فقد نقل العلامة المجلسي نسبة الكتاب إلى الشيخ ميثم في البحار في موضعين، وكذا فعل صاحب الرياض، والشيخ سليمان البحراني شيخ صاحب الحدائق، و الشيخ عبد النبي الكاظمي في تكملة الرجال، وقد رد صاحب الحدائق تلك النسبة بأن منهجه الذي نراه في شرح النهج وغيره من كتبه، لا يتناسب مع الكتاب المذكور لا في هدف تأليفه، ولا في نمط الحديث عن الخلفاء ولذا ردت نسبة الكتاب إليه، من خلال تحليل نص الكتاب ومنهجية الشيخ ميثم.
(قال المحقق المحدث البحراني في اللؤلؤة بعد نقل ترجمة ابن ميثم، عن رسالة السلافة البهية في الترجمة الميثمية، لشيخه العلامة الشيخ سليمان البحراني، وعد الكتاب المذكور من مؤلفاته، وتوصيفه بأنه لم يعمل مثله ما لفظه: ثم إن ما ذكره شيخنا المذكور من نسبة كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة للشيخ المشار إليه غلط قد تبع فيه من تقدمه، ولكن رجع عنه أخيرا فيما وقفت عليه من كلامه، وبذلك صرح تلميذه الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني رحمة الله ، وإنما الكتاب المذكور كما صرحا به لبعض قدماء الشيعة من أهل الكوفة، وهو علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي، والكتاب يسمى كتاب البدع المحدثة، ذكره النجاشي في جملة كتبه، ولكن اشتهر في ألسنة الناس تسميته بالاسم الأول، ونسبته للشيخ ميثم، ومن عرف سليقة الشيخ ميثم في التصنيف، ولهجته وأسلوبه في التأليف، لا يخفى عليه أن الكتاب المذكور ليس جاريا على تلك اللهجة، ولا خارجا من تلك اللجة)[1]انتهى.
وأخيرا:
فإن التنوع المذهبي في الأمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، والحوارات والنقاشات العقدية والفقهية أمر طبيعي ومفيد لإثراء الساحة العلمية والفكرية بمختلف النظريات، غير أنّا نحتاج إلى منهج في ذلك، يطلق العنان من جهة لنتائج العقل
[1]النوري، الميرزا:خاتمة المستدرك 1. 169
والفكر ويكون على مستوى عال من الأخلاقية في التعامل مع الرأي الآخر، والمذهب المخالف سواء في إنصافه أو في طريقة التعبير عنه وعن رموزه. وهذا ما وجدناه في نهج الشيخ ميثم في شرحه للنهج.
العلامة الحلي نادرة الدهر
الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر
648 728هـ
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
كل إنسان هو قصة في هذه الحياة، وهو جزء من التاريخ الانساني حيث يتشكل من غيره ومنه أيضا، من مواقفه وإنتاجه، وجهده وسعيه قل أو كثر.
ويخلّف الانسان شاء أو أبى صورة من الصور تبقى بعده، وهنا يختلف الناس، فإذا كان جميع الناس يأتون إلى هذا الدنيا راغمين، وليس باختيارهم أصل مجيئهم ولا توقيته، ويذهبون مجبورين كذلك، ليس لهم من أمرهم شيء، ولا يملكون لأنفسهم في هذا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
إلا أن بإمكانهم أن يصنعوا الصور التي يريدونها، فبينما يرسم بعضهم صورة تقطر منها أطرافها دماء الضحايا، ويلونها عذاب الثواكل، ويعزف فيها أنين اليتامى، من أجل حطام دنيا زائل، أو مجد رئاسة آفل (يتطعمونها برهة ثم يلفظونها جملة)، حتى يسجل التاريخ في كتابه بعد ذلك صفحة تنطوي أيام لذتها بالنسبة لهم، وتبقى دهور لعنتها عليهم.
بينما يقوم هؤلاء بما عبر عنه بعضهم بقوله:
وكنت إذا حللت بدار قوم
رحلت بخزية وتركت عارا
يعيش البعض الآخر غافلا ساهيا سادرا (ما بين نثيله ومعتلفه) كما يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حتى إذا اخذ نصيبه من الدنيا رحل عنها من غير أثر يذكر أو علم يؤثر، وهذا وإن
كان لا يقاس بسابقه لجهة أنه لم يؤذ أحدا، إلا أنه لم يستثمر حياته في ما خلق له. ووجوده في الحياة أشبه بلفظ المجاز الذي يستعمل في غير ما وضع له!
