الباب التاسع والعشرون
هذا باب ما جاء في التنزيل صار الفصل فيه عوضاً عن نقصان لحق الكلمة وذلك إنما يجئ في أكثر الأحوال في باب المؤنث، فيقولون: قامت هند، فإذا فصلوا بينهما قالوا: قام اليوم هند.
فمن ذلك قراءة أكثرهم: (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ)[1]، قالوا: إن التذكير أحسن لمكان الفصل، وقد قرئ أيضاً بالتاء، ولم يعتد بالفصل.
كما قال: (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)[2].
وقال: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)[3].
وقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)[4].
وقال: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ)[5]فيمن قرأ بالتاء.
[1]البقرة: 48.
[2]إبراهيم: 50.
[3]هود: 94.
[4]الأعراف: 78 و 91.
[5]الكهف: 43.
وقال: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ)[1]فيمن قرا بالتاء وهم الأئمة السبعة، إلا حماداً رواه عن عاصم بالياء.
وقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)[2].
وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها)[3].
وقال: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى)[4].
وقال: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ)[5]فيمن قرأ بالتاء.
هذه الآي ونحوها لم يعتد فيها بالفصل، كما اعتد به في قوله: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)[6]في «هود» .
وقوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ)[7]في آي كثيرة اعتد/ فيها بالفصل.
ومما اعتد فيه بالفصل قوله تعالى: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)[8]، لم تدخل النون هنا لأنها إنما تدخل فتفصل هذه من لام الابتداء.
قال أبو علي في قوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)[9]، وهو يبطل
[1]يونس: 78.
[2]الأعراف: 78 و 91.
[3]الحج: 46.
[4]طه: 133.
[5]الأحزاب: 52.
[6]هود: 67.
[7]الممتحنة: 12. [.....]
[8]آل عمران: 158.
[9]ص: 1.
قول الفراء: إن قوله (كَمْ أَهْلَكْنا)[1]جواب القسم، وإن التقدير:
لكم أهلكنا قال: هذا لا يجوز لأن اللام على هذا داخلة على الفضلة.
ثم قال: فإن قال قائل: ما ننكر أن تكون اللام التي دخلت على الأفعال مرادة في «كم» محذوفة لطول الكلام وإن دخولها في «كم» العامل فيه «أهلكنا» بمنزلة دخولها على «إلى» المتعلقة بالفعل المنتصبة الموضع به في قوله: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «2» .
وكما جاز دخولها على الجار المنتصب الموضع كذلك يجوز دخولها على «كم» المنتصبة الموضع.
ثم قال: الجواب عندي أن التقدير بهذه اللام في قوله: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «3» .
ألا ترى أن القسم إنما وقع على «أنهم يحشرون» لا على الجار والمجرور، والمقسم عليه بالفعل، وهو المؤكد باللام، والملقى المقسم به.
وإنما دخلت اللام على الحرف الجار لتقدمه عليه، ولم تدخل إحدى النونين على الفعل، لوقوعه على الحرف، وجاز دخولها على الحرف في كلا الموضعين إذ المراد به التأخير، كما جاز دخول لام الابتداء في مثل:
إن زيداً لطعامك آكل إذ المراد به التأخير إلى الخبر.
[1]ص: 3.
(3- 2) آل عمران: 158.
فإذا كان التقدير ما ذكرنا لم يجز أن يكون (كَمْ أَهْلَكْنا)[1]بمنزلة (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)[2]في جواز دخول اللام عليها كدخولها في «كم» ، إذا كان دخولها في قوله (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)[3]بمنزلة دخولها على الفعل، وعلى حسب ما تكون عليه هذه اللام في سائر مواضعها ومتصرفاتها، فليس يسوغ تقدير دخولها على الفعل في «كم» والفصل الذي وقع بين اللام وبين (تُحْشَرُونَ) صار عوضاً عن دخول النون.
ومما يجري مجرى الفصل: المفعول الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه في نحو قوله: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ)[4]، وقوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ)[5].
صار المفعول هنا عوضاً عن إبراز الضمير في نحو قوله: / (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ)[6]، وهكذا قال: (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا)[7].
[1]ص: 3.
[2]آل عمران: 158.
[3]آل عمران: 158.
[4]هود: 112.
[5]يونس: 71.
[6]المائدة: 24.
[7]الأنعام: 148.
الباب المتم الثلاثين
هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حمل فيه اللفظ على المعنى وحكم عليه بما يحكم على معناه لا على اللفظ وقد ذكر ذلك سيبويه في غير موضع، وأنشد فيها أبياتاً، ربما نسوقها لك بعد البداية بالآي.
