بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 915

(أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ)[1]حيث أجمعوا على جزم «نمنعكم» بعد قوله «ألم نستحوذ» ، فلعلك تشك أن النصب والجزم هنا متعارضان، وتحتج في كل واحد منهما بآية، فلا بد وأن أبين لك ذا وأقول: إن الجزم أحسن من النصب على ما جاء في «ونمنعكم» ، وإنما نصب «نمنعكم» ابن أبي عبلة، وهو شاذ.
فأما قوله تعالى: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)[2]، فإنه مجزوم ليس بمنصوب، ولكنه فتح لالتقاء الساكنين تبعا للام، فهذه فتحة بمنزلة الكسرة.
فأما قوله تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ)[3]، فإنه جاء مرفوعاً مقطوعا عن الأول، إلا ما روى عن ابن ميسرة حيث نصب «ويعلم ما في السماوات» ، حمله إما على الصرف أو على التبعية.
قال سيبويه[4]: في قوله «أنت فانظر لأي أمر تصير» وجوها، منها:
إن التقدير: أنت الهالك، فحذف الخبر. وقال: ولا يكون على أن تضمر «هذا» لأنك تشير للمخاطب إلى نفسه، ولا يحتاج إلى ذلك، وإنما تشير له إلى غيره، ألا ترى أنك لو أشرت له إلى شخصه فقلت:
هذا أنت، لم يستقم.
وقال في حد الإضمار فصلا طويلا: «حدثنا يونس تصديقا لقول أبي الخطاب، أن العرب تقول: هذا أنت تقول كذا وكذا، ولم ترد بقولك:
هذا أنت، أن تعرفه نفسك، كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره، هذا محال، ولكنه أراد أن ينبهه كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت» . وإن شئت لم تعدها فى هذا الباب.
[1]النساء: 141.
[2]آل عمران: 142.
[3]آل عمران: 29.
[4]الكتاب (1: 379) .


صفحه 916

/ قال الله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «1» وقد قال أبو سعيد[2]في شرح «هذا» في الفصل الأول: ويجوز هذا أنت. وإذا صرنا إلى ذلك بينا. ثم صار إلى ذلك الموضع، قال: والذي حكاه أبو الخطاب عن العرب من قوله: هذا أنا، وأنا هذا، هو في معنى: ها أنا ذا، ولو ابتدأ إنسان على غير الوجه الذي ذكرناه فقال: هذا أنت، وهذا أنا، يريد أن يعرفه نفسه، كان محالا، لأنه إذا أشار إلى نفسه فالإخبار عنه ثابت لا فائدة فيه، لأنك إنما تعلمه أنه ليس غيره، ولو قلت: ما زيد غير زيد، وليس غير زيد، كان لغواً لا فائدة فيه، وإذا قلت: هذا أنت، والإشارة إلى غير المخاطب جاز، وبمعناه: هذا مثلك، كما تقول: زيد عمرو، على معنى: زيد مثل عمرو.
والذي حكاه يونس عن العرب: هذا أنت تقول كذا وكذا، هو مثل قوله:
(ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «3» لأن قولهم: هذا أنت، كقولك: أنت هذا، أحدهما مبتدأ والآخر خبره، أيهما شئت جعلته المبتدأ والآخر الخبر.
والوجه الآخر في قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «4» أن يكون «أنتم» مبتدأ، و «هؤلاء» الخبر، و «تقتلون» في موضع الحال.
والكوفيون يزعمون أن التقدير: ثم أنتم تقتلون، ابتداء وخبر، و «هؤلاء» دخل للتقريب.
ويجوز أن يكون «هؤلاء» بمعنى «الذين» ، أي: الذين تقتلون أنفسكم، كما جاز: أنت الذي فعلت. وقد ذكرنا أنه لا يحمل على: «ثم أنتم يا هؤلاء»
(4- 3- 1) البقرة: 85. [.....]
[2]هو: أبو سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله، توفي سنة 368 هـ. ومن كتبه: شواهد سيبويه.
والمدخل إلى كتاب سيبويه. (البغية) .


