ولا تعريف «صاحبك» ، وباقترانه معهما لأنه لا يتغير «زيد» عن تعريف العلم، ولا صاحبك عن تعريف الإضافة باقترانها بهذا، ولأنا نقول: إن وضع الاسم العلم في أول أحواله لشيء بينٌ به من سائر الأشخاص، كوضع هذا في الإشارة لشيء بعينه، فاجتمع في معنى ما وصفنا في المعرفة وفصله العلم بثبات له بذكر حال، أو زوال الاسم عن المشار إليه فى الغيبة.
الباب التاسع والسبعون
باب ما جاء في التنزيل وذكر الفعل وكنى عن مصدره وذكر سيبويه هذا في كتابه، وحكى عنهم: (من كذب كان شرًّا له) وتلا الآية (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ)[1]، فقال: التقدير: البخل خيرا لهم، وكنى عنه بقوله «يبخلون» . وقد تقدم شرح هذا في هذا الكتاب[2].
ومن ذلك قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)[3]أي: العدل هو أقرب للتقوى.
وقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ)[4]، أي: الاستعانة.
وقال: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ)[5]، في قراءة الدمشقي، أي: اقتد اقتداء.
وفى بعض القراآت: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها)
«6» ، بإضافة «كل» إلى «وجهة» .
وزعم الفارسي أن الهاء كناية عن المصدر في «موليها» ، أي: مولى التولية.
ولا يكونِ كُلٍّ وِجْهَةٌ)
«7» لأن الفعل إذا تعدى باللام إلى المفعول لا يتعدى بغير اللام، ولا ما أنشده صاحب «الكتاب» :
هذا سراقة للقرآن يدرسه[8]
[1]آل عمران: 180.
[2]الباب السادس والستون (ص: 841) .
[3]المائدة: 8.
[4]البقرة: 45.
[5]الأنعام: 90.
(7- 6) البقرة: 148.
[8]صدر بيت، عجزه:
والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
(الكتاب 1: 437) .
أي: يدرس الدرس، ولا يكون للقرآن، لما ذكرنا.
وبقوله:
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه[1]
أي: نلت النيل، ولا يكون «لكل» لما ذكرنا.
وقيل في قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)[2]، أي: يذرأ الذرء، فالهاء كناية عن المصدر.
وقال: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)[3].
فأما قول القائل لامرأته: إن خرجت من الدار إلا بإذني فأنت طالق، فقد قالوا: إن التقدير: إن خرجت من الدار إلا خروجا بإذني، فأضمر الخروج، فلإن «خرجت» يدل عليه، والباء من صلة المصدر، وكأن التقدير: إلا خروجا/ بإذني، فيحتاج في كل خرجة إلى الإذن. ولو قال: إلا أن آذن، فأبو زكريا يجعله بمنزلة «إلا بإذني» ، «لإن «إن آذن» بمنزلة «إذنى» . وأبو حنيفة يجعل «إلا أن آذن» بمنزلة «حتى آذن» فيكفى المرة الواحدة، لأن «حتى آذن» غاية، فيجرى «إلا أن آذن» مجراه.
وأما قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)[4]فالتقدير، إلا قولا بمشيئة الله، أي: قولا مقترنا بمشيئة الله، وهو أن نقول:
[1]البيت لزهير بن جناب الكلبي. (شعراء النصرانية 1: 210) .
[2]الشورى: 11.
[3]البقرة: 282.
[4]الكهف: 23.
أفعل إن شاء الله، ومثل هذا، أعنى إضمار المصدر، قول أبي قيس الأسلت الأنصاري:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... يخالف والسفيه إلى خلاف[1]
أي: جرى إلى السفه. وقال في الحماسة:
لم أر قوماً مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومه فخراً[2]
أي: أقل بالخير، فالهاء يعود إلى «الخير» الذي هو مصدر، ولا يعود إلى «خير قومهم» لأنه اسم، ف «قوما» هو المفعول الأول، «ومثلنا» من نعته، و «خير قومهم» بدل و «أقل» هو المفعول الثاني، و «فخرا» تمييز.
أي: أقل فخرا بالخير منا على قومنا، يعنى: نحن لا نبكي على قومنا، فليس هناك أقل فخرا بالخيرية على قومه منا.
[1]الرواية في شرح الحماسة (1: 239) : «إذا زجر السفيه.. فخالف» . [.....]
[2]البيت لزيادة الحارثي. (شرح الحماسة 1: 238) .
الباب المتم الثمانين
باب ما جاء في التنزيل عبر عن غير العقلاء بلفظ العقلاء وقد تقدم بعض ذلك في عرض كلامنا.
فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ)[1].
يعني ب «الذين» : الأصنام. والتقدير: إن الذين تدعونهم، فحذف العائد.
وقال: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)[2]. يعني: الأصنام.
أي: لا تسبوا الذين تدعونهم، أي: يدعوهم المشركون، ف «الواو» ضمير المشركين، فحذف العائد.
وقال: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ)[3]. يعني:
الأصنام، يدعونهم المشركون، فلا يستجيبون للمشركين بشيء.
