واسمع في قوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[1]، أي: إن ذلك منه.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) إلى قوله: (مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) «2» .
وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ) إلى قوله: (لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)[3].
ومنه: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)[4].
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)[5].
ظاهر هذه الآي أنه وضع الظاهر موضع المضمر، ألا ترى أنه قال في الأولى: (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ) «6» أي: مصدق له، ليعود الهاء إلى قوله (لَما آتَيْتُكُمْ) ، فموضع «ما» موضع «الهاء» . وكذلك في الآي بعدها تقديره، «إنا لا نضيع أجرهم» ، فوضع الظاهر موضع المضمر. وقد قال[7]: وتقول: ما زيد ذاهبا ولا محسنٌ زيدٌ، الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت: ما زيد منطلقا، «زيد» لم يكن حد الكلام وكان هاهنا ضعيفا، / ولم يكن كقولك: ما زيد منطلقا، هو لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد منطلقا أبو زيد، لم يكن كقولك: ما زيدٌ منطلقا أبوه
[1]الشورى: 43.
(6- 2) آل عمران: 81.
[3]الأعراف: 170.
[4]يوسف: 90.
[5]الكهف: 30.
[7]يريد: سيبويه. (الكتاب 1: 30) .
لأنك قد استغنيت عن إظهاره، فلما كان هذا كذلك أجرى مجرى الأجنبي واستؤنف على حياله، حيث كان ضعيفا فيه. وقد يجوز أن تنصب.
قال سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا[1]
فأعاد الإظهار. وقال الجعدي:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها ... سواقط من حرٍّ وقد كان أظهرا[2]
والرفع فيه الوجه.
قال أبو الحسن: النصب في لغة أهل الحجاز لا يكون غيره في قوله:
ما زيد منطلقا زيد، لأنك إن جعلت «زيدا» بمنزلة الأجنبي لم يكن كلاما، فأنت إذا أعدت «زيدا» ، فكأنك قلت: ما زيد منطلقا هو، ولا يكون على غير ذلك في لغة أهل الحجاز، وإنما رفعت: «ولا يسيء معن» على الإبتداء، وعلى لغة بني تميم لأنك إذا قلت: ما معن بتارك حقه، استغنى الكلام.
قلت: فالآية الأولى محمولة على إضمار «به» أي: ثم جاءكم به، والآي الأخر محمولة على إضمار «منهم» ، أي: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، وأجر المصلحين منهم، وأجر المحسنين منهم.
فأما قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ)[3]فليس على: «وهو الذى في السماء هو» ، فوضع الظاهر موضع المضمر، ولكن على حذف المبتدأ، وهو الذي هو
[1]الكتاب (1: 30) . [.....]
[2]الكتاب (1: 31) .
[3]الزخرف: 84.
في السماء إله، فحذف «هو» لطول الكلام، وليس هذا كقوله تعالى:
(تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «1» فيمن رفع، ولا: (ما بَعُوضَةً)[2]، ولا كقوله:
ينسون ما عواقبها[3]
لأن الكلام لم يطل، مع أنه قد استمر الحذف على مذهبه من صلة «أي» ، نحو: اضرب أيهم أفضل.
وقال: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ)[4]والتقدير: أيهم هو أشد، وهو مستحسن هنا جدا بخلاف: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «5» ، على ما قالوا، فهذا يوجب أن قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)[6]وأخواته يكون على:
ومن هو عنده، فيكون الظرف جار يا مجراه في قوله: زيد عندك. ولا يصلح الاستدلال به في قيامه مقام الفعل، لأن الموصولة توصل بالجملة، ألا ترى استمرار حذف «هو» في «أيهم أشد» .
فهذا ما حضرنا الآن، فإن وقع لي فصل بين «وأيهم» فيما بعد والرجوع نبهتك على ذا إن شاء الله.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)[7]حمل سيبويه نصب قوله «ويعلم» على الصرف[8]، وهي قراءة الجمهور إلا الحسن، فإنه قرأ: «ويعلم الصابرين» بكسر الميم. وقالوا: إنه مجزوم بالعطف على «يعلم الله» . وهذا الإجماع هنا مخالف لما جاء فى قوله:
(5- 1) الأنعام: 154.
[2]البقرة: 26.
[3]جزء من بيت، وقد مر (ص: 828) .
[4]مريم: 69.
[6]الرعد: 43.
[7]آل عمران: 142.
