وكذلك: (كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ)[1]، أي: كل من في السموات والأرض.
وكذا: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)[2]، أي: وكلهم.
وكذا: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)[3]أي: كل ذلك.
وكذا قوله: (إِنَّا كُلٌّ فِيها)[4]أي: كلنا، فحذف المضاف إليه.
فأما قوله «فيما» فلا يخلو قوله «فيها» أن يكون صفة أو حالاً، فإن حملته على الحال لم يستقم، لأنه ليس في هذا الكلام ما يكون هذا حالاً عنه، وإذا لم يستقم أن يكون حالاً كان صفة، وإذا كان صفة كان «كل» نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول لام المعرفة عليه.
فإن قلت: فأجعله حالاً وأحمله على المعنى، لأن معناه «الجميع» ، وكأنه قال: نجتمع مستقرين[5]، فهذا لا يستقيم.
فإن قال قائل: هذا التأويل ليس بالقريب، لأن المعنى كأنه ليس عليه لأنه ليس يريد: إنا كل، وإنا فيها، أي جمعنا الأمرين، ولكن المعنى على الصفة، ولا حجة في هذا أن «كل» نكرة، لأنه يجوز أن يجعل «كلا» مبتدأ ثانيا و «فيها» خبره، فيها التقدير: إنا كلنا فيها، إن الأمر كله لله.
فإن قلت: واجعل «فيها» و «كل» جميعا الخبر، لأن ذلك
[1]البقرة: 116.
[2]النمل: 87.
[3]الأنبياء: 33.
[4]غافر: 48.
[5]بين قوله «مستقرين» وقوله «فهذا» جاءت هذه العبارة: «فإن ذلك لا يستقيم على هذا، لأنه يلزم على هذا، أنا آباؤك واصلين وبارين: لأن معنى الأب مناسب، وقد أخذ الأب من الفعل، ألا ترى أن أحمد بن يحيى أنشد شعرا فيه:
فاطلب أبا نخلة من يأبوكا»
والشعر لشريك بن حيان العنبري يهجو أبا نخلة. ويأبوك، أي يكون لك أب.
كما قال سيبويه في قوله: وهذا بعلي شيخ، ومثل: حلو حامض. فإذا كان كذلك جاز أن يتعلق بالمضمر على حد: زيد في الدار، فإذا جاز ذلك لم يكن صفة، وإذا لم يكن صفة لم يكن هذا دليلاً قاطعاً على أن «كل» نكرة، وإذا لم يكن نكرة لم يجز دخول اللام عليه، فهذا يمكن أن يقال.
ويجوز أن يكون «كل» ابتداء، و «فيها» خبراً، والجملة خبر «إن» ، كقوله:
(إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)[1]، وكقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) «2» فيمن رفع «المؤمنون» بالابتداء دون العطف على «الرسول» في قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ) «3» .
وهذه آية يتجاذبها، على ما وصف لك سيبويه، وأبو العباس، لأن سيبويه يجيز إدخال لام التعريف على «كل» ، وبه قال الأخفش. وقال المبرد:
لا يجوز، واحتج المبرد بأن، «كلا» و «بعضا» لا يكونان أبداً منفردين، إنما يجيئان مضافين في الابتداء، نحو قولك: كل القوم جاءوني، وبعضهم قال كيت وكيت، ولا تقول «كل جاءوني» إلا أن يكون هذا مبنياً على كلام، كأنه قيل: ما جاءك القوم، فقلت: كل جاءوني، على تقدير: كلهم جاءوني.
وهذا الحكم فى «كل» و «بعض» قائم فيهما أبداً، مضافين أو في تقدير الإضافة، وإذا كان كذلك لم يجز إدخال الألف واللام عليهما، لأن الألف واللام والإضافة لا يجتمعان، فثبت أنهما لا يدخلان عليهما، ونحن تقيس البعض والكل على النصف.
وفي التنزيل: (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)[4]. وقد ذكرنا هذه المسألة فى «الخلاف» مستقصى.
[1]آل عمران: 154.
(3- 2) البقرة: 285.
[4]النساء: 11.
وأما قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ) «1» ، فقيل: التقدير: ولكل مال جعلنا موالي. [أو: ولكل قوم جعلنا موالي][2]. والأول الوجه، لقوله: (مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) «3» ، وهو صفة «كل» ، أي: ولكل مال مستقر مما تركه الوالدان، أي: متروك الوالدين. والظرف وصف ل «كل» .
وزعم أبو إسحاق أن «أيّا» فى قوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ)[4]و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)[5]و (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ)[6]و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا)[7]:
أن «أياً» حذف منها المضاف إليه وعوضت «ها» عما أضيفت إليه.
