كتابه وتم تناقلها من بعده، لا ريب أنه صنع ثراء في الفقه الامامي.
وأما باقي كتبه فهي وإن كانت لا تتمتع بنفس الشهرة التي حصلت لكتاب العوالي، إلا أنها مهمة ومفيدة، ولا سيما كتابه (الأقطاب الفقهية) الذي يجري على نهج القواعد والفوائد للشهيد الأول، أو نضد القواعد للمقداد السيوري، فهو يشتمل على عدد كبير من القواعد الفقهية والأصولية التي تنفع الفقيه والباحث، ويمكن له الاعتماد عليها في الاستنباط.
وقد جمع الشيخ الحسون في مقدمته لكتاب الأقطاب الفقهية أسماء كتبه على النحو التالي:
أسرار الحج.
الأقطاب الفقهية.
شرح معين الفكر في شرح الباب الحادي عشر.
قبس الاقتداء أو الاهتداء في شرائط الإفتاء والاستفتاء.
كاشف الحال عن أحوال الاستدلال: وهو في بيان طريق الاستدلال على التكاليف الشرعية وكيفية أخذها من الأصول الدينية.
كشف البراهين في شرح زاد المسافرين: في أصول الدين.
رسالة في لزوم العمل بأخبار الأصحاب في هذا الزمان.
المجلي لمرآة المنجي: وهو شرح لكتابه مسالك الأفهام في علم الكلام.
مسالك الأفهام في علم الكلام.
المسالك الجامعية في شرح الرسالة الألفية الشهيدية.
معين الفكر في شرح الباب الحادي عشر.
مناظرة ابن أبي جمهور مع الفاضل الهروي العامي في المشهد الرضوي في مجالس ثلاثة في مسألة الإمامة.
عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية.
درر اللئالي العمادية في الأحاديث الفقهية.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الفاضل القطيفي
الشيخ ابراهيم بن سليمان
كان حيا إلى سنة 945هـ
من فوائد تأريخ العلماء وترجمة حياتهم، الكشف عن الحالة العلمية والمذهبية التي سادت في عصرهم، وهذا يكتسب أهمية لجهة معرفة التطور التاريخي للمجتمعات التي عاشوا فيها، إذ من المعلوم أن وجود العالم في وقت معين يعتبر مرآة للنشاط العلمي في وقت وجوده، بل ويكشف لنا عن انتماء ذلك المجتمع الديني أو المذهبي في الفترة تلك.
وسيكون هذا نافعا في تأكيد بعض الأفكار، ورد بعضها. فإذا قال بعض مثلا بأن التشيع وافد على المنطقة العربية من إيران، كانت هجرة العلماء العرب من لبنان والعراق والبحرين إلى إيران في البدايات من أيام العلامة الحلي، وفيما بعد أيام المحقق الكركي، ردا واضحا على هؤلاء حيث أن إيران كمجتمع لم تنتم للتشيع إلا بعد مرور قرابة ستة قرون من بداية الإسلام. ولم يصبح التشيع المذهب الحاكم على مستوى كل البلاد إلا بعد أكثر من تسعة قرون من بداية الإسلام.
وهكذا الحال عندما يتحدث بعض غير الواعين ضمن خلفية متعصبة، ناعيا على شيعة القطيف أو الأحساء ارتباطهم بعلمائهم ومرجعياته، ناميا ذلك إلى أن أصولهم المذهبية جاءت من إيران، فإنه يتجاوز الكثير من الحقائق التاريخية التي تشير إلى أن هذه المنطقة والبحرين دخلها الإسلام في السنة السادسة للهجرة في نسخته الشيعية، وتولى عليها في الغالب
ولاة كانوا على خط منسجم مع أهل البيت عليهم السلام ، ولذلك ظل هذا الاتجاه هو الاتجاه السائد منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا بالرغم من تعرضها لضغوط مختلفة[1].
وكان من الطبيعي أن تشهد فترات التاريخ لهذه المنطقة والمجتمع بروز علماء وفقهاء، كان من ألمعهم الشيخ ابراهيم بن سليمان المعروف بين العلماء بـ (الفاضل القطيفي).
