والتنجيم، فركز على هذا الجانب واقترح على هولاكو أن يبني مرصدا للنظر في النجوم والفلك. وحيث لم يكن هولاكو يستشعر أهمية ذلك فقد قام نصير الدين بالتجربة التالية التي يتحدث عنها الصفدي قائلا: إنه كان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو وكان يطيعه فيما يشير به عليه والأموال في تصريفه فابتنى بمدينة مراغة قبة ورصدا عظيما واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على أربع مائة ألف مجلد! وقرر بالرصد المنجمين والفلاسفة والفضلاء وجعل لهم الجامكية وكان حسن الصورة سمحا كريما جوادا حليما حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر داهية.
حكى لي أنه لما أراد العمل للرصد رأى هولاكو ما ينصرف عليه، فقال له: هذا العلم المتعلق بالنجوم ما فائدته؟ أيدفع ما قدر أن يكون؟. فقال: أنا أضرب لمنفعته مثالا؛ ألقان يعني هولاكو يأمر من يطلع إلى أعلى هذا المكان ويدعه يرمي من أعلاه طست نحاس كبيرا من غير أن يعلم به أحد ففعل ذلك. فلما وقع ذلك كانت له وقعة عظيمة هائلة روعت كل من هناك وكاد بعضهم يصعق! وأما هو وهولاكو فإنهما ما تغير عليهما شيء لعلمهما بأن ذلك يقع فقال له: هذا العلم النجومي له هذه الفائدة، يعلم المتحدث فيه ما يحدث فلا يحصل له من الروعة والاكتراث ما يحصل للذاهل الغافل عنه فقال لا بأس بهذا وأمره بالشروع فيه[1].
وقد استطاع بهذا العنوان أن يحفظ المكتبات والكتب التي أمر هولاكو بأن توضع تحت تصرفه، بل ما نهب ولم يتلف جمعه نصير الدين في تلك المكتبة. كما استطاع أن يحمي العلماء من الانتقام، بل لقد أرسل فخر الدين لقمان المراغي في سائر المناطق الإسلامية الخاضعة لسيطرة المغول لاستقدامهم إلى مراغه حيث تحولت إلى مركز للعلم والمعرفة، لحمايتهم أولا، والاستفادة من علومهم ثانيا.
[1]الصفدي- الوافي بالوفيات 1. 147
المحافظة على الأوقاف ودور العبادة والمشاهد: تمثل المساجد والمشاهد والمدارس الدينية والرباطات موقعا مهما في المجتمع المسلم آنئذ نظرا لما توفره من قيام المؤمنين بعبادة ربهم فيها، وتجديد ولائهم وتذكرهم لشخصيات الأولياء في الثانية، بالاضافة إلى تدارس العلم والمعرفة في الثالثة، وتجديد الاستعداد لمواجهة الأعداء، ولتزكية النفس في الرابعة.
ولهذا الدور فقد اكتسبت هذه المواقع عند المسلمين مقدارا من القداسة يتفاوت من موقع لآخر. غير أن الغازي المغولي لم يكن يمتلك هذه الفكرة أو يؤمن بها، فلا يختلف الحال عنده بين أن يهدم بيتا أو بيت الله! أو أن يحرق بستانا أو مشهدا. وهكذا.
للمحافظة على هذه المراكز طلب الخواجة نصير الدين الطوسي من هولاكو أن يفوض أمورها إليه، وأن لا يعمل فيها شيء بغير الرجوع إلى أمره، فكان له ما أراد ولذلك فقد بقيت هذه المواقع سالمة من الأذى من حيث تفويضها إليه.
وكانت الأوقاف تدر مقادير من المال فكانت هذه مصدرا جيدا من مصادر الإنفاق على أهل العلم بالاضافة إلى ما كان يحصل عليه من المخصصات، وكان تركيز الخواجة على الفلسفة والعلوم الطبيعية والتطبيقية أكثر وهذا ما نراه في المخصصات التي كان يعطيها لكل عالم بحسب تخصصه، «فقد عمل دار حكمة ورتب فيها فلاسفة، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم، ودار طب فيها للطبيب في اليوم درهمان، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم، ودار حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم «[1].
غير أن الانجاز الأكبر الذي صنعه الخواجه نصير الدين هو أنه أقنع هولاكو ومن معه من زعماء المغول أنهم إذا أرادوا أن يستمروا في حكم المسلمين، فلا
[1]ابن كثير - البداية والنهاية 13. 249
بد أن يعلموا أبناءهم عادات المسلمين وطريقة حياتهم لكي يستطيعوا التعامل معهم في المستقبل وحكمهم، ولهذا ينبغي أن يعين لهم مدرسون يعلمونهم اللغة العربية وطرائق حياة المسلمين والعرب. واستجاب هولاكو لهذا الأمر، وأمر الخواجة أن يعين لهم مدرسا، فعين الخواجة تلميذه أبا الثناء الشيرازي. وظل يؤدبهم ويدربهم، وما أن بلغوا النضج حتى كانت عقلياتهم قد تعودت على الثقافة الإسلامية وأسلموا. ففي البداية كان (منكوخان) من أبناء هولاكو قد أعلن قناعته بالإسلام بشكل محدود، إلا أنه لما جاء الدور على الابن الآخر (تكودار) حتى خطب في الجند وأعلمهم باسلامه وتسمى بـ (أحمد) وأن من يحبه ينبغي أن يتابعه في ذلك، فأسلم أكثر الجنود الذين كانوا معه.