قال أبو إسحاق: و «ها» لازمة ل «أي» عوض مما حذف منها من الإضافة وزيادة في التنبيه، و «أي» في غير النداء لا يكون معها «ها» ، ويحذف معها الذكر، نحو: اضرب أيهم أفضل، أي: أيهم هو أفضل.
ومذهب سيبويه خلاف ما قال، جعلوا «ها» فيها بمنزلة «يا» ، وأكّدوا ب «ها» التنبيه، فمن ثم لم يجز لهم أن يسكتوا على «أي» ، ولزمه التفسير.
وقوله (وَمِنْ حَيْثُ)[8]، أي: من حيث ألزموها، فصارا كاستئناف نداء.
وقال في موضع آخر: وأما الألف والهاء اللتان لحقتا «أي» توكيداً، فكأنك كررت «يا» مرتين، إذا قلت يا، وصار الاسم بينهما كما صار بين «ذا» و «ها» ، وإذا قلت: ها هو ذا، فقوله: «ذا» هذا إشارة إلى أن المقصود
(3- 1) النساء: 33.
[2]تكملة من الكشاف يقتضيها السياق. [.....]
[4]البقرة: 21 ... ثم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.
[5]البقرة: 104 ... ثم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.
[6]المائدة: 41 و 67.
[7]الجمعة: 6.
[8]البقرة: 149 و 150.
بالنداء في هذا الكلام هو: الرجل، كما أن المقصود بالإشارة في قولهم:
ها هو ذا: الاسم المبهم دون المضمر، والمضمر قد اعترض بين حرف الإشارة والمشار إليه، كما أن المقصود في النداء في المعنى من قولهم:
يا أيها الرجل: هو الرجل، وإن كان النداء واقعاً في اللفظ على/ «أي» ، وصار هذا دلالة على هذا المعنى، ولا يلزم أن يعوض «أي» منها، فحذف الإضافة فيها، لأنها تدل على الإضافة، وإن حذف منها لأنها لا تكون إلا بعضاً لكل، فهي دالة على الإضافة، وكما لم يعوض كذلك، ولا يلزم تعويض «أي» بل لو عوض «بعض» و «كل» لكان «أي» جديراً ألا يعوض هنا منه، لأمرين:
أحدهما- أن النداء موضع حذف وتخفيف، ألا ترى أن فيه نحو الترخيم، وحذف الياءات، ويافل، وما أشبه ذلك.
والآخر- أن الإضافة قد حذفت مما هو أمكن منه ولم تعوض، لدلالة المضاف على الإضافة، فإذا لم يعوض ما هو أمكن منه في الموضع الذي هو أولى بالعوض، كذلك العوض، هذا في الموضع الذي لا تليق به الزيادات للعوض.
وأيضاً فإن «أياً» قد حذفت صلتها في غير الندا ولم تعوض من صلتها شيء، مع أن الدلالة على الحذف من الصلة أنقص من الدلالة على حذف المضاف إليه منه، لأنها يعلم منها أن معناها الإضافة كيف كانت موصولة، كالعلم بأنها أبداً مقتضية للإضافة.
فإذا لم تعوض من حذف صلتها شيء كان ألا تعوض من حذف إضافتها في النداء.
وإن قال قائل: ف «إذ» ليس بتمكن، وقد عوض إضافتها لما حذفت منها «يومئذ» و «حينئذ» وقوله: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ)[1]، و (مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ)[2]و (عَذابِ يَوْمِئِذٍ)[3]، فما تنكر أن تعوض «أي» في النداء.
إذا حذف المضاف إليه، فإن لم يعوض من «بعض» و «كل» .
قيل له: «أي» أشبه ب «بعض «وكل» في اللفظ، والمعنى بحمله عليهما أولى من حملها على «إذ» على انه لا يلزم إذا عوض «إذ» أن يعوض «أي» ، لما ذكرنا من دلالتها على المضاف إليه بمعناها ولفظها، ولأنها في موضع حذف، وليست «إذ» كذلك، ألا تراها أنها لا تدل على إضافة كما تدل «أي» عليه، وإنما تدل على وقت ماض، ولا تتمكن تمكن «أي» لأنها تتصرف في وجوه الإعراب، و «إذ» إنما تمكنت في موضعين هذا أحدهما، وكأنه كره أن يسلب ذلك ولا يعوض منه، و «أي» أمكن منها وأشد تصرفاً، فلم يلزم العوض منها من حيث لزم/ في «إذ» ، ولأنهم قالوا:
اضرب أي أفضل، فحذفوا الصلة منه والإضافة ولم يعوضوا مع حذف شيئين، فلأن لا يعوض في النداء أولى، وقد استقصينا هذا فى «الخلاف» .
