بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 114

المحافظة على الأوقاف ودور العبادة والمشاهد: تمثل المساجد والمشاهد والمدارس الدينية والرباطات موقعا مهما في المجتمع المسلم آنئذ نظرا لما توفره من قيام المؤمنين بعبادة ربهم فيها، وتجديد ولائهم وتذكرهم لشخصيات الأولياء في الثانية، بالاضافة إلى تدارس العلم والمعرفة في الثالثة، وتجديد الاستعداد لمواجهة الأعداء، ولتزكية النفس في الرابعة.

ولهذا الدور فقد اكتسبت هذه المواقع عند المسلمين مقدارا من القداسة يتفاوت من موقع لآخر. غير أن الغازي المغولي لم يكن يمتلك هذه الفكرة أو يؤمن بها، فلا يختلف الحال عنده بين أن يهدم بيتا أو بيت الله! أو أن يحرق بستانا أو مشهدا. وهكذا.

للمحافظة على هذه المراكز طلب الخواجة نصير الدين الطوسي من هولاكو أن يفوض أمورها إليه، وأن لا يعمل فيها شيء بغير الرجوع إلى أمره، فكان له ما أراد ولذلك فقد بقيت هذه المواقع سالمة من الأذى من حيث تفويضها إليه.

وكانت الأوقاف تدر مقادير من المال فكانت هذه مصدرا جيدا من مصادر الإنفاق على أهل العلم بالاضافة إلى ما كان يحصل عليه من المخصصات، وكان تركيز الخواجة على الفلسفة والعلوم الطبيعية والتطبيقية أكثر وهذا ما نراه في المخصصات التي كان يعطيها لكل عالم بحسب تخصصه، «فقد عمل دار حكمة ورتب فيها فلاسفة، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم، ودار طب فيها للطبيب في اليوم درهمان، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم، ودار حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم «[1].

غير أن الانجاز الأكبر الذي صنعه الخواجه نصير الدين هو أنه أقنع هولاكو ومن معه من زعماء المغول أنهم إذا أرادوا أن يستمروا في حكم المسلمين، فلا

[1]ابن كثير - البداية والنهاية 13. 249


صفحه 115

بد أن يعلموا أبناءهم عادات المسلمين وطريقة حياتهم لكي يستطيعوا التعامل معهم في المستقبل وحكمهم، ولهذا ينبغي أن يعين لهم مدرسون يعلمونهم اللغة العربية وطرائق حياة المسلمين والعرب. واستجاب هولاكو لهذا الأمر، وأمر الخواجة أن يعين لهم مدرسا، فعين الخواجة تلميذه أبا الثناء الشيرازي. وظل يؤدبهم ويدربهم، وما أن بلغوا النضج حتى كانت عقلياتهم قد تعودت على الثقافة الإسلامية وأسلموا. ففي البداية كان (منكوخان) من أبناء هولاكو قد أعلن قناعته بالإسلام بشكل محدود، إلا أنه لما جاء الدور على الابن الآخر (تكودار) حتى خطب في الجند وأعلمهم باسلامه وتسمى بـ (أحمد) وأن من يحبه ينبغي أن يتابعه في ذلك، فأسلم أكثر الجنود الذين كانوا معه.

بل وجدنا بعد فترة قصيرة أن أحد الحكام المغول وهو الشاه محمد خدابنده قد أعلن التشيع في إيران.

كانت (أسلمة) الجيش المغولي الإنجاز الأكبر الذي استطاع الخواجة نصير الدين القيام به، بعدما حفظ المعرفة والعلم الإسلامي، وحرس الأوقاف والمساجد والمشاهد.

