فتحها إياها لاحتيج إلى اللام، لأن «علمت» من المواضع التي يقع فيها النفي كما وقع بعد «ظننت» في نحو قوله: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ)[1]. فلو بقيت «إن» على كسرتها بعد «علمت» للزمتها اللام، وكان ذلك واجباً لتخليصها من النفي، فإذا لم تبق على الكسرة فلا ضرورة إلى اللام، فإن شئت قلت:
إذا أدخلت «علمت» عليها حذفت اللام لزوال المعنى الذي كانت اللام اجتلبت له، وإن شئت قلت. أتركها ولا أحذفها، فتكون كالأشياء التي تذكر تأكيداً من غير ضرورة إليه، وذلك كثير في الكلام.
فأما قول أبي الحسن: ويدخل على من زعم أن هاهنا ضميراً أن تقول له: كيف تصنع. إلى آخر الباب؟
فذلك من قوله يدل على انه جعل اللام التي في نحو: إن وجدت زيداً لكاذباً، لام ابتداء، وقد بينا فساد ذلك، وكيف يجوز أن تكون هذه لام الابتداء وقد دخلت في نحو قوله: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)[2]وليس في هذا الكلام شيء يصلح أن تدخل عليه لام الابتداء البته، ولا يوجد فيها شرطه ووصفه، وقد بينا ذلك، ولا يصلح أن يكون في «إن» هذه ضمير، من حيث ذكرت قبل.
وأما قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)[3]، من خفف «إن» ونصب بها «كلا» فهو الذي حكاه سيبويه، ويكون «لما» : ما، صلة فصل بها بين لام «إن» ولام القسم.
ومن قال: «وإن كلا لما» فشدد، كان «لما» مصدراً، لقوله: «كلا لما» ، لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف.
[1]فصلت: 48.
[2]الأعراف: 102.
[3]هود: 111.
وأما قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)[1]، و (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ)[2]فشدد، وكذلك: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا)[3]، فشدد قوم، وأما من خفف فسهل سائغ، و «إن» على قراءته هي المخففة من الثقيلة المكسورة الهمزة المعلمة عمل الفعل، وهي إذا خففت لزمتها اللام لتفصلها من النافية وتخلصها منها، ولهذا المعنى جاءت هذه اللام، وقد تكون «ما» صلة.
فأما من ثقل فقال «لما» ، قيل: إن «لما» بمنزلة: إلا.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت، ولم فعلت؟ لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما «أقسمت» هاهنا، كقولك:
والله؟ فقال: وجه الكلام ب «لتفعلن» هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبهوه ب «نشدتك الله» ، إذ كان فيه معنى الطلب.
قال أبو علي: ففي هذا إشارة من سيبويه إلى أنهم استعملوا «لما» حيث يستعملون فيه «إلا» .
وقال قطرب: حكاه لنا الثقة، يعني كون «لما» بمعنى «إلا» .
وحكى الفراء عن الكسائي أنه قال: لا أعرف جهة التثقيل.
وقال الفراء في قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)[4]الوجه التخفيف، ومن ثقل إن شئت أردت: وإن كل لمن ما جميع، ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتها، مثل قوله:
طفت علماء[5]علة حاتم
[1]يس: 32. [.....]
[2]الطارق: 4.
[3]الزخرف: 35.
[4]يس: 32.
[5]أي: على الماء فحذف الياء من «على» والهمزة من «الماء» وسيأتي كلام المؤلف على هذا (ص 759) .
والوجه الآخر من التثقيل أن تجعلوا «لما» بمنزلة «إلا» مع «إن» خاصة، فتكون في مذهبها.
وقال أبو عثمان المازني، فيما حكاه عنه أبو إسحاق: الأصل «لما» فثقل.
فهذا ما قيل في تثقيل «لما» من هذه الآي الثلاث، أعني قوله:
(وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ)[1]، وقوله: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) ،[2]وقوله: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ)[3].
ويجوز أن يتأول على هذا الذي قيل من أن معنى «لما» ك «إلا» على أن يكون «إن» فيها هي النافية، لا يمتنع ذلك في شيء منها.
فأما قوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)[4]، فلا يجوز فيه هذا التأويل ولا يسوغ، ألا ترى أنك لو قلت: إن زيداً إلا لمنطلق، لم يكن لدخول إلا مساغ ولا مجاز.
فإن قال: أو ليس قد دخلت «إلا» بين المبتدأ وخبره في المعنى، فيما حكاه سيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، و «إن» مثل «ليس» في دخولها على المبتدأ وخبره؟
قيل. إنه ذكر: أن قوماً يجرون «ليس» مجرى «ما» ، كما أجروها مجراها، فقولهم: ليس الطيب إلا المسك، كقولهم: ما الطيب إلا المسك، ألا تراهم رفعوا المسك كما يرتفع خبر «ما» في نحو ذا، ولم يتأول سيبويه
[1]يس: 32.
