«لنذهبن» ، ولا «ليولن» ولا «إنه ليئوس» ، ولا «إنكم لمشركون» ، ولا «ما تبعوا قبلتك» . والجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، فلا يجوز: والله لئن تأتني آتك، وإنما يقال: والله لئن تأتني لأتينك.
وأصل هذا الكلام أن تقول: والله لآتينك، ثم بدا له عن الحلف بالبتات فقال: والله إن تأتني، فإذا أضمروا القسم دخلت اللام على «إن» تؤذن بالقسم المضمر الذي ما بعده جوابه، فهذا مساغ هذا الكلام. فقول من قال: إن الفاء في قوله: (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)[1]مضمرة، ذهاب عن الصواب، وكذا (إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ)[2]، ليست الفاء هناك مضمرة بتة.
وأما قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ)[3]ففيه وجهان:
أوجههما- أن يكون «من» بمعنى «الذي» ، و «اشتراه» صلته، ويكون قوله: «ما له في الآخرة» خبر المبتدأ.
/ ويجوز أن يكون «من» شرطا، و «اشتراه» جزم ب «من» ، ويكون «ماله» جواب القسم المضمر، على تقدير: والله ماله.
وإنما قلنا: إن الأول أوجه، لأنهم قد أجروا «علموا» في كلامهم مجرى القسم، فتكون «اللام» التي في «لقد» جواب القسم، ويكون «لمن اشتراه» جواب «لقد علموا» ، فيكون هذا قسماً داخلاً على قسم فلا يجوز، ولا يلزم هذا في الوجه الأول.
فأما قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ)[4]، إن جعلت «ما» بمعنى «الذي» كانت مبتدأة، و «آتيتكم» صلته،
[1]الأنعام: 121.
[2]هود: 9.
[3]البقرة: 102.
[4]آل عمران: 81.
والتقدير: آتيتكموه، ويكون قوله: (ثُمَّ جاءَكُمْ) «1» معطوفاً على الصلة، والتقدير: ثم جاءكم به، إلى قوله: (لِما مَعَكُمْ) «2» ، ويكون قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) «3» خبر المبتدأ.
ومن رأى أن الظاهر يقوم مقام المضمر كان قوله: «لما معكم» يغني عن إضمار «به» .
ومن قال: إن «ما» شرط، كانت اللام بمنزلتها في «لئن» ، ويكون «آتيتكم» مجزوما ب «ما» ، و «ما» منصوبة به، ويكون قوله «ليؤمنن» جواب القسم الذي ذكرناه.
والوجهان اللذان ذكرناهما في قوله «لمن اشتراه» جائزان في قوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ)[4].
وقد جاءت لام «لئن» محذوفة في التنزيل:
قال الله تعالى: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، «5» والتقدير: ولئن لم ينتهوا، كما ظهرت في قوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) «6» إلى قوله: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) «7» .
ومثل قوله: (إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) «8» قوله: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ)[9].
قال أبو علي: ويدل أيضاً على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني دون الأول في نحو قوله: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)[10]و (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)[11]، وما أشبه ذلك، أنه لا يخلو من أن يكون اعتماد القسم على الفعل الثاني، أو على الفعل الأول،
(3- 2- 1) آل عمران: 81.
[4]الأعراف: 18.
(8- 5) المائدة: 73.
(7- 6) الأحزاب: 60.
[9]العلق: 15.
[10]الروم: 58.
[11]البقرة: 145.
والدليل على أنه الثاني دون الأول حذفهم اللام الأول في نحو هذا، ألا ترى أنه لو كان اعتماد القسم عليها دون الثانية لما حذفت، كما لم تحذف الثانية في موضع.
فمما جاءت فيه هذه اللام الأولى محذوفة في التنزيل قوله: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا/ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ)[1]، (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ)[2].
وفي موضع آخر: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) «3» ثم قال: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) «4» فيدلك حذفهم لها على الاعتماد على الثانية لا عليها.
فإن قلت: ما ننكر أن يكون اعتماد القسم في نحو ذا على اللام الأولى دون الثانية، لأن اللام حذفت كما حذفت من قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) ،[5]ولا يكون في حذفهم اللام من غير هذا دلالة على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني.
قيل: هذا لا يجوز لأن اللام في «لقد» إنما استحسن حذفها لطول الكلام بما اعترض بين القسم والمقسم عليه ولم يطل في هذا الموضوع كلام فيستجاز حذفها كما استحسن حذفها هناك، فإن هذه اللام بمنزلة «إن» في قولك: والله إن لو فعل لفعلت، تثبتها تارة وتحذفها أخرى، واللام الثانية هي المعتمدة، والأولى زيادة كان سقوطها لا يخل بالكلام، واختص به القسم، كقولهم: آثراً ما، وربما، وما أشبه ذلك.
وأما قوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ)[6]، والتقدير: ليظلن، فوضع الماضي موضع المستقبل.
[1]المائدة: 73. [.....]
[2]الأعراف: 23.
(4- 3) الأحزاب: 60.
[5]الشمس: 9.
[6]الروم: 51.
ولأن جميع ما جاء في التنزيل على هذا الوجه فيما تقدم من الآي، من قوله[1]: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)[2]، وقوله: (لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ)[3]، وقوله: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ)[4]، وقوله: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ)[5]، وقال: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ)[6].
[1]يريد بقوله: «فيما تقدم» هذه الآية وحدها.
