(وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)[1](وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)[2]و (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ)[3]ومثله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ)[4]تقديره:
إن المتقين في ظلال وشرب عيون، أي: شرب ماء عيون، وأكل فواكه.
يدل على ذلك قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً)[5]. وقوله: (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً[5]عَيْناً)[6]أي: يشربون من كأس ماء عين، فحذف «الماء» كما حذف في الأولى، فحذف الماء للعلم بأن الماء من العين، ماؤها لا نفسها.
ومثله: (لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ)[7]أي: على دعواهم بأنها آلهتهم، كقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ)[8]أي: دعوى ذنب.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (وَازْدَادُوا تِسْعاً)[9]أي: لبث تسع. ف «تِسْعاً» منصوب لأنه مفعول به، والمضاف معه مقدر.
ومثله: (جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ)[10]أي: لجزاء يوم لا ريب فيه.
ومثله: (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)[11]فحذف.
[1]يوسف: 20.
[2]الأنبياء: 51.
[3]الأعراف: 20- قال أبو حيان في البحر (5: 291) : «خرج تعلق الجار إما «بأعني» مضمرة، أو بمحذوف يدل عليه «من الزاهدين» . أي: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين أو بالزاهدين، لأنه يتسامح في الجار والظرف، فيجوز فيهما ما لا يجوز في غيرهما» .
[4]المرسلات: 41، 42.
[5]المرسلات: 42، 43.
[6]الإنسان: 5، 6.
[7]الكهف: 15.
[8]الشعراء: 14.
[9]الكهف: 25.
[10]آل عمران: 9.
[11]آل عمران: 28.
ومثله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)[1]أي: عذاب نفسه.
ومثله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)[2]أي: تحبون دين الله فاتبعوا ديني يحبب الله فعلكم.
قال أبو علي[3]: / في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)[4]أي: من ترك ذكر الله. ألا ترى أن القلوب إنما تقسو من ترك الذكر لا من الذكر كما قال الله تعالى: (تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ)[5]و (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)[6].
وقد يمكن أن تكون الآية على ظاهرها، فتكون القسوة تحدث عن ذكر الله، وذلك ممن يستكبر ولا ينقاد ولا يخضع ولا يعترف. وقريب من هذا قوله تعالى: (وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)[7]وهؤلاء الذين تشمئز قلوبهم عن ذكر الله يجوز أن تقسو من ذكره، فيكون المعنى بالآية هؤلاء.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً)[8]أي: قتلاً ذا خطأ، فحذف الموصوف والمضاف جميعا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ)[9]أي: جزاؤه واقع، أي: جزاء الكسب، فحذف المضاف فاتصل ضمير المنفصل.
[1]آل عمران: 28، 30. [.....]
[2]آل عمران: 31.
[3]انظر الحاشية (رقم 1 ص 22) .
[4]الزمر: 22.
[5]الزمر: 23.
[6]الرعد: 28.
[7]الزمر: 45.
[8]النساء: 92.
[9]الشورى: 22.
ومثله: (إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)[1]أي: ملاق جزاءه.
ومثله: (وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)[2]أي: إلى جزائه وثوابه وجنته.
ومثله: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ)[3]أي: بقراءة صلاتك، ألا ترى أن الصلاة لا يخافت بها وإنما يخافت بالقراءة.
ومثله: (قَرَّبا قُرْباناً)[4]أي: قرب كل واحد منهما. فحذف المضاف.
كقوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)[5]أي: فاجلدوا كل واحد منهم.
وقال الله تعالى: (إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)[6]أي: إلى إهلاك قوم مجرمين.
وقال: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)[7]أي: جزاء مكرهم.
ومثله: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)[8]أي: على كفرهم. [ومثله][9]: (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)[10]أي: بتوليته.
وقال: (ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا)[11]أي: بمعاناة ملكنا وإصلاحه.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا)[12]أي: كراهة أن تقولوا. وقال الفراء: لئلا تقولوا.
[1]الانشقاق: 6.
[2]الأنعام: 36.
[3]الإسراء: 110.
[4]المائدة: 27.
[5]النور: 4.
[6]الحجر: 58. [.....]