وإذا كان المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين قد وافاه الأجل في سنة 672هـ وذهب إلى لقاء ربه، وهذا أمر لا يعرى منه أحد، ولا يهرب منه شخص، فإن «أغراس الطوسي قد بدأت تؤتي أكلها فإذا بابن هولاكو يعلن اسلامه. وإذا كان الطوسي في ذلك الحين قد لقي وجه ربه فقد كان هناك تلميذه ومن أقرب المقربين اليه قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود الشيرازي فاستدعاه تكودار الذي أصبح اسمه احمد تكودار وضم اليه جمعا من العلماء ليكونوا سفراءه إلى علماء بغداد وإلى السلطان منصور قلاوون ملك مصر فيحملوا إليهم النبأ العظيم


صفحه 116

نبأ إسلام ابن هولاكو وإسلام الدولة المغولية تبعا لإسلامه «[1].

[1]الأمين، السيد محسن - أعيان الشيعة 9. 417


صفحه 117

التوجه التقريبي

لدى الشيخ ميثم بن علي البحراني[1]

623ـ 699هـ

أهمية إبراز نماذج التقريب ومناهجهم:

يتحسس كثير من المفكرين الإسلاميين أهمية إبراز نماذج التقريب، ورواد الحوار والانسجام بين مكونات الأمة الإسلامية. خصوصا مع ملاحظتهم للنتائج السيئة التي انتهت إليها خطوط التشنج المذهبي في الأمة. وما يزال الحبل على الجرار. في أكثر من بلد إسلامي.

إن من الواضح أن في الأمة توجهات متعددة؛ بعضها يدعو إلى الألفة والانسجام والتقارب، وينظّر لذلك ويسعى إليه عمليا. وبعض يعيش هاجس حراسة المذهب والحفاظ على الهوية الخاصة، وقسم ثالث يتجاوز ذلك لكيلا يرى أفقا غير الهجوم على المذاهب الأخرى، ولا يحمل رسالة غير تهديم ما عداه.

وإن من المؤسف أن يكون القسم الثالث عند كثير من أتباع كل مذهب هو الأكثر تقديرا واحتراما، بينما لا ينظر إلى القسم الأول عند كل فريق بنظرة جيدة، فدعاة التقريب الشيعة عند الشيعة، ودعاة التقريب السنة عند السنة ليسوا في التقدير والاحترام كنظرائهم من حراس المذهب، والذين يتبنون

[1]مقال قدم للندوة العالمية الثانية لتكريم العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني رحمه الله التي عقدت في طهران خلال 23 24 رجب 1427 بواسطة رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.


صفحه 118

الهجوم على عقائد المذهب الآخر!

ولهذا فإن على المصلحين مسؤولية إبراز النماذج التقريبية من علماء وزعماء، والتذكير بسيرتهم، والعمل على إحياء مناهجهم في التقريب بين فئات المسلمين باعتبار ذلك هدفا ساميا، وقيمة عالية.إن إحياء فكر السيد البروجردي، والسيد شرف الدين، والإمام الخميني والتبليغ لمنهجهم في التقارب والحوار لهو أمر لا يستغنى عنه عموما وفي هذه الفترات خصوصا.

كما أنه لا بد من فك الارتباط غير الصحيح بين قوة الهجوم على الخصوم وبين شدة الولاء للمذهب من جهة، وبين الدعوة إلى التقريب والتعامل مع الآخر المذهبي بنفس مشترك وبين التفريط في الخصوصيات، فإن ذلك مما لا صحة له. إن الانطباع السائد في الجهتين وكأن الداعية للتقريب والتقارب مفرط في حق أئمته وقليل الغيرة على مذهبه، بينما الرافض للتقارب والشديد اللهجة في خلاف ذلك، هو المؤمن الحق. ليس بصحيح.

ومن المهم في هذا الباب أن يتم إبراز المنهج الذي اتبعته تلك الشخصيات في طريقها التقريبي، سواء كان ذلك من خلال المنهج في كيفية التعامل مع المسائل الخلافية كما صنعه الشيخ ميثم في شرحه لنهج البلاغة وصنعه العلامة في تذكرة الفقهاء في الخلاف الفقهي، وهكذا ما يقوم به بعض مراجع الأمة كالإمام الخميني في التطبيع الاجتماعي عبر الفتاوى الفقهية.أو غير ذلك بحيث لا يكتفى بالحديث عن أهمية هذا العمل فقط.

