الحجة»[2]: في استحلالهما، وهو فاسد، لأن استحلالهما كفر، واستعمالهما إثم.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)[3]أي: ليس من أهل ديني.
ومن ذلك قوله: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)[4]أي: فروج نسائكم.
ومثله قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي)[5]أي: تضييع بني عمي، فحذف المضاف. والمعنى: على تضييعهم الدين، ونبذهم إياه، واطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته.
ومنه قوله تعالى: (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ)[6]أي:
ملاقون ثواب الله، كقوله تعالى: (مُلاقُوا رَبِّهِمْ)[7].
وقوله تعالى: (أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)[8]أي: ثوابه. وهذا قول نفاة الرؤية.
ومن أثبت الرؤية لم يقدر محذوفا.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما)[9]أي: فلتحدث شهادة رجل وامرأتين أن تضل إحداهما.
[1]البقرة: 219.
[2]هو كتاب: الحجة في القراءات لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، المتوفي سنة 377 هـ.
[3]البقرة: 249.
[4]البقرة: 223.
[5]مريم: 5.
[6]البقرة: 249.
[7]البقرة: 46.
[8]البقرة: 223.
[9]البقرة: 282.


صفحه 51

وقال أبو علي: لا يتعلق «أَنْ» بقوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ... أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) «1» لم يسغ، ولكن يتعلق «أن» بفعل مضمر دل عليه هذا الكلام، وذلك أن قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «2» يدل على قولك: واستشهدوا رجلا وامرأتين، فتعلق «أَنْ» إنما هو بهذا الفعل المدلول/ عليه من حيث [ما] ذكرناه.
قال أبو الحسن[3]في قوله: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «4» التقدير: فليكن رجل وامرأتان. وهذا قول حسن، وذلك أنه لما كان قوله (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) «5» لا بد أن يتعلق بفعل، وليس في قوله: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) «6» فعل ظاهر، جعل المضمر فعلا يرتفع به النكرة ويتعلق به المصدر، وكان هذا أولى من تقدير إضمار المبتدأ الذي هو: ممن شهد به رجل وامرأتان، لأن المصدر الذي هو: أن تضل إحداهما، لا يجوز أن يتعلق به، لفصل الخبر بين الفعل والمصدر.
فإن قلت: من أي الضّربين تكون «كان» المضمرة فى قوله (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «7» هل يحتمل أن تكون الناصبة للخبر، أو تكون التامة؟
فالقول في ذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يقدر إضماره، فإذا أضمرت الذي يقتضي الخبر كان تقديره إضمار المخبر: فليكن ممن يشهدون رجل وامرأتان.
(1- 2) البقرة: 282.
[3]أبو الحسن، هو علي بن سليمان بن الفضل النحوي الأخفش الأصغر. توفي 315 هـ (بغية الوعاة ص 238) .
(4، 5، 6، 7) البقرة: 282. [.....]