قيل: إن «اخترناك» قراءة حمزة، وهي تقرأ: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، مكسورة الألف، فكيف تحمله عليه. وقد ذكرنا ما في هذا فى «البيان» و «الاستدراك» .
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ)[1]. اضطرب قول أبي علي في هذه الآية، وله كلام في «الحجة» وكلام في «الإغفال» وكلام فى «الحلبيّات»[2]وهو أجمع الثلاثة.
قال فى «الحلبيات» :
والقول في أن حرف العطف في قوله: «وأقرضوا» لا يخلو من أن يكون عطفاً/ على الفعل المقدر في صلة «المصدقين» أو على غيره: إن قوله «وأقرضوا الله» لا يجوز أن يكون معطوفاً على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله، وذلك أنك إذا قدرته هذا التقدير فقد فصلت بين الصلة والموصول بما ليس منهما، وما هو أجنبي، والفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وما ليس منهما لا يصح، ولذلك لم يجيزوا: رأيت القائمين وزيداً إلا عمراً، وهذا النحو من المسائل لأن «زيداً» معطوف على «رأيت» ، والاستثناء من الصلة من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، فقد فصلت بينهما بالمعطوف، ولم يجز ذلك. كما لم يجز أن يكون «وأقرضوا» معطوفاً على «صدقوا» المقدر في الصلة، لفصل «المصدقات» المعطوف
[1]الحديد: 18.
[2]كتاب في النحو.
على ما بينهما. وإنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموصوف وغيره في الأسماء يؤذن بتمامه، ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فإذا كان العطف يؤذن بالتمام فعطفت ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدمته من حكم التمام بالعطف، وكان مدافعاً غير مستقيم. ولا يستقيم أن يكون قوله «وأقرضوا الله» ، في هذه الآية، محمولاً على المقدر في الصلة، كما كان قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «1» على المقدر من قوله: (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «2» ، لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع ولم تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، كما فصلت بالمعطوف بينهما في الأخرى، والحمل على المعنى في هذا النحو من العطف مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفاً على الصلة لم تحمله على ذلك، ولكن على وجوه أخر، منها:
أن تجعل العطف اعتراضاً بين الصلة والموصول.
وإن شئت كملته على أن الخبر غير مذكور.
وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين وجعلت العطف عليهم.
وأما حمله على الاعتراض فهو أرجح الوجوه عندي، لأن الاعتراض قد شاع/ في كلامهم واتسع وكثر، ولم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي منهما، لأن فيه تسديداً وتثبيتاً، فأشبه من أجل ذلك الصفة والتأكيد، فلذلك جاء بين الصلة والموصول في الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والمفعول وفعله، وغير ذلك.
(2- 1) العاديات: 3، 4.
فما جاء من ذلك من الصلة والموصول قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)[1].
وكقوله:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالك ... والحق يدفع ترهات الباطل[2]
فإذا جاء الفصل بين الصلة والموصول بما ذكرنا من الاعتراض فإنه يجوز الفصل بين اسم «إن» وخبرها بالاعتراض الذي هو قوله (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)[3]أحرى، لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر، ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، وأن المبتدأ قد يحذف خبره ولا يستعمل إثباته. وقوله: «يضاعف لهم» على هذا التأويل في الآية فى موضع رفع ب «إن» خبر المبتدأ.
ومما جاء من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله:
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا[4]
فالمبتدأ والخبر اعتراض، والجار والمجرور في موضع رفع ب «أن» فاعل، كما أنهما في «كفى بالله» كذلك، وإذا جاز في الفعل والفاعل كان المبتدأ والخبر أجوز.
ومن الاعتراض بين الصفة والموصوف قوله: تعالى: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)[5]كما أن قوله: (لَوْ تَعْلَمُونَ)[6]كذلك، والمعنى في «لو تعلمون» : اعلموا، كما تقول: لو قمت، أي: قم.
[1]يونس: 27.
[2]اللسان «تره» . [.....]
[3]الحديد: 18.
[4]بيقر: هاجر من أرض إلى أرض. والبيت لامرئ القيس.
[5]مريم: 34.
[6]الواقعة: 75 و 76.
وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع.
وإن حملت على أن الخبر غير مذكور ولم تجعل قوله «وأقرضوا الله» اعتراضاً، ولكن جملة معطوفة على ما تقدم، جاز في قوله «والمصدقات» أمران:
أحدهما- أن تكون الواو بمنزلة «مع» ، على أن تكون قد سدت مسد خبر المبتدأ، كما انك لو قلت: إن المصدقين مع المصدقات، كان كذلك، ألا ترى أنه لما كان معنى قولك «أقائم الزيدان» : أيقوم الزيدان، استغنيت بالفاعل عن خبر المبتدأ، وإن كان قد ارتفع «قائم» ارتفاع المبتدأ، فكذلك قولك «والمصدقات» ، وإن كان منتصباً بالعطف على «إن» ، فإنه سد مسد الخبر، فلا يحتاج مع ذلك إلى تقدير خبر، كما لم يحتج إليه في قولك: أقائم الزيدان. ومثل ذلك قولهم: الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها لما كان المعنى: الرجال مع أعضادها، والنساء مع أعجازها.
استغنيت عن خبر الابتداء، وكما استغنيت عن خبر المبتدأ بما كان معطوفا عليه لما كان المعنى كذلك، يدخلان على هذا الحد، فيكون المعنى: إنهم معهن في نيل الثواب وارتفاع المنزلة. فإذا حملت على ذلك جاز بلا خلاف فيها.
وقد[1]يجوز أن تضمر لهذا النحو خبراً، فيكون التقدير: كل رجل وضيعته مقرونان وعلى هذا تضمر أيضاً في خبر «إن» في قوله: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ)[2]. أي: إن المصدقين والمصدقات يفلحون، أو مضاعف لهم، ونحو ذلك مما ذكروا به في التنزيل، ويكون موضع
[1]هذا ثاني الأمرين.
[2]الحديد: 18.
«يضاعف» نصباً صفةً للقرض.
وإن شئت جعلته جملة مستأنفة، إلا أنك لم تلحق الواو، أو لالتباس أحدهما بصاحبه، وقوله: (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)[1]مستأنف.
ومن شاء جعل ما قبله وصفاً، إذ لا تعلّق له بالموصوف.
وإن شئت جعلته حالاً من «لهم» في قوله «يضاعف لهم» .
وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، وجعلت قوله «وأقرضوا» معطوفاً على ذلك، لأن معنى «المصدقين والمصدقات» كمعنى: إن الناس المصدقين. فإذا كان ذلك معناه جاز أن يعطف «وأقرضوا» عليه، كما كان يجوز ذلك لو أبرزت ما هذا المذكور في معناه وموضعه.
وعلى هذا الوجه حمله أبو الحسن لأنه قال في تفسيرها:
لو قلت: الضاربه أنا، وقمت زيد، كان جائزاً، كأنه يريد: إنه كما استقام أن يحمل «الضارب» على «ضرب» فتعطف «قمت» عليه، كذلك يستقيم أن تجعل الفاعلين، فتحمل «وأقرضوا» عليه، إذ لا يستقيم عطف «وأقرضوا» على الصلة الأولى، ولأن العطف على المعنى قد جاء في الصلات وغيرها كثيراً، فأفهمه.
ومن التقديم والتأخير/ قوله تعالى: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ)[2]، أي:
جزيناهم ذلك، فقدم المفعول الثاني.
وقال: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا)[3]، أي: جزيناهم ذلك بكفرهم.
وقال: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها)[4]أي: مجرميها أكابر.
[1]الحديد: 18.
[2]الأنعام: 146.
[3]سبأ: 17.
[4]الأنعام: 123.
وقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ)[1]، أي: الجن شركاء.
وقال: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ)[2]أي: يؤتي من يشاء ملكه.
وقال: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)[3]، أي: تؤتي من تشاء الملك.
وأما قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) «4» . جاء في التفسير أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزوج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته وقل ماله مد يده إلى ما عنده من أموال اليتامى، فحل له الأربع. وإلى هذا الوجه أشار أبو علي بعد ما حكى عن أبي العباس في كتابه في القرآن تعجب الكسائي من كون «فانكحوا» ما طاب لكم جواباً لقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) «5» .
