بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 137

غير بعيد كما أشار إليه بعضهم من أن اطلاع العلامة على منهجية مدرسة الخلفاء، حداه إلى أن يضع ضوابط أيضا للروايات في المدرسة الشيعية، وهذا الكلام وإن كان يقال أحيانا في سياق الانتقاد والاتهام، إلا أنه لو فرضنا صحته لا يكون شيئا سيئا، إذا كانت نتيجته وضع منهجية صارمة في الاستدلال.

ولدوره ذاك فقد نسب إليه الأمين الاسترابادي أنه أول من سلك طريقة الاجتهاد من أصحابنا كما قال، وهو وإن لم يكن صحيحا فإنه مسبوق به، وإنما كان الأمين يريد بذلك التشنيع على العلامة حيث أن الاسترابادي مخالف لطريقة المجتهدين والاجتهاد، إلا أنه يشير إلى دور العلامة في تكريس هذه المنهجية.

هذا بغض النظر عن اختياراته الفقهية الخاصة في المسائل والتي نسخ في بعضها قول من تقدمه بحيث أصبح يؤرخ للمسألة بما قبل العلامة وما بعده، وهي كثيرة لكنها باعتبارها مسائل فرعية لا نتحدث عنها الآن، لكنها تشير إلى تلك الذهنية المتوقدة والتجديدية للعلامة رحمة الله .

كما أن العلامة رحمة الله كان بعد الجيل الأول من الفقهاء كشيخ الطائفة ممن خاض في بحر بحث الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية، في كتاب تذكرة الفقهاء الذي يعرب عن تبحره وإحاطته بالأدلة، وكذلك كتابه منتهى المطلب. ولا يستغني الباحثون في الفقه المقارن عن هذين الكتابين.

كتب العلامة الحلي وأثاره:

نقل عن المحدث الشيخ يوسف البحراني قوله: لقد قيل إنه وزع تصنيفه على أيام عمره من يوم ولادته إلى موته، فكان قسط كل يوم كراسا، مع ما كان عليه من الاشتغال بالإفادة والاستفادة والتدريس والأسفار والحضور عند الملوك. والمباحثات مع الجمهور ونحو ذلك من الأشغال، وهذا هو العجب العجاب الذي لا شك فيه ولا ارتياب[1].

[1]الحسون، فارس في مقدمة إرشاد الأذهان 1. 153 نقلا عن لؤلؤة البحرين.


صفحه 138

وبالفعل فإن من ينظر إلى عدد كتبه بتعداد مجلداتها الكثيرة، ولم تكن في الغالب نقولات، وإنما هي إعمال فكر واستدلال، مع اختلاف ميادينها، وتعدد مواضيعها، لا بد أن يستولي عليه العجب، بل يغرق في الإعجاب بهذه الشخصية الاستثنائية.

وقد ذكر الشيخ الحسون في مقدمته الوافية عن شخصية العلامة الحلي (101) عنوانا من عناوين الكتب التي ثبتت نسبتها للعلامة، و (23) كتابا يشك في نسبتها إليه. وقد فهرسها بعضهم بأن (للعلامة رحمة الله ما يناهز ثلاثين كتابا في الكلام وأصول الدين والجدل والاحتجاج وآداب البحث والمناظرة. وعشرين كتابا في الفقه وحده بينها ما كان في عدة مجلدات. وسبعة كتب في أصول الفقه وفي التفسير كتابين، وفي الحديث خمسة كتب، وفي الرجال ثلاثة كتب، وفي المعقول ستا وعشرين كتابا، وفي الأدعية كتابين، وفي النحو أربعة كتب، وفي الفضائل كتابين إلى غير ذلك من مؤلفاته)[1].

ونحن نشير هنا إلى بعض عناوين كتبه المهمة مع شيء من التعريف المختصر لها:

ففي الفقه:

له كتب استدلالية، منها تذكرة الفقهاء (14 مجلدا) وهو فقه استدلالي مقارن بين المذاهب، وينتصر فيها لأدلة مذهب الإمامية، ومنها مختلف الشيعة (9 مجلدات) وهو فقه استدلالي مقارن ولكن بين أقوال فقهاء الشيعة ينتصر فيها لآرائه ويستدل عليها، ومنتهى المطلب (4 مجلدات) وهو جمع بين الطريقتين السابقتين.