[2]الزخرف: 35.
[3]الطارق: 4.
[4]هود: 111.
«ليس» على أن فيه ضمير القصة والحديث، لما كان، لا يرى في هذا التأويل، من إدخال «إلا» بين المبتدأ والخبر، فلا مساغ لتثقيل «لما» في هذه الآية على/ انه يكون بمنزلة «إلا» .
فأما ما قاله الفراء من قوله: إن هي لمن ما، ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتهن، فلا تخلو «ما» هذه التي قدرها هاهنا من أن تكون زائدة أو موصولة، فلا يسهل أن تكون موصولة، لأن التقدير يكون: لمن الذين هم جميع لدينا محضرون.
وقلت: قولي «هم جميع لدينا» صلة «الذين» ، و «الذين» مع صلته بمنزلة اسم واحد في صلة «من» ، و «محضرون» خبر «ما» الذي بمعنى «الذي» ، والاسم وخبره صلة «من» ، فقولك غير جائز، لأن «من» على هذا لم يرجع من صلته إلى شيء، فهذا التقدير في هذه الآية غير متأت.
وأما قوله: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا)[1]، فلا يجوز فيه ذلك أيضاً، ألا ترى أنك إن قدرت «ما» زائدة، كان المعنى: وزخرفاً[2]وإن كل ذلك متاع الحياة الدنيا. و «الزخرف» وما قبله من المذكور لا يكون من في المعنى، فلا يكون من المتاع. فهذا قول ساقط مستكره لانكساره وتجويز مالا يجاز فيه، حيث يوجد لتأويله مجاز، وإن كان غير هذا الوجه من حذف الحرف من «من» ، وحذفه غير سائغ، لأن أقصى أحوالها أن تكون كالمتمكنة، والمتمكنة إذا كانت على حرفين لم تحذف، إنما تحذف من الثلاثة لتصير على حرفين، فإذا بلغ ذلك لم يكن بعده موضع حذف، هذا على «إن» من غير متمكنة، والحذف فيها وفي ضربها غير موجود.
[1]الزخرف: 35.
[2]بدء الآية، والآية (وزخرفا وإن) .
فأما «لدن» فهو على ثلاثة أضرب، وقد قلنا فيه فيما تقدم. وكذلك ما قالوه من قولهم: م الله لأفعلن. قال العجّاج:
خالط من سلمى خياشيم وفا
موضع ضرورة، فأما ما ذكره الفراء من الحذف من «لمن ما» كالحذف من قولهم «علما» .
فالذي نقول: إن الحذف أحد ما تخفف به الأمثال إذا اجتمعت، وهو على ضربين:
أحدهما: أن يحذف الحرف مع جواز الإدغام كقولهم: بخ بخ، في: بخٍ بخٍ.
والآخر أن يحذف لامتناع الإدغام في الحرف المدغم فيه لسكونه، وإن الحركة غير متأتية فيه مثل «علما» ، أو لأن الحرف المدغم يتصل بحرف إذا أدغم فأسكن لزم تحريك ما قبله، وهو مما لا يتحرك، مثل «يسطيع» ، فلا يشبه قولهم «علما» إذا أرادوا: على الماء، ما شبهه به لو أريد به: لمن ما لأنك لو أدغمت اللام من «على» في التي للتعريف للزم تحريكها، وهي ما يلزمه السكون، ولذلك اجتلبت معها همزة الوصل، فلما كان كذلك حذفت اللام الأولى، وليس كذلك «لمن ما» ، ألا ترى إن الحرف المدغم فيه هنا متحرك وليس بساكن، فلا يشبه هذا ما شبهه به. فإن قلت: اجعله مما ذكرته مما يحذف الحرف فيه مع جواز الإدغام ك «بخ» قيل: هذا يمتنع من وجهين:
أحدهما: إنه منفصل و «بخ» متصل، والمنفصل في الإدغام ليس كالمتصل، إذ لا يلزم لزومه، وإن التقدير باتصاله الانفصال، ألا ترى أنك تظهر مثل: جعل لك، و: قعد داود، ونحوه من المفصل، ولو كان متصلاً لم يجز
إلا الإدغام، وكما لم يستثقل اجتماع الأمثال، لما كان التقدير بها الانفصال في هذه الأشياء، كذلك لا يستثقل في «لمن ما» اجتماع الأمثال.
