وزعم الفارسي أن التقدير: أمن هو قانت آناء الليل كمن جعل لله أنداداً.
ثم قال: واستضعفه أبو الحسن، دون الاستفهام لا يستدل عليه بما قبله وإنما يستدل عليه بما بعده.
فقيل: إن ذلك على تقديرك دون تقديرنا، فما تقول في قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ)[1]، وقوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ)[2]، أليس الخبران محذوفين؟ وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)[3].
قلت: أيها الفارسي، جواباً: إن سيبويه قال: إن الخبر محذوف، يعني خبر قوله (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ) ، ولم تكن لتذب عن أبي الحسن: أن التقدير:
أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفأنت تنقذ، بل قدرت حذف الخبر.
وزعم أحمد بن يحيى أن من قدر: أمن هو قانت آناء الليل، فهو كالأول.
وزعم الفارسي أن هذا ليس/ موضع نداء بل موضع تسوية، ألا تراه قال من بعد: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)[4]، وجواب الفارسي تحت قول أحمد هو كالأول، يعني أنه قال- عز من قائل: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ)[5]، يا من هو قانت آناء الليل أبشر إنك من أصحاب الجنة، فحذف في الثاني لذكره أولاً.
[1]الزمر: 22.
[2]الزمر: 24.
[3]الزمر: 19.
[4]الزمر: 9.
[5]الزمر: 8.
فأما من شدد فقال: «أمن هو قانت» ، فالتقدير: الكافر الجاحد خير أمن هو قانت؟ كقوله: (أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ)[1]، والتقدير: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟
ومن ذلك قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ)[2]، قوله «إلا الله» بدل من موضع الجار والمجرور، والخبر مضمر، والتقدير: ما من إله في الوجود إلا الله، كقوله: (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) ،[3]فليس الرفع محمولاً على الوصف للمجرور، لأن الأكثر في الاستثناء والبدل دون الوصف.
وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) «4» ، ف «الذين يلمزون» مبتدأ، وخبره (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) «5» . ومن نصب «زيداً مررت به» كان «الذين» منصوباً عنده، ولا يكون (فَيَسْخَرُونَ) «6» خبره، لأن لمزهم للمطوعين لا يجب عنه سخريتهم بهم، كما أن الإنفاق يجب عنه الأجر في قوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) «7» إلى قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) «8» ، وإذا لم يجب عنه كان «فيسخرون» عطفاً على «يلمزون» ، أو على «يجدون» ، وموضع (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ) «9» جر تابع ل «المؤمنين» ، أو نصب تابع ل «المطوعين» ، للفصل بين الصلة والموصول، أي: يعينون في إخراج الصدقات لقلتها، ومنه قوله: (فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ)[10]، ومنه قوله: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ)[11]، أي: فله نزل من حميم، وفي الظرف ذكر من الموصوف.
[1]ص: 63.
[2]آل عمران: 62.
[3]الصافات: 35.
(9- 6- 5- 4) التوبة: 79.
(8- 7) البقرة: 274.
[10]الواقعة: 89.
[11]الواقعة: 93.
الباب الحادي والأربعون
هذا باب ما جاء في التنزيل من «إن» المكسورة المخففة من «إن» وذلك إذا جاءت لزمتها اللام في الخبر، كما أن النافية يلزمها إلا في الخبر.
فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)[1].
قال: (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[2].
قال: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)[3].
قال: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ)[4].
قال: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا)[5].
قال: (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ)[6]فاللام هنا ك «إلّا» . كقوله: (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)[7].
وقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ)[8].
وقوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)[9].
قال[10]سيبويه: ويكون «إن» يبتدأ بما بعدها في معنى اليمين، وفي اليمين، كما قال: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ)[11]. و (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)[12].
[1]البقرة: 198.
[2]آل عمران: 164. [.....]
[3]الأعراف: 102.
[4]يونس: 29.
[5]الفرقان: 42.
[6]الصافات: 168.
[7]الملك: 20.
[8]الفرقان: 44.
[9]الجاثية: 32.
[10]الكتاب (1: 474) .
[11]الطارق: 4.
[12]يس: 32.
قال: وحدثني من لا أتهم به أنه سمع عربياً يتكلم بمثل قوله: إن زيداً لذاهب، وهي التي في قوله: (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا)[1]، وهذه «إن» مخففة من «إن» الشديدة.