ولقب الفاضل الذي عرف به في الكتب الفقهية، يشير إلى منزلته العلمية، وذلك أننا نجد أنه يطلق على بعض أعيان الطائفة مثل (المحقق الحلي صاحب الشرائع، وابن أخته العلامة الحلي رحمهما الله) حيث يعبر عنهما بالفاضلين في كثير من الكتب الفقهية، وبهذا اللقب ذكره الحر العاملي فقال (عالم فاضل فقيه)[2]والمحدث البحراني عندما يتكلم عن الشيخ القطيفي يصفه بالإمام الفقيه الفاضل المحقق المدقق[3]. كما استشهد بكلماته بعنوان الفاضل القطيفي وناقشها الشيخ مرتضى الأنصاري في كتابه المكاسب في أكثر من موضع.
إن بروز هذا العالم الجليل ليشير عادة إلى وجود حالة علمية في منطقته تدعو إلى المعرفة، ومستوى من الفكر يتسلقه المتعلم حتى يصل إلى أعلى الدرجات، وليس طبيعيا أبدا أن ينبغ شخص بهذا المستوى العلمي من دون أن يكون في محيطه الذي يعيش فيه حالة علمية داعية إلى ذلك.
وبالرغم من أننا لا نجد في كتب التراجم تفاصيل دراسته ومدرسيه في القطيف، سوى ما يذكر من أنه درس في اوائل عمره على يد والده في القطيف، ثم غادرها إلى النجف في العراق ليستقر فيها إلى آخر حياته.
[1]للتفصيل يراجع للمؤلف كتاب: صفحات من التاريخ السياسي للشيعة، فصل تشيع القطيف والأحساء.
[2]أمل الآمل 2. 8.
[3]مقدمة السراج الوهاج عن كشكول البحراني.
بين الفاضل القطيفي والمحقق الكركي:
ولا يكاد يذكر الفاضل القطيفي إلا ويذكر معه المحقق الشيخ علي عبد العال الكركي، وذلك أنهما يكادان أن يكونا ممثلين لخطين متوازيين في ما يرتبط بالتعامل مع السلطات الزمنية في زمان الغيبة. وربما نجد آثار هذين المنهجين كلاًّ أو بعضاً في هذه الأزمنة لدى بعض الفقهاء موجودة.
ولم تخل العلاقة بينهما والجدل الدائر في المسائل المختلفة من حدة لفظ، يلحظ في كتاباتهما، وزاد الأمر شدةً تعصبُ من جاء بعدهما لأحد الطرفين بالغض من شأن منافسه أو معاصره.
فليكن لنا تقديم وتمهيد يشرح بشكل إجمالي الأوضاع التي عاش فيها كلا الفقيهين، وأنتجت اختلافا بينهما في عدد من المسائل المرتبطة بالعلاقة مع الدولة والسلطة.
فبعد تحول صفي الدين الأردبيلي من طريقته الصوفية إلى التشيع، وقيام خلفائه فيها بتأسيس نواة جيش سيطر بالتدريج على إيران، ومجيء الشاه اسماعيل وحكمه لمناطق إيران (كيلان وفارس) من سنة (906 إلى 930) هجرية ثم هزيمته أمام الأتراك العثمانيين في معركة جالديران، جاء إلى الحكم الشاه طهماسب الذي كان صغير السن، ولكنه تميز مع شبابه بالذكاء والقدرة واستطاع أن يهادن أعداءه في البداية لكي يبني إيران داخليا ثم استطاع استعادة ما فقد من الأراضي، بل أحدث نهضة علمية مهمة في إيران، وقد ساعده على ذلك طول مدة حكمه التي استمرت 54 سنة (من سنة 930 إلى 984) هجرية، وأيضا استقدامه لأكابر العلماء الشيعة من مختلف المناطق.
فبعد أن استقر اعلان التشيع في إيران باعتباره مذهب الدولة الرسمي، بعث
إلى عدد من علماء الشيعة في لبنان والعراق والبحرين، لكي يأتوا إلى إيران، ويبثوا علومهم.
لقيت دعوة الشاه طهماسب أذنا صاغية من كثير من العلماء، كان أبرزهم المحقق الثاني الشيخ علي عبد العال الكركي، الذي كان يعد في زمانه في طليعة الفقهاء. واستجاب هذا وأولئك لطلب الشاه طهماسب. وجاء المحقق الكركي من لبنان لكي يصبح الرجل الأول في مملكة الشاه طهماسب إلى حد قيل بأن (منصوب الشيخ لا يُعزل ومعزول الشيخ لا يُنصب).