وهناك أناسٌ .. تجلى الله سبحانه وتعالى لهم حتى عبدوه حق عبادته، وعملوا له ما استطاعوا، وتجلى فيهم حتى كانوا مصداق قوله (فتبارك الله أحسن الخالقين).
أولئك الذين ملؤوا التاريخ مآثر والجغرافيا نورا وحكمة. فإذا فتحت بيت قرونهم فهم فيه الأنوار السواطع ليس في القرن السابع فحسب، بل يبقى عاطر ذكرهم، وعالي علمهم نافعا إلى سائر القرون.
في طليعة هذا الركب، مجددو القرون علما وفقها ومعرفة، حيث أن الله سبحانه وتعالى (يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)، ومن ألمع أولئك شخصية كان العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر رضوان الله تعالى عليه. حيث أنه بشيء من التتبع يلاحظ الناظر المتأمل مقدار الأثر الذي تركه العلامة الحلي بعده، سواء على مستوى الدعوة إلى طريق أهل البيت عليهم السلام ، أو على مستوى الاستدلال والاستنباط الفقهي في ابتكاره لمناهج ظلت هي السائدة إلى يومنا هذا، أو على مستوى العطاء العلمي والفكري الباقي في كتبه الكثيرة ومؤلفاته كما سيأتي الحديث عنها.
في الحلة وهي مدينة تقع جنوب بغداد على بعد 100 كيلو منها كانت ولادة الحسن بن يوسف، في أسرة علمية، ورث منها حب العلم من طرفيه.
فوالده وأستاذه الأول هو الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر، وهو العالم الجليل الذي أشار إليه المحقق الحلي صاحب الشرائع على أنه أعلم تلاميذه
بالأصولين (الفقه والكلام) عندما سئل عن خيرة تلامذته، وهو نفسه الذي ذهب لمقابلة هولاكو عندما اجتاحت جيوشه مدن العراق واستطاع أن يحيده عن تدمير الحلة، وأن يأخذ منه أمانا لأهلها[1].
وخاله المحقق الشيخ نجم الدين ابو القاسم جعفر بن الحسن، صاحب الكتب المهمة في الفقه والأصول، وأفضلها كتاب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) الذي يعد منذ زمان تأليفه وإلى يومنا هذا في طليعة المتون الفقهية، المنظمة تنظيما منهجيا راقيا، وهو على اختصاره (أربعة أجزاء بالطبع الحديث) دورة فقهية كاملة، فيها إشارات إلى الأدلة، وقد شرح ما بين شرح مزجي واستدلالي، وبصورة التعليقة أكثر من 70 مرة.
ولم يكن دور السيد علي بن موسى بن طاووس في تربيته أقل من دور أبيه وخاله، ولعل أكبر تأثيره فيه الجانب الأخلاقي والمعنوي الروحي، حيث عرف السيد بن طاووس بأنه صاحب الكرامات والتي تحدث عنها العلامة الحلي نفسه.
والشيخ كمال الدين ميثم بن علي البحراني، كان من طبقة المحقق الحلي استاذ العلامة، وقد روى العلامة عن الشيخ ميثم البحراني، وبعض العلماء يرون أن العلامة درس على يد الشيخ ميثم. وهكذا الحال بالنسبة إلى الشيخ الخواجة نصير الدين الطوسي كما تقدم في ترجمته، فقد نقل أنه أخذ الفقه من العلامة الحلي كما درسه العلوم العقلية.
ولم يقتصر أخذ العلامة على علماء المدرسة الإمامية، وإنما تعداهم ليدرس
[1]ربما يقال إنه لماذا لم يلجأ الشيخ سديد الدين إلى إعلان الجهاد ضد الغزاة، بالرغم من ان تاريخ الشيعة كان تاريخ الثورة والمقاومة؟ والجواب عن ذلك أن الجهاد هو عمل منطلق من الشرع والعقل معا، وليس بمعزل عنهما، فإذا كانت المقاومة انتحارا بكل المعاني، وأراد الانسان أن يختار هذا الجانب فقد يكون ذلك سائغا له كشخص، ولكنه لا يستطيع أن يغامر بالمجتمع الذي جعله موفدا منه، وإنما عليه أن يلاحظ مصلحة موكليه وموفديه ولا ريب أنه لم يرَ مع ملاحظة تلك الظروف أن مصلحة المجتمع الضعيف في مقاومة هذا الشلال من القوة.