[1]الحسيني، أحمد في مقدمة تبصرة المتعلمين. 9


صفحه 139

وفي الفقه له أيضا فقه مجرد عن الدليل: مثل إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان (مجلدان) الذي بلغ الاهتمام به به أن له قرابة (51) شرحا وتعليقة، والرسالة السعدية وقد بدأها بالبحث الكلامي عن الله وصفاته والنبي المصطفى وميزاته ولزوم اتباع منهج أهل البيت عليهم السلام ، ثم ثنى بذكر مسائل الوضوء والصلاة، ثم فصل عن الأخلاقيات، وختمها بذكر العدل واجتناب الظلم، (حيث أن الكتاب ألف لأحد الحاكمين المسمى بخواجه سعد الدين).

وله أيضا: تبصرة المتعلمين، وهو كتاب فقهي كامل (من الطهارة إلى الديات) وقد حظي باهتمام كبير، بحيث كان محور الدراسة في الحوزات العلمية، إلى وقت قريب، ومحل شرح وتحشية العلماء عليه.

وله أيضا قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام، ذكر فيه ما يقارب من (660) قاعدة في الفقه، وكتاب تحرير الأحكام الشرعية الذي يحتوي على قرابة أربعين ألف فرع فقهي، في استعراض من غير استدلال.وله كتاب نهاية الاحكام في معرفة الأحكام، يشتمل على كثير من الأبواب الفقهي، مع استدلال مختصر ومركز.

وأما كتبه الكلامية والعقدية:

ففي طليعتها: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، والأصل للفيلسوف الخواجة نصير الدين الطوسي، ويكفي الكتاب أصلا وشرحا من الفخر ما قاله العلامة القوشجي[1]من أنه لولا كشف المراد لما فهمنا مراد تجريد الاعتقاد. والكتاب يحتوي على قسمين، الأول في مباحث الحكمة العامة، والثاني في الحكمة

[1]علي بن محمد القوشجي، علاء الدين ت 879هـ: فلكي رياضي، من فقهاء الحنفية. أصله من سمرقند. كان أبوه من خدام الأمير «ألغ بك «ملك ما وراء النهر، يحفظ له البزاة وقرأ علي على الأمير ألغ بك - وكان ماهرا في العلوم الرياضية - ثم ذهب إلى بلاد كرمان فقرأ على علمائها، وصنف فيها «شرح التجريد - ط «للطوسي، وعاد. وكان ألغ بك قد بنى «رصدا «بسمرقند، ولم يكمل، فأكمله القوشجي. الأعلام - خير الدين الزركلي - ج 5 - ص 9


صفحه 140

الخاصة بدءا بوجود الله تعالى، وقضايا النبوة والإمامة وسائر الاعتقادات.

وكتاب الألفين في إمامة أمير المؤمنين، رتبه على أساس ألف دليل على إمامة الامام علي عليه السلام ، وألف دليل في إبطال شبه الطاعنين فيها. ولم يكتمل.

ومنهاج الكرامة في معرفة الإمامة، وفيه بعد الحديث عن الاعتقاد بالله وصفاته، الحديث عن الامامة عموما وإمامة أمير المؤمنين وأهل البيت خصوصا، 1والاستدلال عليها.

ونهج الحق وكشف الصدق، وهو الذي كتبه واهداه للسلطان المغولي الشاه محمد خدابنده الذي تشيع على يد العلامة، فكتب له هذا الكتاب مفصلا في الاعتقادات، بدءا من مباحث التوحيد ثم النبوة والامامة والاستدلال من القرآن على إمامة أمير المؤمنين وأولاده، وختمه بأمهات المسائل الفقهية.

ومنتهى الوصول إلى علمي الكلام والأصول، وأسمه يدل على محتواه.

ومنهاج اليقين في أصول الدين. والباب الحادي عشر.

وفي علم الأصول:

له عدد من الكتب منها: نهاية الوصول في علم الأصول (4 مجلدات)، وتهذيب طرق الوصول إلى علم الأصول، ومبادئ الوصول إلى علم الأصول. وغيرها.