قال: وقاله أبو عبيد، وليس هذا الجواب، فإنما الجواب قوله:
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) «6» ، كأنه قال: فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.
فقال أبو علي: جواب «إن خفتم» الفاء في «فواحدة» ، كأنه في التقدير: إن خفتم ألا تقسطوا، إن كثرت عليكم مؤن الزوجات وأحوجتم إلى مال اليتامى. أي: فانكحوا واحدة. وقوله «فانكحوا ما طاب» اعتراض بين الشرط والجزاء، مثل قولك: إن زيداً- فافهم ما أقول-
[1]الأنعام: 100.
[2]البقرة: 247.
[3]آل عمران: 26.
(6- 5- 4) النساء: 3. [.....]
رجل صدق.
قال: ولما كان الكلام باعتراض الجملة المسددة للشرط كرر الشرط ثانياً، فقيل: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) «1» وهو قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا) «2» .
وهذه الجملة متأخرة معنىً، أي: في حال الضيق واحدة، وفي السعة أربع.
والقصة عن عكرمة والشرح لأبي علي.
قال قوم: إنهم كانوا يتوقون أموال اليتامى ولا يتوقّون الزنى، فقيل: كما خفتم في ذا فخافوا الزنى وأتوا الكلالة. عن مجاهد.
وقيل: كانوا يخافون ألا يعدلوا في أموال اليتامى ولا يخافون أن يعدلوا في النساء. عن سعيد بن جبير.
وقيل: التقدير: ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهن من النساء. عن عائشة.
وروي عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان الناس يتزوجون اليتامى ولا يعدلون بينهن، ولم يكن لهن أحد يخاصم عنهن، فنهاهم الله عن ذلك، وقال: (وَإِنْ خِفْتُمْ) «3» .
ومن ذلك قوله تعالى: (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ)[4]. «ذلك» منصوب ب «يدعو» ، ويكون «ذلك» بمعنى «الذي» والجملة بعده صلة.
وقال الفراء: بل «اللام» في «لمن ضره» في نية التأخير، والتقدير: من لضره، وهو خطأ، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول.
(3- 2- 1) النساء: 3.
[4]الحج: 12 و 13.
وقيل: إن «من» ليس في موضع مفعول «يدعو»[1]، لأنه مكرر من الأول معاد للتوكيد، واكتفى من مفعوله بمفعول الأول، وكرر تفظيعاً للأمر في عبادة الأصنام، وقوله «لمن ضره» على هذا مبتدأ، وخبره «لبئس المولى» .
ووجه ثالث: وهو أن يكون «يدعو» بمعنى «يقول» كقول القائل:
ما يدعى فلان فيكم؟ أي: ما يقال له؟ وكذلك: يدعون عنته[2]، أي: يقولون:
يا عنته، أي: يقولون الذي ضره أقرب من نفعه هو إلهنا، ويكون الخبر محذوفاً لدلالة الكلام عليه.
ووجه رابع: وهو أن يكون «يدعو» من تمام الضلال البعيد، أي:
يدعوه، و «يدعوه» في موضع الحال للمبتدأ، والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد داعياً، أي: في حال دعايته إياه. و «لمن ضره» ابتداء، وخبره «لبئس المولى» .
ولا يكون «لبئس المولى» خبراً في قول من يقول: إن «يدعو» بمعنى يقول، لأن المنافق لا يقول: إن الصنم والله لبئس المولى.
وإن قلت: إنه لا يقول أيضاً: ضره أقرب من نفعه، وإنما يقول غير ذلك، فإن ذلك على اعتقادنا ما فيه من كونه ضاراً، على تقدير أن المنافق يقول: الصنم إله، ثم يأخذ في ذمه.
ومن ذلك قراءة من قرأ: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً)[3]بالفتح، لأن التقدير: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، أي: فاتقون هذا.
[1]يريد: مفعول الفعل «يدعو» الأول في قوله تعالى: (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ) . (الآية:
12) .
[2]العنتة: المبالغ في الأمر إذا أخذ فيه.
[3]الأنبياء: 92.