وسوف يكون حديثنا محاولة لاستخراج ملامح من المنهج التقريبي الذي كان لدى العالم الرباني الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني رحمة الله .وسنلقي نظرة خاطفة على حياته ثم نتبعها بذكر شيء سريع عن عصره من جهة التطرف المذهبي، لكي يكون ذلك مدخلا للحديث عن منهجه التقريبي.


صفحه 119

ذكر مترجموه بأن ولادته كانت في سنة 623هـ بينما كانت وفاته سنة 679هـ كما هو معروف عند أغلب المترجمين له لكنه لا يصح[1]لما ذُكر في مقدمة كتابه اختصار مصباح السالكين بأنه فرغ منه في سنة 681هـ.،والصحيح أنه توفي سنة 699هـ كما توصل إليه المرحوم الطهراني في طبقات أعلام الشيعة.

وقد ذكر آخرون دراسة الخواجة نصير الدين الطوسي عليه، والعلامة الحلي، بينما شكك بعض الباحثين في ذلك بالنحو المعهود من الدراسة والتلمذ، وذلك لأن الحوادث التاريخية المذكورة في حياة هؤلاء الأعلام لا تساعد على مثل ذلك النحو من التلمذ، واحتملوا أن يكون التفاعل بين هؤلاء الأعلام كان على طريقة المباحثات العلمية في المجالس التي تجمعهم، واستفادة كل واحد من هؤلاء الأعلام من الآخر في مجال تخصصه وإبداعه، كأن يستفيد العلامة من الطوسي في مجال العقليات والثاني من الأول في النقليات والفقه وهما من الشيخ ميثم، وهكذا.خصوصا مع ملاحظة سفر الشيخ ميثم إلى العتبات المقدسة فيمكن أن يكون ذلك التفاعل خلال تلك السفرات، وقد نقل عن الشيخ ميثم في هذه السفرات أنه كان كثير الاجتماع بالعلماء والمذاكرة معهم.

ويبدو أن العصر الذي كان الشيخ ميثم يعيش فيه، كان لا يزال على وقع طائفي غير مستحسن، فقد سبق عصره المشاحنات التي كانت بين البويهيين والسلاجقة، والتي انتهت بانتهاء البويهيين على يد السلاجقة الذين دخلوا بغداد، وصبوا زيت طائفيتهم على نار جهل العوام التي كانت متقدة أساسا. بل قد وجدنا في تلك الفترة وما بعدها تمتد الحالات المتشنجة إلى المدارس المختلفة في داخل المذهب الواحد كما كان يحصل بين الحنابلة وغيرهم حتى لقد تمنى بعضٌ أن يفرض الجزية على الحنابلة لو كان له من الأمر شيء.

[1]اليوسفي الغروي، محمد هادي في مقدمة كتاب النجاة في القيامة ص8


صفحه 120

أما المسألة الطائفية بين السنة والشيعة فلعل أوضح تعبير عنها ما نجده في كتاب منهاج السنة للشيخ أحمد بن تيمية ت 728هـ.

غير أن هذا لا يشكل كامل الصورة في العالم الإسلامي آنئذ، فقد كان إلى جانب هذا المنظر، منظر آخر يحرص فيه عدد من العلماء على التلاقي والاستفادة العلمية، والنظر إلى الآخرين بمنظار بعيد عن الحالة المتشنجة والشحن المذهبي.