[2]الروم: 58.
[3]التوبة: 75.
[4]يوسف: 32.
[5]مريم: 46.
[6]يس: 18.
الباب الخامس والثلاثون
هذا باب ما جاء في التنزيل من التجريد وهو باب شريف لطيف يعز وجوده في كتبهم، وذلك نحو قولهم:
لئن لقيت فلاناً لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسداً أو بحراً، وهو عينه هو الأسد والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه وممتازاً منه، وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه حتى كأنها تقابله أو تخاطبه، وقد يكون ذلك بحرف «الباء» / و «من» وحرف «فى» فمن ذلك، قوله تعالى: (ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)[1]، أي:
مالك الله وليّا وكذا: (ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ)[2].
وقال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)[3]، أي: كونوا أمة.
وقال: (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا)[4]أي: كن لنا ولياً.
(وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً)[5]، أي: كن لنا نصيراً.
وقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ)[6]، أي: لكم هو شراب.
وقال الله تعالى: (ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ)[7]. أي:
لهم هي دار الخلد.
[1]البقرة: 120.
[2]الرعد: 37.
[3]آل عمران: 104.
[4]النساء: 75. [.....]
[5]النساء: 75.
[6]النحل: 10.
[7]فصلت: 28.
ومسألة «الكتاب» جاء بالباب: أما أبوك فلك به أب، أي لك منه أو به، أي: بمكانه أي: بمكانه أب.
وقال عز من قائل: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ)[1]أي: بعذاب ربهم عذاب جهنم.
ويجوز أن يتعلق الباء بنفس «كفروا» ، فيكون على الأول الظرف معمول الظرف، وعلى الثاني يكون الظرف معمول الظاهر.
وأما قوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) » .
فقد قال أبو علي: جعلنا بدلكم ملائكة لأن الإنس لا يكون منهم ملائكة، وقال:
كسوناها من الرّيط اليماني ... ملاءً في بنائقها فصول[3]
وإن جعلت «من» كالتي في قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)[4]و:
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
كان التقدير: ولو نشاء لجعلنا منكم مثل ملائكة، أي: فلا تعصون كما لا يعصون، فأجبرناكم على الطاعة.
وقال أبو علي: لك به أب، أي: بمكانه، فقولك «بمكانه» في موضع ظرف. والعامل فيه «لك» . وكذلك: (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ)[5]«فيها» ظرف، والعامل فيه «لهم» . ويجوز على قول الشاعر:[6]
أفادت بنو مروان قيساً دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
[1]الملك: 6.
(2) الزخرف: 60.
[3]البنائق: جمع بنيقة وهي طوق الثوب.
[4]آل عمران: 104.
[5]فصلت: 28.
[6]عجز بيت لأعشى باهلة، وصدره:
أخو رغائب يعطيها ويسألها
(اللسان: زفر) .
أن يكون من قوله: (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ) «1» مستقرّا، و «لهم» لغواً.
ألا ترى أن قوله:
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
لا يكون إلا مستقراً، فإذا صح هذا هاهنا وجب جواز كونه مستقراً في الآية أيضاً، وكما تجعل هذا بمنزلة الظرف/ كذلك تجعل الجار والمجرور في موضع المفعول من قوله:
بنزوة لص بعد ما مر مصعب بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل و «مصعب» نفسه هو. الأشعث. وقالوا: في هذا الدرهم خلف من هذا الدرهم، أي: هذا الدرهم خلف. وكذلك: (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ) «2» أي:
لهم النار دار الخلد، وقال:
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر[3]
ف «أخو رغائب» هو «النوفل الزفر» ، فقال: منه النوفل، وهو هو.
قال عثمان في قوله:
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
في هذا غاية البيان والكشف، ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى ظرف لشئ ولا متضمن له، فهو إذاً على حذف المضاف، أي عدل الله عدل حكم. ومثله: (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً)[4]أي: أسأل الله خبيرا.
(2- 1) فصلت: 28.
[3]انظر الحاشية (6 ص 665) .
[4]الفرقان: 59.
الباب السادس والثلاثون
هذا باب ما جاء في التنزيل من الحروف الزائدة في تقدير وهي غير زائدة في تقدير آخر فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)[1]، إن شئت كان التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، فتكون الباء زائدة. وإن شئت كان التقدير: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم. والوجه الأول أحسن.
ومثله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ)[2]، إن شئت كان التقدير: ألم تر إلى الذي حاج، وإلى الذي مر، وتكون الكاف زائدة. وقد تقدم فيه وجه آخر.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[3].
إن شئت كانت الباء زائدة، أي: لا تلقوا أيديكم، وعبر بالأيدي عن الذوات. وإن شئت كان التقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، «وألقى» فعل متعد، بدليل قوله: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)[4].
قال أبو على: الباء الجارة للأسماء تجئ على ضربين:
أحدهما- أن تكون زائدة.
والآخر- أن تكون غير زائدة.
والزائدة- تلحق [شيئين] :
حدهما- جزء من الجملة.
والآخر- فضلة عن الجملة، أو ما هو مشبه بها فأما الجزء من الجملة فثلاثة أشياء: مبتدأ، وخبر مبتدأ/، وفاعل مبني على فعله الأول، أو على مفعول بنى على فعله الأول.
[1]البقرة: 137.
[2]البقرة: 259. [.....]
[3]البقرة: 195.
[4]النحل: 15.