الباب الثاني والثلاثون
هذا ما جاء في التنزيل من حذف حرف النداء والمنادى وذلك حسن جائز فصيح ورد به الكلام، وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله: (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا)[1].
ومنه قوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا)[2]أي: يا يوسف.
أما قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)[3]فقد قيل: التقدير: ثم أنتم يا هؤلاء، ف «أنتم» مبتدأ، و «تقتلون» الخبر، و «هؤلاء» نداء اعترض بين المبتدأ والخبر، كما اعترض بين الشرط والجزاء في قوله: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي)[4]أي: يا رب. وكما اعترض بين المصدر ومعموله في قوله:
فندلاً زريق المال ندل الثعالب[5]/ وكقوله:
أوساً أو يس من الهباله[6]
[1]البقرة: 286.
[2]يوسف: 29.
[3]البقرة: 85.
[4]المؤمنون: 93.
[5]عجز بيت، صدره:
على حين ألهي الناس جل أمورهم
والبيت متصل ببيت قبله، هو:
يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويرجعن من دارين بجر الحقائب
يصف لصوصا، والندل: الاختلاس. وزريق: قبيلة ندل الثعالب. (اللسان: ندل- الكتاب 1:
59) .
[6]عجز بيت لأسماء بن خارجة، وصدره:
فلأحشانك مشقصا
وقبل هذا البيت:
في كل يوم من ذؤالة ... ضغث يزيد على إبالة
والأوس: الذئب وأويس: تصغيره. والهبالة: ناقته.
ونحن نقول: إنّ «أنتم» مبتدأ، و «هؤلاء» على وجهين:
أحدهما: ثم أنتم كهؤلاء.
وإن شئت: «هؤلاء» بمعنى الذين، أي: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، كما قال عز من قائل: (أُولاءِ عَلى أَثَرِي)[1].
وأما قوله تعالى: (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا) «2» .
إن شئت كان «ربنا» من صلة قوله: «واغفر لنا» ، أي: واغفر لنا ربنا، فتقف على «ربنا» وإن شئت ابتدأت، فقلت: (رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «3» . فإنما قلنا: لا يكون «هؤلاء» على: يا هؤلاء، لأن «هؤلاء» يجوز أن يكون وصفا ل «أي» ، فتقول: يا هؤلاء أقبل، كل ما يوصف به «أي» لا يحذف منه حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز: رجل أقبل، لأنك تقول: يا أيها الرجل أقبل، وتقول: زيد أقبل، لأنك لا تقول:
أيها الزيد أقبل.
وأما قوله: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ)[4]فيمن خفف، فقد قيل: إن الهمزة بمعنى «يا» ، والتقدير: يا من هو قانت، فأقيمت الهمزة مقام «يا» .
قال أبو علي: المعنى: أمن هو قانت كمن هو بخلاف هذا الوصف؟
ولا وجه للنداء هاهنا، لأن الموضع موضع معادلة، فليس النداء مما يقع في هذا الموضع، إنما يقع في نحو هذا الموضع الجمل التي تكون أخباراً، وليس النداء كذلك.
[1]طه: 84.
(3- 2) الممتحنة: 5.
[4]الزمر: 9.
ويدل على المحذوف هنا قوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)[1]، لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين، وفي الجملتين في الخبر، فالمعنى: أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله.
وكما جاز حذف حرف النداء فيما تقدم جاز حذف المنادى، كما قال:
(يا لَيْتَنا نُرَدُّ)[2]أي: يا قوم، ليتنا نرد. ومثله: (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ)[3]، و (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)[4]وما أشبه ذلك.
وأما قوله تعالى: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ) «5» فقد قال المبرد: إن التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى.
والذي اختاره أبو علي: أن الجملة هاهنا كأنها المنادى في الحقيقة، وأن «يا» هاهنا أخلصت للتنبيه مجرداً من النداء، كما أن «ها» من قوله:
(ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ)
[6]للتنبيه، من غير أن تكون للنداء.
وقال أبو علي: وجه دخول حرف التنبيه على «ألا» من انه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي أو نحو ذلك، مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز ألا يريد منادىً في نحو قوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا) «7» كما يريد المنادى:
[1]الزمر: 9.
[2]الأنعام: 27.
[3]الزخرف: 38. [.....]
[4]يس: 26.
(7- 5) النمل: 25.
[6]النساء: 109.