قال أبو علي: أما «إن» في الآي فالقول فيها أنها مخففة من الثقيلة، وقد دخلت على الفعل مخففة، وامتنعت من الدخول عليه مشددة فالجواب أنها امتنعت من ذلك مثقلة لشبهها بالفعل في إحداثها النصب والرفع، كما يحدثهما الفعل من حيث لم يدخل الفعل على الفعل لم تدخل هي أيضاً عليه، وأصلها أنها حرف تأكيد، وإن كان لها هذا الشبه الذي ذكرنا بالفعل، فإذا خففت زال شبه الفعل عنها، فلم تمتنع من الدخول على الفعل إذ كانت الجمل المخبر بها على وجهين: مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وقد تحتاج المركبة من الفعل والفاعل من التأكيد إلى مثل ما تحتاج إليه المركبة من المبتدأ والخبر، فدخلت المخففة على الفعل مؤكدة، إذ كان أصلها التأكيد، وزال المعنى الذي كان امتنع من الدخول على الفعل، وهو شبهها به، ولزوال شبهها بالفعل اختير في الاسم الواقع بعدها الرفع، وجاء أكثر القراءة على ذلك، كقوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)[2]، و: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ)[3]، فمن حيث اختير الرفع في الاسم الواقع بعدها جاز دخولها على الفعل في الآي التي تلوناها أو غيرها.
وأما اللام التي تجئ بعدها مخففة فهي لأن تفرق بينها وبين «إن» التي تجئ نافية بمعنى «ما» ، كالتي في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ
[1]الصافات: 167- 168.
[2]يس: 32.
[3]الطارق: 4.
مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)[1]وليست هذه اللام التي تدخل على خبر المشددة التي هي الابتداء، لأنه كان حكمها أن تدخل. على «إن» / فأخرت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان، إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، أو ما هو واقع موقعه وراجع إليه، فهذه اللام لا تدخل إلا على المبتدأ أو على خبر «إن» إذا كان إياه في المعنى أو متعلقاً به، ولا تدخل من الفعل إلا ما كان مضارعاً واقعاً في خبر «إن» وكان فعلاً للحال، فإذا لم تدخل إلا على ما ذكرنا لم يجز أن تكون هذه اللام التي تصحب «إن» الخفيفة إياها، إذ لا يجوز دخول لام الابتداء على الفعل الماضي، وقد وقع بعد «إن» هذا الفعل، نحو:
(إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا)[2]و: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)[3]. وقد جاءت الأفعال الواقعة بعد «إن» فعملت فيما بعد اللام، ومعلوم أن لام الابتداء التي تدخل في خبر «إن» الشديدة لا يعمل الفعل الذي قبلها فيما بعدها، وذلك قوله: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ)[4]، وقول القائل:
هلبتك أمك إن قتلت لفارساً ... حلت عليك عقوبة المتعمّد[5]
فلما أعمل الفعل فيما بعد هذه اللام علم من ذلك أنها ليست التي تدخل في خبر «إن» الشديدة، وليست هي التي تدخل على الفعل المستقبل، والماضي للقسم، نحو: ليفعلن، أو لتفعلن. ولو كانت تلك للزم الفعل، الذي تدخل عليه «النون» يعني: ليفعلن، الذي تدخل عليه إحدى النونين، فلما لم يلزم النون علم أنها ليست إياها قال الله تعالى: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا)[6]و (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ)[7]، فلم يلزم النون.
[1]الأحقاف: 26. [.....]
[2]الفرقان: 42.
[3]الأعراف: 102.
[4]يونس: 29.
[5]البيت لعائكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل تخاطب عمرا بن جرموز حين قتل الزبير. ويروى:
شلت يمينك أن قتلت لمسلما
(المغني 1: 22) .
[6]الفرقان: 42.
[7]الصافات: 167.
حكى سيبويه إن هذه النون قد لا تلزم المستقبل في القسم، فيقال:
والله لتفعل، وهم يريدون: لتفعلن.
قال: إلا أن الأكثر على ألسنتهم ما أعلمتك، يعني من دخول النون، ولا ينبغي أن نقول: إن هذه اللام هي التي في «لتفعلن» فتحمل الآي التي تلوناها على الأقل في الكلام، على أن هذه اللام لو كانت هذه التي ذكرنا أنها للقسم، وتدخل على الفعل المستقبل والماضي، لم تدخل على الأسماء، مثل:
(إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ)[1]و «إن قتلت لفارسا» ، لأن تلك تختص بالدخول على الفعل الماضي أو المستقبل المقسم عليه، أو ما يتصل بهما، نحو «إلى» من قوله: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)[2]. والدليل على ذلك أنها لا تعلق الأفعال الملغاة قبل «إن» إذا وقعت/ في خبرها، كما تعلقها التي تدخل على الأسماء. فقد ثبت بما ذكرنا أن هذه اللام الداخلة على خبر «إن» المخففة التي تدخل في خبر «إن» المشددة، ولا هي التي تدخل على الفعل المستقبل والماضي في القسم، لكنها تلزم «إن» هذه لتفصل بينها وبين التي بمعنى «ما» النافية، ولو أدخلت شيئاً من الأفعال المعلقة على «إن» المكسورة المخففة من الثقيلة، وقد نصبت واللام في خبرها. لم تعلق الفعل قبلها من أجل اللام، كما تعلقه مع لام الابتداء، لأن هذه اللام قد ثبت أنها ليست تلك، فإذا لم تكن تلك لم تعلق الفعل الملغى كما تعلقه لام الابتداء.
