من الأرض مثلهن، فجعل الجار الخبر وأضمر المبتدأ، وفيمن رفع «مثلهن» أظهر، على تقدير: وهو مثلهن من الأرض. وقد نبهتك على الأبيات في «البيان» .
ومن ذلك قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ/ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)[1]، التقدير عند الفراء: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم، فأخر.
ومثله قال: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً)[2]، والتقدير عنده: آتوني قطراً أفرغه عليه، فأخر.
وقال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)[3]، أي: خذ إليك، عند الفراء.
ومثله: (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً)[4]في الموضعين، أي: لكي لا يعلم شيئاً من بعد علم علماً، أي من بعد علمه، فأخر عند الفراء.
فأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)[5]، فقوله «بالله» يجوز أن يكون من صلة «الشهادة» ، ومن صلة «الشهادات» ، إذا نصب «الأربع» .
وقياس من أعمل الثاني أن يكون قوله: «بالله» من صلة «شهادات» ، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول «بالله» من صلة «شهادات» ، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: ضربت وضربني، ومن رفع فقال:
فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، فإن الجار والمجرور من صلة «شهادات» ،
[1]النساء: 176.
[2]الكهف: 96.
[3]البقرة: 260.
[4]النحل: 70- الحج: 5.
[5]النور: 6.
ولا يجوز أن يكون من صلة «شهادة» ، لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة والموصول، ألا ترى أن الخبر الذي هو «أربع شهادات بالله» يجوز أن يكون من صلة «شهادة أحدهم» فتكون الجملة التي هي «إنه لمن الكاذبين» في موضع نصب، لأن الشهادة كالعلم فيتعلق بها «إن» كما يتعلق بالعلم، والجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، و «أربع شهادات» ينتصب انتصاب المصادر. ومن رفع «أربع شهادات» لم يكن قوله «لمن الكاذبين» إلا من صلة «شهادات» دون «شهادة» ، كما كان قوله «بالله» من صلة «شهادة» ففصلت بين الصلة والموصول.
ومن ذلك قوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً)[1]، والتقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحداً كما ظننتم.
وقال الله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً)[2]، أي: هزي إليك رطباً تساقط عليك.
فهذه الآي محمول على الفعل الثاني عندنا، وما يقتضيه الأول مضمر، وهم يحملون الأول دون الثاني. ويضمرون/ الثاني ويفصلون بالثاني بين الأول ومقتضاه:
ومن التقديم والتأخير: (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)[3]، التقدير: فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. وفصل بين
[1]الجن: 7.
[2]مريم: 25.
[3]الواقعة: 75، 76.
الصفة والموصوف بالجملة، وهو «لو تعلمون» ، وبين القسم وجوابه بقول: «وإنه لقسم» .
ومن ذلك قوله: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)[1]والتقدير: وحين تصبحون وعشيّا، فأخّر واعترض بالجملة.
التقديم والتأخير قراءة ابن عامر: (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ)[2]، والتقدير: قتل شركائهم أولادهم، فقدم المفعول على المضاف إليه، قالوا: وهذا ضرورة ليس بضرورة، لأنه قد كثر عندهم ذلك، وأنشدوا فيه أبياتاً جمة.
فمن ذلك قوله:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج[3]
أي: كأن أصوات أواخر الميس.
وقال:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له[4]
أي: هما أخوا من لا أخا له في الحرب.
وقال: بين ذراعي وجبهة الأسد[5]أي: بين ذراعى الأسد وجبهته.
[1]الروم: 17 و 18.
[2]الأنعام: 137.
[3]البيت الذي الرمة. والإيغال: شدة السير. والميس: شجر تعمل منه الرحال. والمعنى: كأن أصوات أواخر الميس من شدة سير الإبل واضطراب رحالها عليها أصوات الفراريج (الكتاب 1: 92) . [.....]
[4]صدر بيت لدرنا بنت عبعبة، من قيس بن ثعلبة، وعجز البيت:
إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
[5]عجز بيت للفرزدق، صدره:
يا من رأى عارضا أصر به
وقال:
كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام
أي: برذون زيد يا أبا عصام حمار دق باللجام.
ومن ذلك ما قاله أبو الحسن في قول الله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)[1]. أي: إنه لراد من شر الوسواس الخناس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس.
ومنه قول الله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ)[2]، أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم.
وقيل في قوله: (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)[3]: إن تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون.
قال أبو الحسن: المعنى فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم.
فإن قلت: كيف جاز أن تقدر/ «لما قالوا» متعلقاً بالمصدر، وهو متقدم قبله؟ قيل: لا يمتنع أن يتقدم على وجه التبيين، ليس إنه متعلق بالصلة، ألا ترى قوله:
تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلى هذا بالرّحى المتقاعس[4]
[1]الناس: 4- 5- 6.
[2]النمل: 28.
[3]المجادلة: 3.
[4]البيت لمهذلول بن كعب العنبري (شرح الحماسة للمرزوقي: 966) .
وقوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
لم يجعلوه متعلقا ب «جزائى» ، ولكن جعلوه تبييناً للجلد، وكذلك ما ذكره أبو الحسن.
وأما التقديم والتأخير الذي قدر، فمثله كثير، ويجوز أن يكون التقدير:
والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون للقول، و «القول» في المعنى «المقول» ، كالخلق بمعنى/ المخلوق، ألا ترى أن الذي يعاد هو الجسم، فلهذا كان الخلق بمعنى المخلوق، فى قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)[1].
