ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً)[1]والتقدير: على موطئ عقبيه فنكص عليهما، فلم يسلك الصراط السوى فحاد وزاغ عنه وزال، فإنما ذلك عليه، لن يضر الله بذلك شيئاً.
ومثله: (انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)[2]أي: على مواطئ أعقابكم. ومن ذلك قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ)[3]أي: من شر ذي الوسواس، فحذف المضاف.
قال أبو علي في الآية: فاعل «يوسوس» من قوله (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) : الجنة.
وذلك أن أبا الحسن يقول: إن قوله (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) متعلق «بالوسواس» ، كأنه: من شر الوسواس، من الجنة والناس. وإذا كان كذلك ففاعل «يوسوس» هو «اِلْجنَّة» ولا يمتنع ذلك، وإن كان لفظ «الجنة» مؤنثا لأن معنى الجن والجنة واحد. والعائد على هذا إلى الموصول، الهاء المحذوفة، أي: الذي يوسوسه، فحذف.
فإن قلت: إن فى هذا إضمارا قبل الذكر، كما أن: ضرب غلامه زيد، كذلك. وإن شئت كان مثل ما حكاه من قوله: إذا كان غدا فائتني. والحال قد دلت عليه.
وإن شئت قدرت في «الوسواس» فيكون العائد إلى الموصول ذكر الفاعل في «يوسوس» : ولا تضمر الهاء كما أضمرت فى الوجه الآخر.
[1]آل عمران: 144.
[2]آل عمران: 144.
[3]الناس: 4.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) في «البقرة»[1]أي: جزاء ما كسبت وفي «آل عمران»[2]في موضعين وفي سورة «النحل» (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ)[3]أي: جزاء ما عملت.
وفي «حم عسق»[4]و «الجاثية»[5]، وفي جميع التنزيل.
ومنه قوله تعالى: (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)[6]أي ذوو درجات، عند الجمهور. وقدره البخاري: لهم درجات، على نزع الخافض.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ)[7].
قال أبو علي: هذا يكون على ضربين: أحدهما: تقلب وجهك نحو السماء وهذا يفعله المهتم المتفكر، فالسماء هذه التي تظل الأرض، ويكون السماء ما ارتفع وكان خلاف السفل، أي: تقلب وجهك في الهواء.
ولا يكون «في السماء» متعلقاً ب «نرى» لأنه سبحانه وتعالى يرى في السماء وغيرها، فلا وجه لتخصيص السماء.
هذه لفظة ذكرها سيبويه في الأبنية مع كينونته في باب: سيد، وميت، مما مقحمة يقلب فيه الواو[8].
ومن ذلك قوله تعالى: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)[9]المعنى:
من قبل مجيئها، أي: (أُوتِينَا الْعِلْمَ) بالعرش أنه عرشها، (وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) هذا من قول سليمان، ولذلك قد عطف على هذا من قوله: (قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)
[1]البقرة: 281.
[2]آيتا آل عمران تختلفان. فالآية 161 تتفق وآية البقرة. ولكن الآية 25: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ.
[3]النحل: 111.
[4]كذا في الأصل. وليست من بين آيات هذه السورة «اي سورة الشورى» آية مما يشير إليه المؤلف وثمة آيتان ترجعان إلى ما يشير إليه المؤلف وهما فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الآية: 30 بِما كَسَبُوا الآية 34 والآية التي توائم المساق هي آية الزمر وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ الآية: 70.
[5]نص الآية في الجاثية وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رقم 22.
[6]آل عمران: 163.
[7]البقرة: 144.
[8]كذا وردت هذه العبارة مقحمة في السياق.
[9]النمل: 42.
وأوتينا العلم من قبلها، أي: كنا مؤمنين بأن الله يقدر من نقل العرش على ثقله، في المدة التي ذكرها أنه ينقله فيها، لأن ذلك بإقدار الله إياه على هذا، من هذا الذي هو معجز له.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ)[1][أي] :[2]إذا حضر أحدكم أسباب الموت حين الوصية شهادة اثنين.