[8]يعني: الصرف عن التشريك لما بعدها في إعراب الفعل الذي قبلها، وليس النصب على الصرف من اصطلاح البصريين. (البحر 3: 375) .
(أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ)[1]حيث أجمعوا على جزم «نمنعكم» بعد قوله «ألم نستحوذ» ، فلعلك تشك أن النصب والجزم هنا متعارضان، وتحتج في كل واحد منهما بآية، فلا بد وأن أبين لك ذا وأقول: إن الجزم أحسن من النصب على ما جاء في «ونمنعكم» ، وإنما نصب «نمنعكم» ابن أبي عبلة، وهو شاذ.
فأما قوله تعالى: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)[2]، فإنه مجزوم ليس بمنصوب، ولكنه فتح لالتقاء الساكنين تبعا للام، فهذه فتحة بمنزلة الكسرة.
فأما قوله تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ)[3]، فإنه جاء مرفوعاً مقطوعا عن الأول، إلا ما روى عن ابن ميسرة حيث نصب «ويعلم ما في السماوات» ، حمله إما على الصرف أو على التبعية.
قال سيبويه[4]: في قوله «أنت فانظر لأي أمر تصير» وجوها، منها:
إن التقدير: أنت الهالك، فحذف الخبر. وقال: ولا يكون على أن تضمر «هذا» لأنك تشير للمخاطب إلى نفسه، ولا يحتاج إلى ذلك، وإنما تشير له إلى غيره، ألا ترى أنك لو أشرت له إلى شخصه فقلت:
هذا أنت، لم يستقم.
وقال في حد الإضمار فصلا طويلا: «حدثنا يونس تصديقا لقول أبي الخطاب، أن العرب تقول: هذا أنت تقول كذا وكذا، ولم ترد بقولك:
هذا أنت، أن تعرفه نفسك، كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره، هذا محال، ولكنه أراد أن ينبهه كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت» . وإن شئت لم تعدها فى هذا الباب.
[1]النساء: 141.
[2]آل عمران: 142.
[3]آل عمران: 29.
[4]الكتاب (1: 379) .
/ قال الله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «1» وقد قال أبو سعيد[2]في شرح «هذا» في الفصل الأول: ويجوز هذا أنت. وإذا صرنا إلى ذلك بينا. ثم صار إلى ذلك الموضع، قال: والذي حكاه أبو الخطاب عن العرب من قوله: هذا أنا، وأنا هذا، هو في معنى: ها أنا ذا، ولو ابتدأ إنسان على غير الوجه الذي ذكرناه فقال: هذا أنت، وهذا أنا، يريد أن يعرفه نفسه، كان محالا، لأنه إذا أشار إلى نفسه فالإخبار عنه ثابت لا فائدة فيه، لأنك إنما تعلمه أنه ليس غيره، ولو قلت: ما زيد غير زيد، وليس غير زيد، كان لغواً لا فائدة فيه، وإذا قلت: هذا أنت، والإشارة إلى غير المخاطب جاز، وبمعناه: هذا مثلك، كما تقول: زيد عمرو، على معنى: زيد مثل عمرو.
والذي حكاه يونس عن العرب: هذا أنت تقول كذا وكذا، هو مثل قوله:
(ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «3» لأن قولهم: هذا أنت، كقولك: أنت هذا، أحدهما مبتدأ والآخر خبره، أيهما شئت جعلته المبتدأ والآخر الخبر.
والوجه الآخر في قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «4» أن يكون «أنتم» مبتدأ، و «هؤلاء» الخبر، و «تقتلون» في موضع الحال.
والكوفيون يزعمون أن التقدير: ثم أنتم تقتلون، ابتداء وخبر، و «هؤلاء» دخل للتقريب.
ويجوز أن يكون «هؤلاء» بمعنى «الذين» ، أي: الذين تقتلون أنفسكم، كما جاز: أنت الذي فعلت. وقد ذكرنا أنه لا يحمل على: «ثم أنتم يا هؤلاء»
(4- 3- 1) البقرة: 85. [.....]
[2]هو: أبو سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله، توفي سنة 368 هـ. ومن كتبه: شواهد سيبويه.
والمدخل إلى كتاب سيبويه. (البغية) .
لأنه يقال: يا أي هؤلاء، والأمر موقوف بعد.
وإن راجعنا مرة أخرى فربما يتضح لك أكثر من هذا إن شاء الله.
ومن ذلك قراءة من قرأ: (الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ)[1]، بالنصب.