بل وجدنا بعد فترة قصيرة أن أحد الحكام المغول وهو الشاه محمد خدابنده قد أعلن التشيع في إيران.
كانت (أسلمة) الجيش المغولي الإنجاز الأكبر الذي استطاع الخواجة نصير الدين القيام به، بعدما حفظ المعرفة والعلم الإسلامي، وحرس الأوقاف والمساجد والمشاهد.
وإذا كان المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين قد وافاه الأجل في سنة 672هـ وذهب إلى لقاء ربه، وهذا أمر لا يعرى منه أحد، ولا يهرب منه شخص، فإن «أغراس الطوسي قد بدأت تؤتي أكلها فإذا بابن هولاكو يعلن اسلامه. وإذا كان الطوسي في ذلك الحين قد لقي وجه ربه فقد كان هناك تلميذه ومن أقرب المقربين اليه قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود الشيرازي فاستدعاه تكودار الذي أصبح اسمه احمد تكودار وضم اليه جمعا من العلماء ليكونوا سفراءه إلى علماء بغداد وإلى السلطان منصور قلاوون ملك مصر فيحملوا إليهم النبأ العظيم
نبأ إسلام ابن هولاكو وإسلام الدولة المغولية تبعا لإسلامه «[1].
[1]الأمين، السيد محسن - أعيان الشيعة 9. 417
التوجه التقريبي
لدى الشيخ ميثم بن علي البحراني[1]
623ـ 699هـ
أهمية إبراز نماذج التقريب ومناهجهم:
يتحسس كثير من المفكرين الإسلاميين أهمية إبراز نماذج التقريب، ورواد الحوار والانسجام بين مكونات الأمة الإسلامية. خصوصا مع ملاحظتهم للنتائج السيئة التي انتهت إليها خطوط التشنج المذهبي في الأمة. وما يزال الحبل على الجرار. في أكثر من بلد إسلامي.
إن من الواضح أن في الأمة توجهات متعددة؛ بعضها يدعو إلى الألفة والانسجام والتقارب، وينظّر لذلك ويسعى إليه عمليا. وبعض يعيش هاجس حراسة المذهب والحفاظ على الهوية الخاصة، وقسم ثالث يتجاوز ذلك لكيلا يرى أفقا غير الهجوم على المذاهب الأخرى، ولا يحمل رسالة غير تهديم ما عداه.
وإن من المؤسف أن يكون القسم الثالث عند كثير من أتباع كل مذهب هو الأكثر تقديرا واحتراما، بينما لا ينظر إلى القسم الأول عند كل فريق بنظرة جيدة، فدعاة التقريب الشيعة عند الشيعة، ودعاة التقريب السنة عند السنة ليسوا في التقدير والاحترام كنظرائهم من حراس المذهب، والذين يتبنون
[1]مقال قدم للندوة العالمية الثانية لتكريم العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني رحمه الله التي عقدت في طهران خلال 23 24 رجب 1427 بواسطة رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
الهجوم على عقائد المذهب الآخر!
ولهذا فإن على المصلحين مسؤولية إبراز النماذج التقريبية من علماء وزعماء، والتذكير بسيرتهم، والعمل على إحياء مناهجهم في التقريب بين فئات المسلمين باعتبار ذلك هدفا ساميا، وقيمة عالية.إن إحياء فكر السيد البروجردي، والسيد شرف الدين، والإمام الخميني والتبليغ لمنهجهم في التقارب والحوار لهو أمر لا يستغنى عنه عموما وفي هذه الفترات خصوصا.
كما أنه لا بد من فك الارتباط غير الصحيح بين قوة الهجوم على الخصوم وبين شدة الولاء للمذهب من جهة، وبين الدعوة إلى التقريب والتعامل مع الآخر المذهبي بنفس مشترك وبين التفريط في الخصوصيات، فإن ذلك مما لا صحة له. إن الانطباع السائد في الجهتين وكأن الداعية للتقريب والتقارب مفرط في حق أئمته وقليل الغيرة على مذهبه، بينما الرافض للتقارب والشديد اللهجة في خلاف ذلك، هو المؤمن الحق. ليس بصحيح.
ومن المهم في هذا الباب أن يتم إبراز المنهج الذي اتبعته تلك الشخصيات في طريقها التقريبي، سواء كان ذلك من خلال المنهج في كيفية التعامل مع المسائل الخلافية كما صنعه الشيخ ميثم في شرحه لنهج البلاغة وصنعه العلامة في تذكرة الفقهاء في الخلاف الفقهي، وهكذا ما يقوم به بعض مراجع الأمة كالإمام الخميني في التطبيع الاجتماعي عبر الفتاوى الفقهية.أو غير ذلك بحيث لا يكتفى بالحديث عن أهمية هذا العمل فقط.