ومن ذلك قوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)
[3]أي.
من أحدكم. لأنه لم يأت الجن رسل. قاله ابن جريج.
وقال الضحاك: بل أتتهم الرسل كما أتت الإنس.
وقال غيرهما: الرسل التي أتتهم هم النفر المذكورون في قوله تعالى: (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)[4].
ومن ذلك قوله تعالى: (نَسِيا حُوتَهُما)[5]أي: نسى أحدهما، وهو يوشع، لأن الزاد كان في يده.
وقال الله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ)[6]أي: فى إحداهما.
[1]المائدة: 106.
[2]تكملة يقتضيها السياق. [.....]
[3]الأنعام: 130.
[4]الأحقاف: 29.
[5]الكهف: 61.
[6]الشورى: 29.
وقال: (عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[1]أي: من إحدى القريتين، وقد تقدم.
وقال: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ)[2]أي: من أحدهما، وهو الملح دون العذب.
ومثله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً)[3]أي: في إحداهن.
وقال الله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ)[4]أي على أحدهما، وهو الزوج لأنه آخذ ما أعطى.
قال: ويراد الزوج دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا، كما قال الله تعالى: / (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)[5]وموضع طرح تعجل الإثم للمتعجل، فجعل للمتأخر الذي لم يقصر مثل ما جعل على المقصر.
قال: وقد تحتمل هذه وجها آخر، وهو أن يريد: لا يقولن واحد منهما لصاحبه: أنت مقصر فيكون المعنى: لا يؤثمن أحدهما صاحبه.
ومثله: (مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ)[6]أي: من عذاب فرعون.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (لا يَرْجُونَ لِقاءَنا)[7]أي: لقاء رحمتنا.
[1]الزخرف: 31.
[2]الرحمن: 22.
[3]نوح: 16.
[4]البقرة: 229.
[5]البقرة: 203.
[6]الدخان: 30، 31.
[7]الفرقان: 21.
ومثله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ)[1]أي: من ثوابها، لإنكارهم وكفرهم بها، في نحو قوله تعالى: (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ)[2](وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا)[3].
فأما قوله تعالى: (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ)[4]أي: من بعث أصحاب القبور، يدل على ذلك قوله: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا)[5].
أو يكون: من مجازاة أهل القبور، أي: لا يثابون ولا يعاقبون، ويكون (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ) الموتى من الآخرة، فأضمر «من الآخرة» لجرى ذكره. ويكون قوله (مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) متعلقاً ب (الْكُفَّارُ) دون (يَئِسَ) محذوف، لجرى ذكره.
ومن ذلك قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) «6» أي: حج الكعبة، ليكون في المعنى (قِياماً لِلنَّاسِ) «7» .
ومنه قوله تعالى: (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) «8» أي: على ذوى خيانة منهم (إِلَّا قَلِيلًا) «9» . والاستثناء من المضاف المحذوف.
ومن حذف المضاف قوله: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ)[10]أي: إلا نجوى من أمر.
قال أبو علي: قد تكون موضع «من» نصباً إذا استثنيته من المنتجين، كما جاء (وَإِذْ هُمْ نَجْوى)[11]أي. هم منتجون. وقد يكون جزاء، أي: لا خير
[1]الممتحنة: 13.
[2]سبأ: 3.
[3]الجاثية: 24. [.....]
[4]الممتحنة: 13.
[5]التغابن: 7.
(6- 7) المائدة: 97.
(8- 9) المائدة: 13.
[10]النساء: 114.
[11]الإسراء: 47.
في كثير من نجواهم إلا في انتجاء من أمر بصدقة. ويكون هذا على قياس قوله:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى)[1]. فهذا لا يكون من المنتجين، ولكن على الانتجاء. وإنما قال أبو علي: قد يكون نصباً على أصل الباب كقراءة ابن عامر[2]: (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ)[3]وقوله تعالى: (إِلَّا امْرَأَتَكَ)[4]إذا استثنيته من «أحد» ونصبته.