فمن ذلك قوله تعالى:
(إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)[1].
من وقف على قوله «فاقع» وجعل «فاقعا» تابعا ل «صفراء» ابتدأ «لونها» ورفعها بالابتداء، وجعل قوله «تسر الناظرين» خبراً عنها.
وإنما قال «تسر» ولم يقل: يسر حملاً على المعنى لأن قوله «لونها» :
صفرتها فكأنه قال: صفرتها تسر الناظرين.
ومثله قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) «2» .
فعدّى «رفثا» ب «إلى» حملاً على الإفضاء، وكما قال: (أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ)[3]كذا قال: (الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) «4» .
[1]البقرة: 69.
(4- 2) البقرة: 187.
[3]النساء: 21. [.....]
ومثل ذلك قول أبي علي في قوله تعالى: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ)[1].
ثم قال: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ)[2]فقال: هذا محمول على المعنى لأنه لما قال:
(وَلا تُؤْمِنُوا)[3]كأنه قال: أجحدوا أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم؟
ومثله: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)[4]فعدّاه ب «من» .
كأنه قال: ونجيناه من القوم الذين كذبوا.
وقال: (فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا)[5]، كأنه قال: من يعصمنا من بأس الله إن جاءنا؟
وقال: (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)[6]، فحمله على الإحسان، كأنه قال:
وتحسنوا إليهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) «7» إلى قوله (وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ) «8» . «في الرقاب» لم يعطف على «الفقراء» لأن المكاتب لا يملك شيئا، وإنما ذكر لتعريف الموضع، و «الغارمين» عطف على «الفقراء» إذ لا يملكون، «وفي سبيل الله» مثل قوله «وفي الرقاب» لأن ما يخرج في سبيل الله يكون فيه
[1]آل عمران: 73.
[2]آل عمران: 73.
[3]آل عمران: 73.
[4]الأنبياء: 77.
[5]غافر: 29.
[6]الممتحنة: 8.
(8- 7) التوبة: 60.
ما لا يملك المخرج فيه، مثل بناء القناطر، وعقد الجسور، وسد الثغور، وقوله: «وابن السبيل» عطف على اللام في «الغارمين» أو في «ابن السبيل» لم يكن سهلاً. والمكاتب عبد لقوله:
(هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)[1].
ومن هذا الباب/ قوله تعالى: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ)[2]فيمن رفع قوله «غيره» .
وكذلك (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)[3]فيمن رفع.
وكذلك قوله: (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ)[4]فيمن رفع. كان ذلك كله محمولاً على المعنى إذ المعنى: ما لكم إله غيره، وهل خالق غير الله، وما يعزب عن ربك مثقال ذرة.
ومثله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ)[5]. ثم قال:
(وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى)[6]، لأن معنى قوله: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، وأخذ الله ميثاقا من بني إسرائيل، واحد فجاء قوله «ومن الذين قالوا» على المعنى، لا على اللفظ.
[1]الروم: 28.
[2]الأعراف: 59.
[3]فاطر: 3.
[4]يونس: 61.
[5]المائدة: 12.
[6]المائدة: 14.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي)[1]، أي: هذا الشخص أو: هذا المرئي.
وكذلك قوله تعالى: (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)[2]، لأن الوعظ والموعظة، واحد.
وقالوا في قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)[3]: إنه أراد ب «الرحمة» هنا: المطر، ويجوز أن يكون التذكير هنا إنما هو لأجل «فعيل» ، على قوله:
بأعين أعداء وهن صديق[4]
وقوله:
... لا عفراء منك قريب[5]
وأما قوله تعالى: (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)
[6]، فإنه حمله على «النفس» لأن «الإنسان» و «النفس» واحد، وقيل: بل التاء للمبالغة، وقيل: بل التقدير: عين بصيرة فحذف الموصوف.
وقال مجاهد: بل الإنسان على نفسه شاهد: عينه ويداه ورجلاه، فيكون «الإنسان» مبتدأ، والظرف فيما ارتفع به خبر، والهاء العائد من الجملة إلى المبتدأ، وهو المجرور بالإضافة، كما تقول: زيد في داره عمرو.
وعكس الأول قول الحطيئة:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزّمان على عيالى
[1]الأنعام: 78. [.....]
[2]البقرة: 275.
[3]الأعراف: 56.
[4]عجز بيت لجرير، صدره:
نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا
(اللسان: صدق) .
[5]جزء من بيت، والبيت بتمامه:
ليالي لا عفراء منك بعيدة ... فتسلى ولا عفراء منك قريب
(اللسان: قرب) .
[6]القيامة: 14.