ويتباحث مع علماء مدرسة الخلفاء، فقد ذكر في بعض إجازاته أسماء عدد من العلماء الذين أخذ عنهم، وأنصفهم ذكرا وثناء، فقد تحدث عن الشيخ شمس الدين محمد الكيشي الشافعي، وقال عنه إنه كان من أفضل علماء الشافعية، وكان من أنصف الناس في البحث، كنت أقرأ عليه وأورد عليه اعتراضات في بعض الأوقات فيفكر ثم يجيب تارة وتارة أخرى يقول: حتى نفكر في هذا عاودني هذا السؤال. فأعاوده يوما ويومين وثلاثة. فتارة يجيب، وتارة يقول: هذا عجزت عن جوابه[1]. والشيخ برهان الدين النسفي الحنفي، المصنف في الجدل وهذا الشيخ كما قال العلامة كان عظيم الشأن زاهدا مصنفا في الجدل، استخرج مسائل مشكلة، قرأت عليه بعض مصنفاته في الجدل، وله مصنفات متعددة[2].
دور العلامة في تشيع إيران:
لقد ذكرنا في بعض كتبنا[3]أنه على العكس مما يزعم من أن منشأ التشيع فارسي، فإن التشيع كان هدية العرب إلى إيران في مراحل خمس[4]:
المرحلة الأولى: بدايات تشيع الموالي في العراق، تشيعا سياسيا بحسب التعبير.
الثانية: تشيع بعض المناطق مثل قم على أثر هجرة العرب إليها من أيام الأمويين بعد منتصف القرن الأول.
الثالثة: مرحلة قيام الدولة البويهية في منتصف القرن الرابع.
الرابعة: التزام بعض سلاطين المغول بالتشيع وإعلانه المذهب الرسمي في إيران في القرن الثامن.
[1]الحسون؛ الشيخ فارس في مقدمة كتاب إرشاد الأذهان.
[2]المصدر نفسه
[3]صفحات من التاريخ السياسي للشيعة /105
[4]استفدنا هنا من الدراسة القيمة التي أعدها الباحث رسول جعفريان:الشيعة في إيران.
الخامسة: قيام الدولة الصفوية في منتصف القرن العاشر.
وتعد المرحلة الرابعة والخامسة أهم المراحل لجهة التزام النظام السياسي الحاكم بالتشيع كمذهب وعقيدة، وتبنيه نشره والدفاع عنه.
وفي هذه المراحل جميعا كان الدور الأهم لو لم يكن الوحيد من نصيب العلماء والفقهاء العرب الذين جاؤوا من الكوفة وبغداد والحلة ولبنان والبحرين. وفي المرحلة الرابعة يكاد يكون العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه بطل المشهد بلا منازع حيث وإن تعددت رواية الأسباب التي دعت السلطان المغولي إلى التفكير في اتخاذ مذهب جديد غير المذاهب السائدة، إلا أنها تتفق على أن بطل المشهد كان العلامة الحلي. وذلك أنه بعد أن أسقط المغول الخلافة العباسية، وسيطروا على العراق وغيرها من البلاد المسلمة. وبعد أن زاح دخان المعارك، تأثر كثير منهم بالفكر الإسلامي والعقائد الدينية العامة، غير أن قضية المذاهب كانت قضية ساخنة، فبالرغم من أن بلاد المسلمين كانت قد تعرضت إلى تلك المشاكل إلا أن الصراعات المذهبية كانت على أشدها. وكان كل فريق يريد أن يستقطب شخصيات المغول لمذهبه ويبعدهم عن المذهب الآخر لكي يستقوي المذهب بانتمائهم إليه.
يقال: إن بعض السلاطين المغول مثل غازان خان اتخذ موقفا متوسطا بين المذاهب فكان يتعاطف مع الجميع، ويسمح للجميع بممارسة نشاطه.وإن كان يميل إلى التشيع.
إلا إن اختيار السلطان أولجايتو محمد خدابنده التشيع صراحة وإعلانه اياه على انه المذهب الرسمي، وتغيير الخطبة لكي تصطبغ بصبغة شيعية، والتظاهر بالشعائر الشيعية، شكل دفعة قوية لانتشار المذهب.