وأما قوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ)[5]فالأظهر فيه أن تكون (ثلاثة) / وصفا لنجوى. والنّجوى هاهنا مثله في قوله تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوى)[6]ولا يكون جراً بإضافة النجوى إليه، كقوله تعالى: (لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ)[7].
ومنه قوله تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ)[8]أي: لمسنا غيب السماء ورمناه.
ومنه قوله تعالى: (لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى)[9]أي: إلى قول الملأ الأعلى، وإلى كلام الملأ الأعلى. كقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها)[10]أي: ذوات أسماء.
[1]المجادلة: 8.
[2]هو عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي المقرئ. ولد سنة 21 من الهجرة. وكانت وفاته سنة 120 هـ (التهذيب 5: 274) .
[3]النساء: 66.
[4]هود: 81 والآية: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ.
[5]المجادلة: 7.
[6]الإسراء: 47.
[7]الزخرف: 80.
[8]الجن: 8. [.....]
[9]الصافات: 8.
[10]النجم: 23، سبأ: 3.
ومن ذلك قوله تعالى: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)[1]، أي: عذاب الجحيم، لأن الوعيد برؤية العذاب لا برؤيتها، لأن المؤمنين أيضاً يرونها، قال الله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها)[2].
ومن ذلك قوله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)[3]أي: على مصالح النساء.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)[4]أي: فلا جزاء ظلم إلا على ظالم.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها)[5]أي: عن اعتقادها، ومثله:
(لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا)[6]أي: لن نؤثر اتباعك.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً)[7]أي: دين الله، أو جند الله، أو نبي الله.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ)[8]التقدير: ولا تحسبن بخل الذين كفروا خيرا لهم، فيمن قرأ بالتاء، فيكون المضاف محذوفاً مفعولاً، وهو تكرار لطول الكلام.
و «خيرا» المفعول الثاني.
[1]التكاثر: 6.
[2]مريم: 71.
[3]النساء: 34.
[4]البقرة: 193.
[5]طه: 16.
[6]طه: 72.
[7]آل عمران: 176، 177.
[8]آل عمران: 180.
ومن قرأ بالياء، فقد كفانا سيبويه حيث قال: ومن ذلك قوله عز وجل:
(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) البخل (هُوَ خَيْراً لَهُمْ) ولم يذكر «البخل» اجتزاء لعلم المخاطب بأنه البخل، لذكره (يَبْخَلُونَ) .
ومن ذلك قول العرب: من كذب كان شراً له. يريدون: كان الكذب شراً له. إلا أنه استغنى بأن المخاطب علم أنه الكذب، لقوله: كذب، في أول حديثه، فصارت «هو» هاهنا وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنها لا تغير ما بعدها عن حاله، قبل أن تذكر.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)[1]المعنى: لقبل عدتهن.
لأن العدة الحيض، والمرأة لا تطلق في حيضها.
ألا ترى أن ابن عمر[2]لما طلق في الحيض، أمره بأن يراجعها ثم يطلقها. فإذا كانت العدة الحيض/، وكان النهى قد حصل وثبت عن الطلاق في الحيض، لم يجز أن يكون المراد إيقاع الطلاق في العدة، وإذا لم يجز ذلك ثبت أنه لقبل عدتهن، إذ ذلك هو الظرف، وهو المأمور بإيقاع الطلاق [فيه][3]ومن ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ)[4]المعنى:
خذ من مال كل واحد منهم. كقوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)[5]المعنى: فاجلدوا كل واحد.
ألا ترى أنه لا تفرق الثمانون على الجماعة، إنما يضرب كلّ واحد ثمانين.
[1]الطلاق: 1.
[2]في الأصل: «أن أبو عمر» تحريف. والتصويب من الجامع لأحكام القرآن (18: 151) . وكان عبد الله بن عمر قد طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضها قبل أن يمسها» .
[3]تكملة يقتضيها السياق.
[4]التوبة: 103. [.....]
[5]النور: 4.