وقوله: (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
[2]بالنصب.
وقد قال في الكتاب[3]: لو قلت: مررت برجل سواء أبوه وأمه، ومررت برجلٍ خير منك أبوه وأمه، فتجريه على الأول وتحمله فى الثاني، كان قبيحا، وهي لغة رديئة، قال: والوجه الرفع. انتهت الحكاية عنه.
ومعاذ الله أن تحمل قراءة بعض الأئمة على اللغة الرديئة، لا سيما وهم من السبعة. والوجه في ذلك أن تجعل «سواء» . الذي هو مصدر. بمعنى الفاعل، أي: مستويا فيه العاكف والبادي، ومستويا محياهم ومماتهم، قال:
وهل كفلائي في الوفاء سواء
أي مستوون، لولا ذلك لم يقدم الجار عليه، ولما كان الأمر في نصب «سواء» كما زعمه سيبويه نصب من نصب «محياهم ومماتهم» إلى «سواء» في «محياهم ومماتهم» ، كيلا يرفع به، فيكون على اللغة الرديئة، ولم ير موضع المصدر موضع الفاعل ابن عيسى ولا غيره، ممن نصب «محياهم ومماتهم» .
ومن ذلك ما روى عن أبي عمرو. (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ)[4]. بإدغام الحاء في العين، بعد إجماعهم على إظهار «عنهم» .
[1]الحج: 25.
[2]الجاثية: 21.
[3]الكتاب (1: 229- 230) .
[4]آل عمران: 185.
قال أحمد: وذلك لكثرة الحروف في «زحزح عن النار» .
وروى عنه إدغام (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ)[1]. قال سيبويه:[2]ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قول بني تميم «محم» يريدون: «معهم» ، «ومحاؤلاء» يريدون: مع هؤلاء، ومما قالت العرب في إدغام الهاء مع الحاء قوله:
كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحي مر عقاب كاسر
يريدون: ومسحه، العين مع الحاء[3]، كقولك: أقطع حّملا، الإدغام حسن والبيان حسن، لأنهما من مخرج واحد، ولم تدغم الحاء في العين «امدح عرفة» لأن: الحاء قد يفزعون[4]إليها إذا وقعت الهاء[5]مع العين، وهي مثلها في الهمس والرخاوة، ومع قرب المخرجين. فأجريت مجرى الميم مع الباء، فجعلتها بمنزلة الهاء، كما جعلت الميم بمنزلة النون مع الباء، ولم تقو العين على الحاء، إذ كانت هذه قصتها. وهما من المخرج الثاني من الحلق، وليست حروف الحلق بأصل في الإدغام، ولكنك لو قلبت العين حاء فقلت: في «امدح عرفة» : «أمد حّرفة» ، جاز، كما قلت: اجنحة، تريد: اجبه عنبة، حيث أدغمت وحولت العين حاء. ثم أدغمت الهاء فيها.
[1]البقرة: 158.
[2]الكتاب (2: 413) .
[3]يريد أنه أخفى الهاء عند الحاء، وسماه إدغاما لأن الإخفاء عنده ضرب من الإدغام.
[4]الكتاب: «يفرون» .
[5]الأصل: «أولها» وما أثبتنا من الكتاب.
الباب الثاني والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل من اختلافهم في لفظة «ما» من أي قسمة هي؟
فمن ذلك قوله تعالى: (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ)[1].
قيل: هي استفهام. وقيل: هي نفي.
ونظيره في الأخرى: (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) .[2]
ومن ذلك قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)[3]. قيل: «ما» نفي، وكرر «يتبعون» . والتقدير: ما يتبعون إلّا الظن. و «شركاء» منتصب. مفعول «يدعون» ، أي: ما يتبع داعو شركاء إلا الظن.
وقيل: «ما» استفهام. أي: أي شيء يتبع الكافرون الداعون؟
وقيل: «ما» بمعنى «الذي» . أي: لله من في السموات ومن في الأرض ملكا وملكا، والأصنام التي تدعوهم الكفار شركاء. ف «ما» يريد به الأصنام، وحذف العائد إليه من الصلة. و «شركاء» حال.
ومن ذلك قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)[4].
قيل: «ما» بمعنى، الذي. وقيل: «ما» نافية. فحينئذ يكون الابتداء بهما أولى.
[1]البقرة: 85.
[2]يوسف: 25.
[3]يونس: 66.
[4]القصص: 68. [.....]