صفحه 917

لأنه يقال: يا أي هؤلاء، والأمر موقوف بعد.
وإن راجعنا مرة أخرى فربما يتضح لك أكثر من هذا إن شاء الله.
ومن ذلك قراءة من قرأ: (الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ)[1]، بالنصب.
وقوله: (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
[2]بالنصب.
وقد قال في الكتاب[3]: لو قلت: مررت برجل سواء أبوه وأمه، ومررت برجلٍ خير منك أبوه وأمه، فتجريه على الأول وتحمله فى الثاني، كان قبيحا، وهي لغة رديئة، قال: والوجه الرفع. انتهت الحكاية عنه.
ومعاذ الله أن تحمل قراءة بعض الأئمة على اللغة الرديئة، لا سيما وهم من السبعة. والوجه في ذلك أن تجعل «سواء» . الذي هو مصدر. بمعنى الفاعل، أي: مستويا فيه العاكف والبادي، ومستويا محياهم ومماتهم، قال:
وهل كفلائي في الوفاء سواء
أي مستوون، لولا ذلك لم يقدم الجار عليه، ولما كان الأمر في نصب «سواء» كما زعمه سيبويه نصب من نصب «محياهم ومماتهم» إلى «سواء» في «محياهم ومماتهم» ، كيلا يرفع به، فيكون على اللغة الرديئة، ولم ير موضع المصدر موضع الفاعل ابن عيسى ولا غيره، ممن نصب «محياهم ومماتهم» .
ومن ذلك ما روى عن أبي عمرو. (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ)[4]. بإدغام الحاء في العين، بعد إجماعهم على إظهار «عنهم» .
[1]الحج: 25.
[2]الجاثية: 21.
[3]الكتاب (1: 229- 230) .
[4]آل عمران: 185.


صفحه 918

قال أحمد: وذلك لكثرة الحروف في «زحزح عن النار» .
وروى عنه إدغام (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ)[1]. قال سيبويه:[2]ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قول بني تميم «محم» يريدون: «معهم» ، «ومحاؤلاء» يريدون: مع هؤلاء، ومما قالت العرب في إدغام الهاء مع الحاء قوله:
كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحي مر عقاب كاسر
يريدون: ومسحه، العين مع الحاء[3]، كقولك: أقطع حّملا، الإدغام حسن والبيان حسن، لأنهما من مخرج واحد، ولم تدغم الحاء في العين «امدح عرفة» لأن: الحاء قد يفزعون[4]إليها إذا وقعت الهاء[5]مع العين، وهي مثلها في الهمس والرخاوة، ومع قرب المخرجين. فأجريت مجرى الميم مع الباء، فجعلتها بمنزلة الهاء، كما جعلت الميم بمنزلة النون مع الباء، ولم تقو العين على الحاء، إذ كانت هذه قصتها. وهما من المخرج الثاني من الحلق، وليست حروف الحلق بأصل في الإدغام، ولكنك لو قلبت العين حاء فقلت: في «امدح عرفة» : «أمد حّرفة» ، جاز، كما قلت: اجنحة، تريد: اجبه عنبة، حيث أدغمت وحولت العين حاء. ثم أدغمت الهاء فيها.
[1]البقرة: 158.
[2]الكتاب (2: 413) .
[3]يريد أنه أخفى الهاء عند الحاء، وسماه إدغاما لأن الإخفاء عنده ضرب من الإدغام.
[4]الكتاب: «يفرون» .
[5]الأصل: «أولها» وما أثبتنا من الكتاب.


صفحه 919

الباب الثاني والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل من اختلافهم في لفظة «ما» من أي قسمة هي؟
فمن ذلك قوله تعالى: (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ)[1].
قيل: هي استفهام. وقيل: هي نفي.
ونظيره في الأخرى: (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) .[2]
ومن ذلك قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)[3]. قيل: «ما» نفي، وكرر «يتبعون» . والتقدير: ما يتبعون إلّا الظن. و «شركاء» منتصب. مفعول «يدعون» ، أي: ما يتبع داعو شركاء إلا الظن.
وقيل: «ما» استفهام. أي: أي شيء يتبع الكافرون الداعون؟
وقيل: «ما» بمعنى «الذي» . أي: لله من في السموات ومن في الأرض ملكا وملكا، والأصنام التي تدعوهم الكفار شركاء. ف «ما» يريد به الأصنام، وحذف العائد إليه من الصلة. و «شركاء» حال.
ومن ذلك قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)[4].
قيل: «ما» بمعنى، الذي. وقيل: «ما» نافية. فحينئذ يكون الابتداء بهما أولى.
[1]البقرة: 85.
[2]يوسف: 25.
[3]يونس: 66.
[4]القصص: 68. [.....]