[7]إبراهيم: 46.
[8]النحل: 127.
[9]تكملة يقتضيها السياق.
[10]النحل: 100.
[11]طه: 87.
[12]الأنعام: 155 و 156.
وكذلك: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ)[1]تقديره: أو: كراهة أن تقولوا.
ومثله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) «2» إلى قوله- (أَنْ تَقُولُوا) «3» / أي: أشهدهم على أنفسهم كراهة أن يقولوا، فيمن قرأ بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فالتقدير: وقال لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) «4» فقال الله تعالى: شهدنا كراهة أن تقولوا.
وقيل: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) «5» فقال الله للملائكة: اشهدوا. وقالت الملائكة: شهدنا كراهة أن تقولوا.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)[6]تقديره: ساء المثل مثلاً مثل القوم الذين كذبوا، فحذف «المثل» المخصوص بالذم فارتفع «القوم» لقيامه مقامه.
ومثله: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ)[7]أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا، فحذف المضاف، فيكون «الذين» على هذا فى موضع الرفع لقيامه مقام المضاف إليه.
ويجوز أن يكون «الذين» في موضع الجر وصفاً للقوم، والمخصوص بالذم مضمر، والتقدير: بئس مثل القوم المكذبين بآيات الله مثلهم.
فأما قوله تعالى: (نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا)[8]أي: أجر الذين صبروا، فحذف المضاف. فيجوز أن يكون التقدير: فنعم أجر العاملين
[1]الأنعام: 157.
(2، 3، 4، 5) الأعراف: 172.
[6]الأعراف: 177.
[7]الجمعة: 5.
[8]العنكبوت: 58، 59.
أجر الذين صبروا، فحذف المضاف. ويكون «الذين» فى موضع الرفع لقيامه مقام الآخر. ويجوز أن يكون «الذين» في موضع الجر والتقدير:
فنعم أجر العاملين الصابرين أجرهم، فحذف المخصوص بالمدح.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها)[1]أي: سالت مياه أودية.
وكذلك قوله تعالى (بِقَدَرِها) يعني بقدر مياهها. ألا ترى أن المعنى ليس على أنها سالت بقدر أنفسها لأن أنفسها على حال واحدة، وإنما تكون كثرة المياه وقلتها، وشدة جريها ولينه على قدر قلة المياه المنزلة وكثرتها.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)[2]بالتاء ونصب الباء[3]. والمعنى: هل تستطيع سؤال ربك؟ فحذف المضاف. وذكروا الاستطاعة في سؤالهم لأنهم شكوا في استطاعته، ولكنهم ذكروه على وجه الاجتماع عليه منهم، كأنهم قالوا:
إنك تستطيع فما يمنعك؟ مثل ذلك قولك لصاحبك: أتستطيع أن تذهب عني/ فإني مشغول؟ أي: اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك.
وأما «أن» في قوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ) فهو من صلة المصدر المحذوف، ولا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك. ألا ترى أنه لا يصلح:
هل تستطيع أن يفعل غيرك؟ وإن الاستفهام لا يقع عنه، كما لا يصح في الإخبار: أنت تستطيع أن يفعل زيد. «وأن» في قوله (أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا)[4]متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول به.
[1]الرعد: 17.
[2]المائدة: 112.
[3]بالتاء أي بالتاء الأولى في «تستطيع» . ونصب الباء، أي باء «ربك» . وهذه قراءة علي ومعاذ وابن عباس وعائشة وابن جبير. (البحر المحيط 4: 54) . [.....]
[4]المائدة: 112.
فإن قلت: هل يصح هذا على قول سيبويه، وقد قال: إن بعض الاسم لا يضمر فى قوله: إلّا الفرقدان[1]. فإن ذلك لا يصح[2]، لأنه كما ذهب إليه في قوله:
ونار توقد بالليل نارا[3]
ومثل حذف المضاف قوله تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ)[4]أي ذو عمل، فحذف المضاف.