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار[1]
وكذلك ما حكي عن أبي عمرو من قوله: يا ويلاً له. ويؤكد ذلك قوله:
«هلم» . وبناؤهم «ها» للتنبيه مع «لم» وجعلها مع الفعل كشئ واحد، وإجماع الناس على فتح آخر الكلمتين في اللغتين. وكما لا يجوز أن يراد هاهنا مأمور، لبناء الكلمتين على الفتح، وإن فكت إحداهما من الأخرى، بل لا يسوغ إرادة المنادى لمكان بنائهما معاً وجعلهما بمنزلة شيء واحد، كذلك يجوز لك ألا تريد مأمورا في قوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا)
«2» . ويجوز أن يراد تقدير مأمورين، فحذفوا كما حذف من قوله:
يا لعنة الله والأقوام كلهم
وكما كان «يا هذا» لا يكون إلا لغير اللعنة، كذلك يجوز أن يكون المأمورون مرادين، وحذفوا من اللفظ.
قال أبو علي في قوله: (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ)
«3» يحتمل ضربين:
يجوز أن يكون «ها» للتنبيه دخلت على «أنتم» ، ويكون التنبيه داخلاً على الجملة كما دخل في قولهم «هلم» ، وكما دخلت «يا» للتنبيه في نحو (أَلَّا يَسْجُدُوا) «4» .
ويجوز أن يكون «الهاء» في «انتم» بدلاً من همزة الاستفهام، كما كان بدلاً منها في قول ابن كثير، حيث قرأ (هأنتم) «5» على وزن «هعنتم» ، وتكون الألف التي تدخل بين الهمزتين لتفصل بينهما كما تدخل بين النونين
[1]الشاهد فيه حذف المنادي لدلالة حرف النداء عليه والمعنى: يا قوم، لعنة الله على سمعان. (الكتاب 1: 321) .
(4- 2) النمل: 25.
(5- 3) النساء: 109.
لتفصل بينهما في «إحسانان» ، وجاز «ها انتم» ولم يجزها قوم لشبه المضمر بالميم في الإبهام. وأما قوله: (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ)[1]، فيمكن أن يكون من هذا الباب، على تقدير: يا إبراهيم، فحذف، ويمكن أن يكون رفعاً، أقيم مقام فاعل[2]«يقال» .
وأما قوله: (وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا/ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا)[3]، فقد قيل: التقدير: يا ذرية وقيل: قوله «ذرية» مفعول ثان ل «تتخذوا» ، و «وكيلا» الأول، فيمن قرأه بالتاء[4].
وأما قوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ)[5]، و (قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)[6]فالميم في آخر «اللهم» بدل من «يا» ، فيقال: يا الله، واللهم. وانتصاب قوله: «مالك الملك» على نداء آخر، أي: يا مالك الملك، و: يا فاطر السموات، كقوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ)[7]أي: يا فاطر السموات.
وأبو العباس يحمله على موضع المنادى، كقولهم: يا زيد أخا عمرو.
وسيبويه لا يرى ذلك، لأنه لما ضمت الميم إلى الكلمة صارت الأصوات التي لا توصف.
ومثله قراءة من قرأ: (طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)[8]بالنصب، أي:
يا حسن ماب، فحذف.
[1]الأنبياء: 60.
[2]يريد: نائب فاعل.
[3]الإسراء: 2 و 3.
[4]ويقرأ «يتخذوا» بالياء، على: لئلا يتخذوا.
[5]آل عمران: 26.
[6]الزمر: 46.
[7]يوسف: 101.
[8]الرعد: 29. [.....]
الباب الثالث والثلاثون
هذا ما جاء في التنزيل قد حذف منه المضاف إليه وذلك يجئ أكثرها من كلمات تلت: «قبل» و «بعد» و «كل» .
فأما «قبل» و «بعد» إذا كانا مضافين فإنهما معربان وإذا كانا مبنيين كان المضاف إليهما قد حذف منهما ونوى فيهما، فاستحقا البناء، لأنهما صارا غايتين، على ما عرفت في كتب النحو.
وذلك قوله تعالى: (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ،[1]أي: كانوا من قبل مجيئه، أي: مجئ الكتاب، يعني القرآن، أي:
يستفتحون على الذين كفروا، فحذف المضاف.
وكذلك قوله: (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ)[2]أي: من قبل مجيئهم.