وهكذا: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)[4]، أي: الذين يدعوهم المشركون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، إلا أنهم هاهنا اختلطوا بالملائكة فغلب جانبهم، / وجرى الفعل في هذه الأشياء صلة على غير من هو له، ولم يبرز الضمير خلاف اسم الفاعل الجاري على غير من هو له حيث يجب إبراز الضمير، فقد صح قوله: إن الفعل لما كان على صيغ مختلفة، وله علامات لم يحتج إلى إبراز الضمير، بخلاف الفاعل، ولمّا عدّوهم
[1]الأعراف: 194.
[2]الأنعام: 108.
[3]الرعد: 14.
[4]الإسراء: 57.
معبودين جرى عليهم ما جرى على العقلاء، كما قال الله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ)[1]، وقوله: (أَتَيْنا طائِعِينَ)[2]. لما وصفوا بالسجود والطاعة جاز جمعهم بالواو والنون، وقوله: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ)[3]، وقوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)[4]، وقوله: (وَالسَّماءِ وَما بَناها)[5]، وقوله: (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ)[6].
فقد تقدم في هذا الكتاب.
ومثل ما تقدم قوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ)[7].
وقال: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ)[8].
وقال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)[9].
فهذا بخلاف قوله: (ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)
[10].
وقوله: (ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ)[11].
فجاء في وصفهم مرة بلفظ العقلاء، ومرة بلفظ غير العقلاء.
وقال: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها)[12]، إلى آخر الآية.
[1]يوسف: 4.
[2]فصلت: 11.
[3]النساء: 3.
[4]النساء: 24.
[5]الشمس: 5.
[6]الكافرون: 2 و 3.
[7]الأعراف: 197.
[8]فاطر: 14.
[9]الشعراء: 72 و 73. [.....]
[10]مريم: 42.
[11]يونس: 106.
[12]الأعراف: 195.
الباب الحادي والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل وظاهره يخالف ما في كتاب سيبويه وربما يشكل على البزل[1]الحذاق فيغفلون عنه فمن ذلك قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «2» ، قال سيبويه: ونقول: هؤلاء ثلاثة نفر قرشيون، وثلاثة مسلمون، وثلاثة صالحون، فهذا وجه..[3]كراهية أن يجعل الصفة كالاسم، إلا أن يضطر شاعرهم.
وهذا يدلك على أن، «النسابات» ، إذا قال: ثلاثة نسابات، تجىء كأنه وصف لمذكر، لأنه ليس موضعا تحسن فيه الصفة كما يحسن الاسم، فلما لم يقع إلا وصفا صار المتكلم كأنه قد لفظ بمذكرين ثم وصفهم بها.
وقال الله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «4» ، إنما استجاز حذف الموصوف هنا على تقدير: فله عشر حسنات أمثالها، لأنه لما أضيف عشر إلى الأمثال، والأمثال، وإن كان وصفا، فقد جرى مجرى الأسماء حتى يستحسن إقامته مقام الاسم، كقوله تعالى:
(ثُمَّ لا يَكُونُوا/ أَمْثالَكُمْ)[5]، وقال: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ)[6]، ويقال:
مررت بمثلك ومثلك لا يفعل كذا. وفي التنزيل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[7]لولا ذلك لقبح عنده هذا التقدير.
وقد تقدم نبذ من هذا في هذه الأجزاء.
[1]البزل: جمع بازل، وهو في الأصل وصف للجمل الذي يبلغ التاسعة، ويوصف به الرجل إذا كمل عقلا وتجربة.
(4- 2) الأنعام: 160.
[3]مكان هذه النقط كلمة مطموسة.
[5]محمد: 38.
[6]النساء: 140.
[7]الشورى: 11.
ومن ذلك ما أجمع عليه الفراء، غير نافع وأبي عامر. في قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا)[1]بالنصب. وقد قال سيبويه: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف،
وهو نحو من قوله: ... وألحق بالحجاز فأستريحا[2]
فهذا يجوز وليس بالجيد، إلا أنه في الجزاء أمثل قليلا، لأنه ليس يوجب أنه «يفعل» ، إلا أن يكون من الأول «فعل» ، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله، إذ قال: ولا أعطيك، وإنما هو في المعنى كقوله: أفعل إن شاء الله، فأوجب بالاستثناء. قال الشاعر، فيما جاء منصوبا بالواو في قولك: إن تأتني آتك وأعطيك:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجراًّ ومسحبا[3]
وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا[4]
فإنما نصبوا الميم في «ويعلم» ولم يكن قبيحا، كما ذكره سيبويه، لأنه مع جواز النصب تأتي فيه تبعية اللام، ألا ترى أن اللام مفتوحة، فاجتمع فيه سببان، فحسن ما لم يحسن مع سبب واحد.
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)[5]وقد قال سيبويه بعد أشياء يختار فيها الرفع: وكذلك، إني زيد لقيته، وإنّى عمرو
[1]الشورى: 35.
[2]عجز بيت صدره:
سأترك منزلي لبني تميم
(الكتاب 1: 423) .
[3]البيتان للأعشى. (الكتاب 1: 449) .
[4]كبكب: جبل.
[5]القمر: 49. [.....]