شهادات قيمة في دوره وأثره:

لا يعرف الفضل أحد أكثر من أهله، ولا يقيم العالمَ في بازار التقييم أحسن من خريت العلم والفقاهة، ولذا سوف نورد شهادتين فقط من عشرات الشهادات التي قيلت في حق العلامة، شهادتين من فقيهين عظيمين في المدرستين (مدرسة المحدثين ومدرسة المجتهدين)، الأولى للمحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني


صفحه 141

الذي تأتي ترجمته حيث قال في حق العلامة: وكان هذا الشيخ وحيد عصره، وفريد دهره، الذي لم تكتحل حدقة الزمان له بمثل ولا نظير، كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما بلغ إليه من عظم الشأن في هذه الطائفة ولا ينبئك مثل خبير.. وبالجملة فإنه بحر العلوم الذي لا يوجد له ساحل، وكعبة الفضائل التي تطوى إليها المراحل[1].

والأخرى: شهادة من السيد مهدي بحر العلوم -تأتي ترجمته- في حق العلامة حيث قال:علامة العالم وفخر نوع بني آدم، أعظم العلماء شأنا وأعلاهم برهانا. سحاب الفضل الهاطل وبحر العلم الذي ليس له ساحل، جمع من العلوم ما تفرق في جميع الناس، وأحاط من الفنون بما لا يحيط به القياس، مروج المذهب والشريعة في المائة السابعة، ورئيس علماء الشيعة من غير مدافعة، صنف في كل علم كتبا، وآتاه الله من كل شئ سببا، أما الفقه فهو أبو عذره وخواض بحره.. وأما الأصول والرجال فإليه فيهما تشد الرحال وبه تبلغ الآمال وهو ابن بجدتها ومالك أزمتها. أما المنطق والكلام فهو الشيخ الرئيس فيهما والإمام[2].

بين العلامة والشيخ البيضاوي

يعد الشيخ ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي الشيرازي المتوفى سنة 692هـ، من أعاظم علماء الشافعية، ومن أهم مفسري المسلمين، ومذ ألف كتابه (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) في تفسير القرآن والذي عرف بتفسير البيضاوي، فقد استقطب اهتمام علماء المدرستين، وذلك لما كان يتمتع به البيضاوي من دقة وذكاء وسعة تتبع. وقد ذكروا في شأنه أيضا أنه وجه رسالة يناقش فيها العلامة الحلي رحمة الله ، بعدما اطلع على قول العلامة في كتاب القواعد، (ولو تيقنهما - أي: الطهارة والحدث - متحدين متعاقبين وشك في المتأخر، فإن لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر وإلا استصحبه)، وبدأ في تلك الرسالة بقوله: يا مولانا جمال الدين

[1]لؤلؤة البحرين: 210

[2]الفوائد الرجالية 2. 25.


صفحه 142

أدام الله فواضلك، أنت إمام المجتهدين في علم الإصول، وقد تقرر في الأصول مسألة إجماعية، هي: أن الاستصحاب حجة ما لم يظهر دليل على رفعه، ومعه لا يبقى حجة. بل يصير خلافه هو الحجة. إلى آخر ما ذكر في مناقشته لقول العلامة.

فكان أن أجابه العلامة بكتاب جاء فيه: وقفت على ما أفاده مولانا الإمام العالم أدام الله فضائله وأسبغ عليه فواضله، وتعجبت من صدور هذا الاعتراض عنه، فإن العبد ما استدل بالاستصحاب بل استدل بقياس مركب. إلى آخر ما ذكر في جوابه). ثم أنفذه إلى شيراز، ولما وقف القاضي البيضاوي على هذا الجواب استحسنه جدا وأثنى على العلامة[1].

وأنت ترى عزيزي القارئ مقدار الاحترام الذي يكنه كل من العلمين العالمين لصاحبه، بالرغم من اختلاف مدرستهما الفقهية والعقدية!

ولهذا يحق للمرء أن يعجب بهذه الأخلاقية العالية، ويتعجب في نفس الوقت من معاصر العلامة الآخر، الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728هـ، وأنه كيف كان يرد على العلامة بأبشع الألفاظ، وأقذع النعوت، كما جاء في كتاب (منهاج السنة)! فهو يبدأ في خطبة الكتاب مشنعا حتى على لقب المؤلف واسم جده (ابن المطهر) والمؤلف لا دخل له في اسم الجد، فقال ابن تيمية: كما أن من ادعى الطهارة وهو من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، بل من أهل الجبت والطاغوت والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير أولى من وصفه بالتطهير ! أو عندما يريد المناقشة يقول: إن هذا المصنف الرافضي الخبيث الكذاب المفتري!!