وقال: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) «3» ، أي: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، وقرئ: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) «4» ولم يبنيا وجعلا اسمين من غير تقدير المضاف إليه.
ومن ذلك قوله: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ)
[5]، أي: ولكل أهل قبلة وجهة، فحذف المضاف.
[1]البقرة: 89.
[2]هود: 78.
(4- 3) الروم: 4.
[5]البقرة: 148.
وكذلك: (كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ)[1]، أي: كل من في السموات والأرض.
وكذا: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)[2]، أي: وكلهم.
وكذا: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)[3]أي: كل ذلك.
وكذا قوله: (إِنَّا كُلٌّ فِيها)[4]أي: كلنا، فحذف المضاف إليه.
فأما قوله «فيما» فلا يخلو قوله «فيها» أن يكون صفة أو حالاً، فإن حملته على الحال لم يستقم، لأنه ليس في هذا الكلام ما يكون هذا حالاً عنه، وإذا لم يستقم أن يكون حالاً كان صفة، وإذا كان صفة كان «كل» نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول لام المعرفة عليه.
فإن قلت: فأجعله حالاً وأحمله على المعنى، لأن معناه «الجميع» ، وكأنه قال: نجتمع مستقرين[5]، فهذا لا يستقيم.
فإن قال قائل: هذا التأويل ليس بالقريب، لأن المعنى كأنه ليس عليه لأنه ليس يريد: إنا كل، وإنا فيها، أي جمعنا الأمرين، ولكن المعنى على الصفة، ولا حجة في هذا أن «كل» نكرة، لأنه يجوز أن يجعل «كلا» مبتدأ ثانيا و «فيها» خبره، فيها التقدير: إنا كلنا فيها، إن الأمر كله لله.
فإن قلت: واجعل «فيها» و «كل» جميعا الخبر، لأن ذلك
[1]البقرة: 116.
[2]النمل: 87.
[3]الأنبياء: 33.
[4]غافر: 48.
[5]بين قوله «مستقرين» وقوله «فهذا» جاءت هذه العبارة: «فإن ذلك لا يستقيم على هذا، لأنه يلزم على هذا، أنا آباؤك واصلين وبارين: لأن معنى الأب مناسب، وقد أخذ الأب من الفعل، ألا ترى أن أحمد بن يحيى أنشد شعرا فيه:
فاطلب أبا نخلة من يأبوكا»
والشعر لشريك بن حيان العنبري يهجو أبا نخلة. ويأبوك، أي يكون لك أب.
كما قال سيبويه في قوله: وهذا بعلي شيخ، ومثل: حلو حامض. فإذا كان كذلك جاز أن يتعلق بالمضمر على حد: زيد في الدار، فإذا جاز ذلك لم يكن صفة، وإذا لم يكن صفة لم يكن هذا دليلاً قاطعاً على أن «كل» نكرة، وإذا لم يكن نكرة لم يجز دخول اللام عليه، فهذا يمكن أن يقال.
ويجوز أن يكون «كل» ابتداء، و «فيها» خبراً، والجملة خبر «إن» ، كقوله:
(إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)[1]، وكقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) «2» فيمن رفع «المؤمنون» بالابتداء دون العطف على «الرسول» في قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ) «3» .
وهذه آية يتجاذبها، على ما وصف لك سيبويه، وأبو العباس، لأن سيبويه يجيز إدخال لام التعريف على «كل» ، وبه قال الأخفش. وقال المبرد:
لا يجوز، واحتج المبرد بأن، «كلا» و «بعضا» لا يكونان أبداً منفردين، إنما يجيئان مضافين في الابتداء، نحو قولك: كل القوم جاءوني، وبعضهم قال كيت وكيت، ولا تقول «كل جاءوني» إلا أن يكون هذا مبنياً على كلام، كأنه قيل: ما جاءك القوم، فقلت: كل جاءوني، على تقدير: كلهم جاءوني.
وهذا الحكم فى «كل» و «بعض» قائم فيهما أبداً، مضافين أو في تقدير الإضافة، وإذا كان كذلك لم يجز إدخال الألف واللام عليهما، لأن الألف واللام والإضافة لا يجتمعان، فثبت أنهما لا يدخلان عليهما، ونحن تقيس البعض والكل على النصف.
وفي التنزيل: (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)[4]. وقد ذكرنا هذه المسألة فى «الخلاف» مستقصى.
[1]آل عمران: 154.
(3- 2) البقرة: 285.
[4]النساء: 11.