ومثله قوله تعالى: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)[5]أي:
على كل قلب كل متكبر، وذلك فيمن قرأ مضافاً، أعني «قلباً» ، إذ لا يصح أن يقال:
يطبع على جملة كل قلب من المتكبر. إنما المعنى: أنه يطبع على القلوب إذا كانت قلباً قلباً. وقد ظهر هذا المضاف في قراءة ابن مسعود: (على قلب كل متكبر) .
ومثله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ)[6]أي: بإذهابه وإغراقه
[1]جزء من بيت لعمرو بن معدي يكرب، ويروى لسوّار بن المضرب:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
[2]قال سيبويه: «وإذا قال: ما أتاني أحد إلا زيد. لا يجوز رفع «زيد» على إلا أن يكون، لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن «أن يكون» اسما. (سيبويه ج 1 ص 371) .
[3]عجز بيت لأبي داود، صدره:
أكل امرئ تحسبين امرأ والتقدير: وكل نار، فحذف. (سيبويه 1: 33) . وانظر الحاشية (رقم 1 من صفحة 49) من هذا الجزء.
[4]هود: 46.
[5]غافر: 35.
[6]الإسراء: 86.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ)[1]تقديره: وما علمناه صناعة الشعر، لأنهم نسبوه عليه السلام إلى ذلك في قوله تعالى:
(افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ)[2].
وقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)[3]فنفى ذلك.
وليس المراد بهذا الكلام أنه لا يقيم بيتا لأن ذلك تكرر عليه مع صحة العقل والسمع بعد ألا يحفظه. ألا ترى أن الصغار منا ومن يقرب من الأطفال قد يحفظون ذلك ويؤدونه. والبيت الواحد يكون شعراً إلا أن قائله لا يكون شاعراً، كما أن من بنى مفحصاً[4]ودرجة ومعلفاً ونحو ذلك مما يقل [يقال له] بناء. إلا أن فاعله لا يقال له بناء كما أن من أصلح قميصاً لا يكون خياطاً، وإن كان ذلك الإصلاح خياطة.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ)[5]أي: ثدي المراضع.
قال أبو علي: في الآية يجوز أن يكون جمع المصدر، كأنه جمع مرضعاً مراضع. ويجوز أن يكون المراضع جمع/ مرضع، على أنه صفة للمرأة، مثل مطفل ومطافل. فيكون التقدير: «ثدي المراضع» . وعلى الوجه الأول: وحرمنا عليه الإرضاعات.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)[6]أي: أهل القرية. كما قال:
(فَلْيَدْعُ نادِيَهُ)[7]أي: أهل ناديه.
[1]يس: 69.
[2]الأنبياء: 5.
[3]الطور: 30.
[4]المفحص: حيث تفرخ القطاة.
[5]القصص: 12.
[6]يوسف: 82.
[7]العلق: 17. [.....]
ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً)[1]والتقدير: على موطئ عقبيه فنكص عليهما، فلم يسلك الصراط السوى فحاد وزاغ عنه وزال، فإنما ذلك عليه، لن يضر الله بذلك شيئاً.
ومثله: (انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)[2]أي: على مواطئ أعقابكم. ومن ذلك قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ)[3]أي: من شر ذي الوسواس، فحذف المضاف.
قال أبو علي في الآية: فاعل «يوسوس» من قوله (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) : الجنة.
وذلك أن أبا الحسن يقول: إن قوله (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) متعلق «بالوسواس» ، كأنه: من شر الوسواس، من الجنة والناس. وإذا كان كذلك ففاعل «يوسوس» هو «اِلْجنَّة» ولا يمتنع ذلك، وإن كان لفظ «الجنة» مؤنثا لأن معنى الجن والجنة واحد. والعائد على هذا إلى الموصول، الهاء المحذوفة، أي: الذي يوسوسه، فحذف.
فإن قلت: إن فى هذا إضمارا قبل الذكر، كما أن: ضرب غلامه زيد، كذلك. وإن شئت كان مثل ما حكاه من قوله: إذا كان غدا فائتني. والحال قد دلت عليه.
وإن شئت قدرت في «الوسواس» فيكون العائد إلى الموصول ذكر الفاعل في «يوسوس» : ولا تضمر الهاء كما أضمرت فى الوجه الآخر.
[1]آل عمران: 144.
[2]آل عمران: 144.
[3]الناس: 4.