[1]هود: 66.
[2]النمل: 89.
[3]المعارج: 11.
الباب الرابع والثلاثون
هذا باب ما جاء في التنزيل من حروف الشرط دخلت عليه اللام الموطئة للقسم فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ)[1]، (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)[2]، (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) .[3]
وقوله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ)[4].
وقوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)[5].
وقوله: (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)[6].
وقوله: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) » .
وقوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ)[8].
وهذا ونحوه من الآي دخلت اللام على حرف الشرط فيه مؤذنة بأن ما بعدها جواب قسم مضمر، على تقدير: والله لئن اتبعت أهواءهم يدل على صحة هذا، وأن الجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، ثبات النون في قوله:
«لا يأتون بمثله» . وقوله: «لا يخرجون معهم» ، ولو كان جواب الشرط لم يقل:
[1]البقرة: 120.
[2]البقرة: 145.
[3]الأنعام: 121.
[4]هود: 9.
[5]الإسراء: 88.
[6]الإسراء: 86. [.....]
(7) الحشر: 12.
[8]الأعراف: 18.
«لنذهبن» ، ولا «ليولن» ولا «إنه ليئوس» ، ولا «إنكم لمشركون» ، ولا «ما تبعوا قبلتك» . والجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، فلا يجوز: والله لئن تأتني آتك، وإنما يقال: والله لئن تأتني لأتينك.
وأصل هذا الكلام أن تقول: والله لآتينك، ثم بدا له عن الحلف بالبتات فقال: والله إن تأتني، فإذا أضمروا القسم دخلت اللام على «إن» تؤذن بالقسم المضمر الذي ما بعده جوابه، فهذا مساغ هذا الكلام. فقول من قال: إن الفاء في قوله: (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)[1]مضمرة، ذهاب عن الصواب، وكذا (إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ)[2]، ليست الفاء هناك مضمرة بتة.
وأما قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ)[3]ففيه وجهان:
أوجههما- أن يكون «من» بمعنى «الذي» ، و «اشتراه» صلته، ويكون قوله: «ما له في الآخرة» خبر المبتدأ.
/ ويجوز أن يكون «من» شرطا، و «اشتراه» جزم ب «من» ، ويكون «ماله» جواب القسم المضمر، على تقدير: والله ماله.
وإنما قلنا: إن الأول أوجه، لأنهم قد أجروا «علموا» في كلامهم مجرى القسم، فتكون «اللام» التي في «لقد» جواب القسم، ويكون «لمن اشتراه» جواب «لقد علموا» ، فيكون هذا قسماً داخلاً على قسم فلا يجوز، ولا يلزم هذا في الوجه الأول.
فأما قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ)[4]، إن جعلت «ما» بمعنى «الذي» كانت مبتدأة، و «آتيتكم» صلته،
[1]الأنعام: 121.
[2]هود: 9.
[3]البقرة: 102.
[4]آل عمران: 81.
والتقدير: آتيتكموه، ويكون قوله: (ثُمَّ جاءَكُمْ) «1» معطوفاً على الصلة، والتقدير: ثم جاءكم به، إلى قوله: (لِما مَعَكُمْ) «2» ، ويكون قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) «3» خبر المبتدأ.
ومن رأى أن الظاهر يقوم مقام المضمر كان قوله: «لما معكم» يغني عن إضمار «به» .
ومن قال: إن «ما» شرط، كانت اللام بمنزلتها في «لئن» ، ويكون «آتيتكم» مجزوما ب «ما» ، و «ما» منصوبة به، ويكون قوله «ليؤمنن» جواب القسم الذي ذكرناه.
والوجهان اللذان ذكرناهما في قوله «لمن اشتراه» جائزان في قوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ)[4].
وقد جاءت لام «لئن» محذوفة في التنزيل:
قال الله تعالى: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، «5» والتقدير: ولئن لم ينتهوا، كما ظهرت في قوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) «6» إلى قوله: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) «7» .
ومثل قوله: (إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) «8» قوله: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ)[9].
قال أبو علي: ويدل أيضاً على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني دون الأول في نحو قوله: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)[10]و (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)[11]، وما أشبه ذلك، أنه لا يخلو من أن يكون اعتماد القسم على الفعل الثاني، أو على الفعل الأول،
(3- 2- 1) آل عمران: 81.
[4]الأعراف: 18.
(8- 5) المائدة: 73.
(7- 6) الأحزاب: 60.
[9]العلق: 15.
[10]الروم: 58.
[11]البقرة: 145.