ولا أدل على ذلك من المنهج الذي نلاحظه لدى شيخنا البحراني، فقد وجدنا هذا التفاعل بينه وبين علماء المذاهب الأخرى، إذ لم تمنعه مواقف بعضهم تجاه التشيع أن ينقل آراءهم، متى وجدها نافعة كما هو الحال في نقله لكلام طويل عن الشيخ أبي حامد الغزالي، في حقيقة التوبة من كتابه الإحياء بالرغم مما نقل من موقف الغزالي المتشنج تجاه الشيعة[1]. إضافة إلى عنايته في شرحه على النهج بذكر أقوال علماء السنة في المسائل المختلفة، ومناقشتها بنفس موضوعي هادئ بعيد عن التعبئة والشحن المذهبي. وإن الالتزام بمثل هذا المنهج في مثل تلك الظروف ليعد فضيلة كبيرة، ويكشف عن وعي استثنائي بالصالح الإسلامي، بحيث لا يستدرج لحالات التشاحن التي كانت سائدة آنئذ. ولهذا رأى بعض الباحثين أنه لابد أن يذكر للشيخ ميثم اعتداله في التشيع وتجنب الخوض في الخلافات واللعن[2].

ونحن لا نستبعد أن يكون هذا التوجه هو المتبادل بين الشيخ ميثم، و(تلميذه وإن كان بالمعنى المشار إليه آنفا) العلامة الحلي أو تأثيره عليه في الانفتاح على الأفق الآخر، فقد درس العلامة على عدد من كبار علماء أهل السنة مثل علي بن عمر الكاتبي القزويني الشافعي، وبرهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي،

[1]د. زنكنه، مقال في مجلة رسالة التقريب عدد 53

[2]المصدر السابق


صفحه 121

وابن الصباغ الحنفي. كما كانت له مع القاضي البيضاوي الشيرازي[1]، صاحب التفسير، المتوفى (685هـ‌) مكاتبات تفصح عن الخلق الإسلامي والعلمي النبيل، ومن تلك المكاتبات، كتاب بعثه البيضاوي فصدره بقوله: مولانا جمال الدين، أدام الله فواضلك، أنت إمام المجتهدين في علم الأصول.. فأجابه ابن المطهر بكتاب استهله بقوله: وقفت على إفادة مولانا الإمام أدام الله فضائله، وأسبغ عليه فواضله[2].

ملاحظتان في شرح النهج:

في البداية لا بد أن نتوقف عند ملاحظة وهي أن كثيرا ممن كان همهم اصلاح الأمة، والدعوة إلى التقريب بين أطياف الأمة كان لهم شيء من الاهتمام بنهج البلاغة لأمير المؤمنين علي عليه السلام ، فلقد حظي بالاهتمام من قبل الإمام الشيخ محمد عبده والدكتور صبحي الصالح، ومن الشهيد مرتضى المطهري، وآية الله شمس الدين وغيرهم.وقد يكون ما احتوى عليه النهج من أفكار في القمة، تدعو هؤلاء وغيرهم إلى الاستضاءة بأنواره.

ومن هؤلاء الشيخ ميثم بن علي البحراني، فقد شرح النهج شرحه الكبير باسم (مصباح السالكين) واختصره أيضا، وله شرح ثالث يعتقد أنه يتحد مع شرحه للكلمات المائة المختارة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام .

وأول ما يلفت النظر في شرحه للنهج هو أنه لم يكن مسوقا بظروف التقية التي

[1]عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، أبو سعيد، أو أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي ت 685هـ: قاض، مفسر، علامة. ولد في المدينة البيضاء (بفارس - قرب شيراز) وولي قضاء شيراز مدة وصرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي فيها. من تصانيفه «أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ط «يعرف بتفسير البيضاوي، و «طوالع الأنوار - ط «في التوحيد، و «منهاج الوصول إلى علم الأصول - ط «، ورسالة في موضوعات العلوم وتعاريفها - خ «و «الغاية القصوى في دراية الفتوى - خ «في فقه الشافعية. خير الدين الزركلي؛ الأعلام 4. 110

[2]الكثيري، السيد محمد: السلفية بين أهل السنة والإمامية. 637