وسوف يكون حديثنا محاولة لاستخراج ملامح من المنهج التقريبي الذي كان لدى العالم الرباني الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني رحمة الله .وسنلقي نظرة خاطفة على حياته ثم نتبعها بذكر شيء سريع عن عصره من جهة التطرف المذهبي، لكي يكون ذلك مدخلا للحديث عن منهجه التقريبي.
ذكر مترجموه بأن ولادته كانت في سنة 623هـ بينما كانت وفاته سنة 679هـ كما هو معروف عند أغلب المترجمين له لكنه لا يصح[1]لما ذُكر في مقدمة كتابه اختصار مصباح السالكين بأنه فرغ منه في سنة 681هـ.،والصحيح أنه توفي سنة 699هـ كما توصل إليه المرحوم الطهراني في طبقات أعلام الشيعة.
وقد ذكر آخرون دراسة الخواجة نصير الدين الطوسي عليه، والعلامة الحلي، بينما شكك بعض الباحثين في ذلك بالنحو المعهود من الدراسة والتلمذ، وذلك لأن الحوادث التاريخية المذكورة في حياة هؤلاء الأعلام لا تساعد على مثل ذلك النحو من التلمذ، واحتملوا أن يكون التفاعل بين هؤلاء الأعلام كان على طريقة المباحثات العلمية في المجالس التي تجمعهم، واستفادة كل واحد من هؤلاء الأعلام من الآخر في مجال تخصصه وإبداعه، كأن يستفيد العلامة من الطوسي في مجال العقليات والثاني من الأول في النقليات والفقه وهما من الشيخ ميثم، وهكذا.خصوصا مع ملاحظة سفر الشيخ ميثم إلى العتبات المقدسة فيمكن أن يكون ذلك التفاعل خلال تلك السفرات، وقد نقل عن الشيخ ميثم في هذه السفرات أنه كان كثير الاجتماع بالعلماء والمذاكرة معهم.
ويبدو أن العصر الذي كان الشيخ ميثم يعيش فيه، كان لا يزال على وقع طائفي غير مستحسن، فقد سبق عصره المشاحنات التي كانت بين البويهيين والسلاجقة، والتي انتهت بانتهاء البويهيين على يد السلاجقة الذين دخلوا بغداد، وصبوا زيت طائفيتهم على نار جهل العوام التي كانت متقدة أساسا. بل قد وجدنا في تلك الفترة وما بعدها تمتد الحالات المتشنجة إلى المدارس المختلفة في داخل المذهب الواحد كما كان يحصل بين الحنابلة وغيرهم حتى لقد تمنى بعضٌ أن يفرض الجزية على الحنابلة لو كان له من الأمر شيء.
[1]اليوسفي الغروي، محمد هادي في مقدمة كتاب النجاة في القيامة ص8
أما المسألة الطائفية بين السنة والشيعة فلعل أوضح تعبير عنها ما نجده في كتاب منهاج السنة للشيخ أحمد بن تيمية ت 728هـ.
غير أن هذا لا يشكل كامل الصورة في العالم الإسلامي آنئذ، فقد كان إلى جانب هذا المنظر، منظر آخر يحرص فيه عدد من العلماء على التلاقي والاستفادة العلمية، والنظر إلى الآخرين بمنظار بعيد عن الحالة المتشنجة والشحن المذهبي.
ولا أدل على ذلك من المنهج الذي نلاحظه لدى شيخنا البحراني، فقد وجدنا هذا التفاعل بينه وبين علماء المذاهب الأخرى، إذ لم تمنعه مواقف بعضهم تجاه التشيع أن ينقل آراءهم، متى وجدها نافعة كما هو الحال في نقله لكلام طويل عن الشيخ أبي حامد الغزالي، في حقيقة التوبة من كتابه الإحياء بالرغم مما نقل من موقف الغزالي المتشنج تجاه الشيعة[1]. إضافة إلى عنايته في شرحه على النهج بذكر أقوال علماء السنة في المسائل المختلفة، ومناقشتها بنفس موضوعي هادئ بعيد عن التعبئة والشحن المذهبي. وإن الالتزام بمثل هذا المنهج في مثل تلك الظروف ليعد فضيلة كبيرة، ويكشف عن وعي استثنائي بالصالح الإسلامي، بحيث لا يستدرج لحالات التشاحن التي كانت سائدة آنئذ. ولهذا رأى بعض الباحثين أنه لابد أن يذكر للشيخ ميثم اعتداله في التشيع وتجنب الخوض في الخلافات واللعن[2].
ونحن لا نستبعد أن يكون هذا التوجه هو المتبادل بين الشيخ ميثم، و(تلميذه وإن كان بالمعنى المشار إليه آنفا) العلامة الحلي أو تأثيره عليه في الانفتاح على الأفق الآخر، فقد درس العلامة على عدد من كبار علماء أهل السنة مثل علي بن عمر الكاتبي القزويني الشافعي، وبرهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي،
[1]د. زنكنه، مقال في مجلة رسالة التقريب عدد 53
[2]المصدر السابق