وأيضاً فإذا لم يدغم مثل: «قوم موسى» ، من أدغم مثل: «جعل لك» ، لكراهية تحريك الساكن في المنفصل، فأن يكره الحذف أولى، لأن التغيير بنقل حركة ثابتة في الحرف أسهل من حذف حرف بكثير، ألا ترى إلى كثرة ما ينقلون من الحركات للإدغام في المتصل، وقلة حذف الحرف للإدغام في المتصل، فإذا امتنعوا من الكثير الذي أنس به في المتصل كان أن يمتنعوا من القليل الذي لم يأنسوا به في المنفصل أولى.
والآخر[1]: أن الحذف في هذا قياساً على «بخ» لا يجوز لما أعلمتك من قلته، وأنا لا نعلم له مثلاً فلا مساغ للحمل على هذا الضيق القليل، مع ما ذكرته لك من الفصل بين المنفصل والمتصل، وعلى أن «بخ» ليس لنا أن نقول إنه حذف، لاجتماع المثلين دون أن تجعله محذوفاً على حد بناء جاء على علته غيره من ذوات الثلاثة المحذوفة، لأنها كحذف «دد» ونحو ذلك، فقول الفراء في هذا فاسد في المعنى من حيث أريتك، وفي اللفظ لما ذكرته من امتناع حذف «من» قبل الإدغام وبعد الإدغام. وقول المازني أيضاً ليس بالجيد، لأن الحروف يخفف مضاعفها، ك «أن» و «ربّ» ، ونحو ذلك، ولا ينقل إلى أنه أقرب إلى الصواب، لأن الدخل فيه من جهة اللفظ دون المعنى، فأما ما حكوه من كون «لما» / بمعنى «إلا» فمقبول، ويحتمل أن تكون الآي الثلاث عليه، كما أعلمتك، وتكون «إن» النافية.
قال: وقد رأينا نحن في ذلك قولاً لم أعلم أحداً تقدمنا فيه، وهو أن تكون «لما» هذه في قول من شدد في هذه الآي «لم» النافية دخلت
[1]هذا ثاني الوجهين.
عليها «ما» فهيأتها للدخول على ما كان يمتنع دخولها عليه قبل لحاق «ما» لها، ونظير ذلك: إنما أنذركم بالوحي، ولعلما أنت حالم، وما أشبهه، وربما أوفيت.
ألا ترى أنها هيأت الحرف للدخول على الفعل، فكأنه في التقدير:
إن كل نفس لما عليها، أي: ليس كل نفس إلا عليها حافظ، نفياً لقول من قال: كل نفس ليس عليها حافظ، أي: كل نفس عليها حافظ.
ف «إن» على هذا التقدير تكون النافية الكائنة بمعنى «ما» ، والقراءة بالتثقيل على هذا تطابق القراءة بالتخفيف، لأن المعنى يؤول إلى: كل نفس عليها حافظ، مثل قوله: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ)[1]إلا أنه أكد ب «إن» ، والقراءة بالتخفيف «لما» أسهل مأخذاً وأقرب متناولاً.
وأما تقدير قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)[2]كأنه قيل:
كل ما جميع لدينا محضرون، على ما كانوا ينكرونه من أمر البعث حتى حمل عظيم إلى النبي- صلى الله عليه وعلى آله- فقيل له: أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ وكما حكي في التنزيل من قولهم: (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)[3]في كثير من الآي تحكي عنهم أنهم ينكرون فيها البعث، فقيل لهم: كل ما جميع لدينا محضرون، نفي لقولهم: كلهم ليس يجمعون عند الله ولا ينشرون.
[1]ق: 18.
[2]يس: 32.
[3]المؤمنون: 82. [.....]
وأما قوله: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ)[1]فكأنه قيل: كل ذلك ليس متاع الحياة الدنيا، فنفى ذلك بأن قيل: ليس ذلك ليس متاع، وإذا نفي أنه كله ليس متاع الحياة الدنيا، أي: ليس شيء من ذلك للكافر يقربه إلى الله وإلى الدار الآخرة إنما هو متاع الدنيا والعاجلة.
وأما قوله: (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ)[2]قيل: التقدير: ما كنا فاعلين، وليست «إلا» معها.
فأما قوله: (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ)[3]على أنه لا ولد له. وقيل: إن كان للرحمن ولد على الشرط فأنا أول العابدين، على انه لا ولد له صح وثبت، ولا يكون ذلك أبداً كما قال عيسى: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)[4]أي إن صح وثبت أني كنت قلته فيما مضى فقد علمته.
[1]الزخرف: 35.
[2]الأنبياء: 17.
[3]الزخرف: 81.
[4]المائدة: 116.