فإن قلت: وكيف وقع «اللام» موقع «إلى» في قولك: عدت إلى كذا.
فإنه لا يمتنع، ألا ترى أنه قد جاء: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ)[2]. على أن «اللام» في قول من يخالف في هذا التأويل بمعنى «إلى» .
ومثله: (فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى) «3» . أي: فاستمع إلى ما يوحى، لا بد من ذلك، لا سيما في قراءة الزيات: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ) ، ويكون التقدير: فاستمع لأنا اخترناك إلى ما يوحى، ولو لم تحمله على هذا لكان التقدير: فاستمع لأنا اخترناك لما يوحى، فتعلق اللامين بقوله «فاستمع» ، وقد قال: لا يتعدى فعل بحرفى جر متفقين.
فإن قلت: ولم لا تحمل «وأنا اخترتك» على «نودي» في قوله (نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ... وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) «4» ، أي نودي بأني أنا ربك وأنا اخترتك.
[1]الروم: 27.
[2]يونس: 35.
(4- 3) طه: 11- 13.
قيل: إن «اخترناك» قراءة حمزة، وهي تقرأ: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، مكسورة الألف، فكيف تحمله عليه. وقد ذكرنا ما في هذا فى «البيان» و «الاستدراك» .
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ)[1]. اضطرب قول أبي علي في هذه الآية، وله كلام في «الحجة» وكلام في «الإغفال» وكلام فى «الحلبيّات»[2]وهو أجمع الثلاثة.
قال فى «الحلبيات» :
والقول في أن حرف العطف في قوله: «وأقرضوا» لا يخلو من أن يكون عطفاً/ على الفعل المقدر في صلة «المصدقين» أو على غيره: إن قوله «وأقرضوا الله» لا يجوز أن يكون معطوفاً على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله، وذلك أنك إذا قدرته هذا التقدير فقد فصلت بين الصلة والموصول بما ليس منهما، وما هو أجنبي، والفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وما ليس منهما لا يصح، ولذلك لم يجيزوا: رأيت القائمين وزيداً إلا عمراً، وهذا النحو من المسائل لأن «زيداً» معطوف على «رأيت» ، والاستثناء من الصلة من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، فقد فصلت بينهما بالمعطوف، ولم يجز ذلك. كما لم يجز أن يكون «وأقرضوا» معطوفاً على «صدقوا» المقدر في الصلة، لفصل «المصدقات» المعطوف
[1]الحديد: 18.
[2]كتاب في النحو.
على ما بينهما. وإنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموصوف وغيره في الأسماء يؤذن بتمامه، ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فإذا كان العطف يؤذن بالتمام فعطفت ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدمته من حكم التمام بالعطف، وكان مدافعاً غير مستقيم. ولا يستقيم أن يكون قوله «وأقرضوا الله» ، في هذه الآية، محمولاً على المقدر في الصلة، كما كان قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «1» على المقدر من قوله: (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «2» ، لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع ولم تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، كما فصلت بالمعطوف بينهما في الأخرى، والحمل على المعنى في هذا النحو من العطف مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفاً على الصلة لم تحمله على ذلك، ولكن على وجوه أخر، منها:
أن تجعل العطف اعتراضاً بين الصلة والموصول.
وإن شئت كملته على أن الخبر غير مذكور.
وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين وجعلت العطف عليهم.
وأما حمله على الاعتراض فهو أرجح الوجوه عندي، لأن الاعتراض قد شاع/ في كلامهم واتسع وكثر، ولم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي منهما، لأن فيه تسديداً وتثبيتاً، فأشبه من أجل ذلك الصفة والتأكيد، فلذلك جاء بين الصلة والموصول في الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والمفعول وفعله، وغير ذلك.
(2- 1) العاديات: 3، 4.
فما جاء من ذلك من الصلة والموصول قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)[1].
وكقوله:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالك ... والحق يدفع ترهات الباطل[2]
فإذا جاء الفصل بين الصلة والموصول بما ذكرنا من الاعتراض فإنه يجوز الفصل بين اسم «إن» وخبرها بالاعتراض الذي هو قوله (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)[3]أحرى، لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر، ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، وأن المبتدأ قد يحذف خبره ولا يستعمل إثباته. وقوله: «يضاعف لهم» على هذا التأويل في الآية فى موضع رفع ب «إن» خبر المبتدأ.
ومما جاء من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله:
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا[4]
فالمبتدأ والخبر اعتراض، والجار والمجرور في موضع رفع ب «أن» فاعل، كما أنهما في «كفى بالله» كذلك، وإذا جاز في الفعل والفاعل كان المبتدأ والخبر أجوز.
ومن الاعتراض بين الصفة والموصوف قوله: تعالى: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)[5]كما أن قوله: (لَوْ تَعْلَمُونَ)[6]كذلك، والمعنى في «لو تعلمون» : اعلموا، كما تقول: لو قمت، أي: قم.
[1]يونس: 27.
[2]اللسان «تره» . [.....]
[3]الحديد: 18.
[4]بيقر: هاجر من أرض إلى أرض. والبيت لامرئ القيس.
[5]مريم: 34.
[6]الواقعة: 75 و 76.