صفحه 920

فأما قوله قبل الآية: (كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ/ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ)[1]يكون «أن يكون» نفيا.
وقيل: هي مصدرية، على تقدير: تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا، فيكون الجار محذوفا. والأول الوجه.
ومن ذلك قوله: (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ)[2]. وقرأ:
(وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) . فمن حذف الهاء كان «ما» نفيا، ومن أثبت كانت موصولة محمولة على ما قبله، أي: من ثمره ومن عمل أيديهم.
فأما قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ)[3]. فقيل: التقدير:
كانوا يهجعون قليلا. و «ما» صلة زائدة. وقيل: بل هي مصدرية، أي: كانوا قليلا يهجعونهم. وقيل: نفي. وقد تقدم ذلك.
وأما قوله: (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ)[4]. قرئ بالرفع والنصب.
فمن قرأها بالرفع كانت «ما» بمعنى «الذي» . أي: إن الذين اتخذتموهم أوثانا من دون الله مودة بينكم.
ومن نصب كانت «ما» كافة، ويكون «أوثانا» مفعولا أول، ويكون «مودة بينكم» مفعولا ثانيا، إن شئت، وإن شئت كان مفعولا له.
[1]القصص: 63.
[2]يس: 35.
[3]الذاريات: 17.
[4]العنكبوت: 25.


صفحه 921

وأما قوله: (وَالسَّماءِ وَما بَناها)[1]، وما بعدها، فقيل: «ما» مصدرية، أي: والسماء وبنائها، والأرض ودحوها، ونفس وتسويتها.
وقيل: «ما» بمعنى: من، أي: والسماء وخالقها، والأرض وداحيها، ونفس ومسويها.
نظيره: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها)[2]. قيل: أي: من على الأرض من الرجال والنساء. قيل: من طاب لكم. وقيل: ما يلحق هذا الجنس.
فأما قوله: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) «3» . فحمله الفارسي على أنها موصولة قياساً على مذهب سيبويه، حين زعم أن الظرف لا يبنى على كلمة الشرط.
فقال: إذا قلت: إن عندنا رجل، إن زيد أو عمرو. والتقدير: إن كان زيد. ولم تقدر: إن عندنا زيد. ثم رأيت لعثمان وهو يتكلم على شبه الظرف بالفعل في قوله:
ففينا غواشيها
فزعم أن الظرف كالفعل حيث عطفه على الفعل في قوله «تقاسمهم» ، ثم قال: ألا تراه، قال: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) «4» ففصل بكلمة الشرط بالظرف. ولا أدري أنسي قول سيبويه وقول صاحبه في قوله:
(لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ)[5]حين وفقنا بين قول سيبويه والمازني.
وأما قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)[6]فحمل الخليل «ما» على الاستفهام. لمكان «من» فى قوله: «من شيء» . وحمله آخرون على «الذي» .
ومثله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ)[7]يكون استفهاما ويكون موصولا.
[1]الشمس: 5.
[2]الكهف: 7.
(4- 3) النحل: 53.
[5]آل عمران: 81.
[6]العنكبوت: 42.
[7]السجدة (ألم) : 17.


صفحه 922

وأما قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ)[1]. فقيل:
«ما» بمعنى «الذي» معطوف على «خطايانا» .
وقيل: «ما» نافية، والتقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم يكرهنا عليه. فتكون «ما» نافية، فيه تقديم وتأخير. وأظنني قدمت هذه الآية[2]ومثله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)[3]. أي: من استمتعتم به منهن.
ومثله: (نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)[4]. أي: نسي الله.
ومثله: (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ)[5]. في الموضعين، يعنى: الله.
وحكى أبو زيد: سبحان ما سحركن. وأنشد لأبى داود:
سالكاتٍ سبيل قفرة بدا ... ربما ظاعنٌ بها ومقيم.
أي: رب إنسان هو ظاعن بها إنسان هو مقيم بها ف «ما» جر ب «رب» ووصفها بالجملة، كما تقول: رب رجل أبوه مقيم.
[1]طه: 73.
[2]الباب السابع والستون في التقديم.
[3]النساء: 24.
[4]الزمر: 8. [.....]
[5]الكافرون: 3.