وكان من الطبيعي أن يؤسس هذا الوضع لجملة من القضايا في كيفية تعامل الفقهاء في زمن غيبة المعصوم، وهي التي كانت محل نقاش بين المحقق الكركي، والفاضل القطيفي. وهي وإن لم تكن سياسية بالمعنى الشائع أي أنها لم تكن تخضع لأدوات المسألة السياسية والموقف السياسي، بل كانت أدوات البحث فيها شرعية، ولكن الفهم لتلك الأدوات، والنظر إليها كان مختلفا بين الفقيهين. ولعلنا من خلال ما سنشير من الأمثلة نوضح ما سبق:
1. فأول ما نقل من الإختلاف بين الفقيهين، الموقف من هدايا السلطان، وهل يقبلها الفقيه أو لا؟
ذلك أنهم نقلوا أن الشاه اسماعيل قبل الشاه طهماسب كان يبعث إلى المحقق الكركي المال في النجف، ليعين بها طلاب العلم، وذكر أنه كان يبعث (70) ألف دينار كما ذكر السيد الأمين في الأعيان[1]، فاعترض عليه الفاضل القطيفي في قبوله لهدايا السلطان تلك. ونقلوا حوارا بصيغ مختلفة بين الفقيهين حول المسألة حاصله:أنه لما جاءت هدايا الشاه اسماعيل إلى المحقق الكركي، ورفضها الفاضل القطيفي، اعترصه الكركي بقوله: إن القطيفي ليس بأفضل من الإمام الحسن بن
[1]الأمين؛ السيد محسن: أعيان الشيعة 8/209.
علي عليهما السلام، كما أن الشاه ليس بأسوأ من معاوية بن أبي سفيان، وقد قبل الامام الحسن هدايا معاوية، فبالأولى أن يقبل مثل القطيفي هدايا الشاه اسماعيل. بل يكون القطيفي قد ارتكب حراما أو مكروها بترك التأسي بالإمام عليه السلام .
وقد أجابه القطيفي[1]: بأن التعرض لجوائز الحكام مكروه! واستشهد بما ذكره الشهيد في الدروس بأن «ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، ولا يعارض ذلك أخذ الحسن عليه السلام جوائز معاوية، لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة».
وقد انتصر فيما بعد لكل من الفقيهين أنصار، ففيما رأى السيد الأمين في الأعيان أن موقف الفاضل القطيفي يعد جمودا، فمن أحق بهذا المال من الفقيه المجتهد؟ وهل كان الشيخ الكركي يستطيع أن يقوم بما قام به، لولا قبوله تلك الهدايا. ثم أقر بأن التورع عن تلك الهدايا هو طريق السلامة، ولكنه انتقد ما اعتبره إطالة لسان من الفاضل القطيفي بحق الكركي وكان ينبغي عليه حمل فعل الكركي على الصحة. بل كان الكركي أبعد غورا وأصح رأيا، وأقوى سياسة في ذلك.
بينما رأى صاحب رياض العلماء الشيخ عبد الله الأفندي أن موقف القطيفي هو الأحق بالتأييد وأن كلام المحقق الكركي مغالطة، لأن القياس بين الامام الذي هو مالك حقيقة لما في يد الحاكم وبين غيره كالفقيه قياس مع الفارق، فيبطل الكلام عن التأسي، وأيضا فإن الإمام كانت ظروفه تقتضي قبوله الهدايا كعلامة على أنه لم ينقض الصلح، ولا توجد هذه الظروف لدى المحقق الكركي مع سلطان زمانه، وبأن قبول الهدايا مستلزم للركون إلى الظالم (حيث الانسان عبْد الاحسان) والركون محرم.
2. كما اختلفا في موضوع الخراج من الأرض المفتوحة عنوة وهل يجوز أخذه من الحاكم في هذا الزمان أو أنه مرهون يإذن الامام المعصوم؟ وهذا الاختلاف
[1]مقدمة السراج الوهاج: طباعة مركز النشر التابع لجماعة المدرسين، قم ايران.