فهذه حقيقة «إن» هذه المخففة واللام التي تلحق معها عندي، ويدل على أن هذه اللام ليست التي للابتداء أن تلك تدخل على الخبر نفسه التي
[1]يونس: 29.
[2]آل عمران: 158.
لا تسغنى، أو يكون قبل الخبر ويكون الأول في المعنى أو ما يقوم مقام ما هو الأولى في المعنى، أو تدخل على الاسم نفسه إذا فصل بين «إن» واسمها، ولا تدخل على الفضلات وما ليس بالكلام افتقار إليه، كما دخلت هذه في قوله «لفارساً» ونحوه، فلو أدخلت «علمت» على مثل: إن وجدك زيدا لكاذبا، فقلت: علمت إن وجدك زيد لكاذباً. لوجب انفتاح «إن» إذ ليس في الكلام شيء يعلق الفعل عنها، ولم يجب أن يكون في «إن» ضمير القصة من هذه المسألة، كما تقول «أن» في مثل قوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ)[1]ضمير، لأن هذا الضمير إنما يكون في «أن» المخففة من «أن» الشديدة، وليست هذه تلك، إنما هي «أن» التي كانت قبل دخول الفعل عليه، «أن» التي لا تمتنع من الدخول على الفعل لزوال العلة التي كانت تمنعها من الدخول عليه، وهي ثقيلة، وكما تقول في حال انكسارها نحو: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) «2» إنه لا ضمير فيه كذلك تقول في حال انفتاحها بعد الفعل: إنه لا ضمير فيها. والوجه أن تقول: إنه لا ضمير فيه، في نحو: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) «3» وإنه دخل على الفعل كما دخل على الاسم، لأنه حرف وضعه للتأكيد، فالصنفان جميعاً يؤكدان، وإنما امتنع من الدخول على الفعل في حال التثقيل لشبهه بالفعل، وكما لم يدخل فعل على فعل كذلك لم تدخل هذه مثقلة عليه، وهذه العلة زائلة عنها في حال التخفيف، فيجب أن تدخل عليها، فإذا قلنا: علمت أن قد وجدك زيد لكاذباً لم تدخل اللام، كما كانت تدخل قبل دخول «علمت» ، ولم يمنع الفعل من فتح «أن» شيء، وارتفعت الحاجة إليها مع دخول «علمت» ، لأن «علمت» يفتحها، إذ لا مانع لها من فتحها، فإذا فتحتها لم تلتبس «بإن» التي ينفي بها، ولولا
[1]المزمل: 20.
(3- 2) الفرقان: 42.
فتحها إياها لاحتيج إلى اللام، لأن «علمت» من المواضع التي يقع فيها النفي كما وقع بعد «ظننت» في نحو قوله: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ)[1]. فلو بقيت «إن» على كسرتها بعد «علمت» للزمتها اللام، وكان ذلك واجباً لتخليصها من النفي، فإذا لم تبق على الكسرة فلا ضرورة إلى اللام، فإن شئت قلت:
إذا أدخلت «علمت» عليها حذفت اللام لزوال المعنى الذي كانت اللام اجتلبت له، وإن شئت قلت. أتركها ولا أحذفها، فتكون كالأشياء التي تذكر تأكيداً من غير ضرورة إليه، وذلك كثير في الكلام.
فأما قول أبي الحسن: ويدخل على من زعم أن هاهنا ضميراً أن تقول له: كيف تصنع. إلى آخر الباب؟
فذلك من قوله يدل على انه جعل اللام التي في نحو: إن وجدت زيداً لكاذباً، لام ابتداء، وقد بينا فساد ذلك، وكيف يجوز أن تكون هذه لام الابتداء وقد دخلت في نحو قوله: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)[2]وليس في هذا الكلام شيء يصلح أن تدخل عليه لام الابتداء البته، ولا يوجد فيها شرطه ووصفه، وقد بينا ذلك، ولا يصلح أن يكون في «إن» هذه ضمير، من حيث ذكرت قبل.
وأما قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)[3]، من خفف «إن» ونصب بها «كلا» فهو الذي حكاه سيبويه، ويكون «لما» : ما، صلة فصل بها بين لام «إن» ولام القسم.
ومن قال: «وإن كلا لما» فشدد، كان «لما» مصدراً، لقوله: «كلا لما» ، لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف.
[1]فصلت: 48.
[2]الأعراف: 102.
[3]هود: 111.