وأنت تعلم عزيزي القارئ أن كلا ينفق من بضاعته!

[1]الحسون، فارس في مقدمة إرشاد الأذهان 1. 148.


صفحه 143

صاحب العوالي

محمد بن علي بن ابراهيم بن أبي جمهور الأحسائي

ت 930هـ

أشرنا عند الحديث عن الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي إلى حقيقة أن تاريخ العلماء والفقهاء في منطقة يكشف عن تجذر الفكر الديني في تلك المنطقة، ويبين أن وجود أتباع ذلك الفكر أو المذهب الديني في تلك المنطقة ليس طارئا ولا نتيجة ظرف سياسي، فإن بروز عالم في مستوى الاجتهاد والاستنباط الفقهي يشير إلى بيئة علمية تفاعل معها هذا العالم حتى وصل إلى هذه المرتبة، وتلك البيئة لا ريب أنها تحتاج إلى محضن اجتماعي يرعاها، وهو ما يشير إلى تاريخ الفكر أو المذهب في هذه المنطقة.

وهذا الأمر كما هو صادق في منطقة القطيف التي عرفت تاريخيا باسم (الخُط) أو حتى (البحرين) فإنه أيضا يصدق في مثل الأحساء[1]التي حمل عالمنا الفقيه المحدث والفيلسوف ابن أبي جمهور وهذا ما اشتهر به النسبة إليها.

وتشكل الفترة التي عاش فيها، فترة متميزة من حيث التطور العلمي في مناهج الاستدلال، بعد فترة المحقق والعلامة الحليين، فقد شهدت هذه الفترة بروز علماء كبار صنفوا وألفوا

[1]الأحساء جمع (حسي): الأرض الصخرية المغطاة بطبقة رملية تختزن مياه الأمطار. بحيث يمكن الحصول عليها نقية عذبة بحفر عمق بسيط جداً ولكثرة الاحسية في هذا الموقع عرفت المنطقة بالأحساء، وتتبع بحسب التقسيم الاداري المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، ويوجد فيها أكثرية من أتباع أهل البيت الإمامية كما تضم عددا كبيرا من الشافعية، وبقية المذاهب الأربعة.


صفحه 144

الكثير من الكتب التي بقيت إلى مراحل متأخرة محل التعليق والمناقشة والبحث.

فقد برز فيها الشهيد الثاني، ووالد البهائي وابنه، والمحقق الكركي، والمحقق الأردبيلي، وغيرهم. ولا ريب أن بروز شخص بين هؤلاء الفحول يحتاج إلى قدرات استثنائية. وقد حصل ابن أبي جمهور على تلك القدرات فأصبح علَما يشار إليه، ونجما يهتدى به.

ذلك أنه بعدما طوى دراساته الأولية في بلده على يد والده سافر بعدها بمدة إلى العراق ليحضر درس الشيخ حسن الفتال الذي وإن لم يؤثر عنه كتب تُعرّف به إلا أن أخذ الأعاظم عنه خير معرف، ولا نعلم الفترة التي قضاها في العراق إلا أنه في سنة 877هـ عزم على الحج عن طريق الشام، وفي طريقه قصد الشيخ علي بن هلال الجزائري (في بلدة كرك نوح في لبنان) الذي يذكر بالإعظام ضمن أساتذة المحقق الكركي، والفاضل القطيفي، وبقي معه مدة قليلة استفاد منها كما قال مترجموه شيئا كثيرا.

بعد أن قضى حجه سافر إلى العراق من جديد ومنها إلى خراسان قاصدا زيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، حيث نزل فيها عند السيد محسن الرضوي وفي هذا المنزل حصل بين الشيخ الأحسائي وبين الفاضل الهروي مناظرة عقدية سوف نشير إليها فيما بعد.

رؤية في النقاش العقدي والمناظرات:

المناظرات بين العلماء والاحتجاج من قبل كل فريق لرأيه والاستدلال عليه، وتفنيد رأي الخصم ليس شيئا جديدا، ولا يقتصر على جانب دون آخر، بل يشمل الأصول كما يشمل الفروع الفقهية، غير أن الذي يكتسب إثارة خاصة، وأهمية هو المناظرات في الأصول الاعتقادية نظرا لأنه يترتب عليها مع ثبوت أحد الجانبين