وأشهد على ذلك شهود الزور وأرسل إلى السلطان الذي أمر أن يستدعى الشخص المذكور! ليجمع بينه وبين العلماء عنده ويرى مقالته[1].
هكذا هم أصحاب المصالح الشخصية، يتظاهرون بالحرص على الناس ومصالح الناس! حتى أن فرعون كان يخاطب السحرة المؤمنين بأنهم إنما آمنوا بموسى ليخرجوا الناس من مدينتهم!{إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}[2].
هنا الخوف على تغير مذهب الناس وهو أمر ظني لا يقابله الخوف من إراقة دم مسلم محترم وهو محرم قطعي!!
ولا ريب أن القاضي المذكور قد ضرب على الوتر الحساس لدى العثمانيين الذين كانوا يعيشون حالة حرب محتدمة مع الصفويين في إيران والذين كانوا يرفعون شعار التشيع، وقد توفر على الجبهتين سلطانان قويان كان كل منهما يعيش همّ الانتصار على قرينه والفتح، واستخدم في تلك الحرب كل الأسلحة الممكنة ومنها سلاح الفتاوى والتكفير من قبل كل فريق للفريق الآخر. فقد كان في الطرف العثماني السلطان سليمان القانوني الذي استمرت سلطته قرابة نصف قرن من الزمان، وفي الطرف الصفوي كان الشاه طهماسب الذي حكم هو الآخر أكثر من نصف قرن، وكان التطرف المذهبي عاليا في الطرفين!
يقال أن الرسول الذي جاء ليأخذ الشيخ زين الدين من بلدته لم يجده فيها وعلم أنه في طريق الحج، فذهب خلفه حتى وجده قريبا من الحجاز! وإذ أراد إرجاع الشيخ عرض عليه الشيخ أن يحج معه على نفقته هو إن كان يخشى أن يهرب، ثم يعود معه، وهكذا كان فأحجه الشيخ على نفقته وكان معه في المناسك كلها.
[1]الحر العاملي. أمل الآمل 1/90.
[2]الاعراف. 123.
»فلما فرغ من الحج سافر معه إلى بلاد الروم فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال هذا رجل من علماء الشيعة أريد ان أوصله إلى السلطان فقال أو ما تخاف ان يخبر السلطان بأنك قد قصرت في خدمته وآذيته وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سببا لهلاكك بل الرأي ان تقتله وتأخذ رأسه إلى السلطان فقتله في مكان على ساحل البحر«[1]
وهكذا مشورة حمقاء على رجل أشدّ حمقاً أودت بقامة علمية من وزن الشيخ زين الدين العاملي ثاني الشهيدين، تعاضد في شهادته الحسد والحمق لكي ينجزاها.
جاء القاتل ومعه رأس الشهيد الثاني إلى السلطان فسأله: ما هذا؟ فقال: هذا رأس الرجل الذي بعثتم في طلبه!
فالتفت القاضي عبد الرحيم العباسي[2]وكان الشيخ الشهيد قد تعرف عليه في سفرته السابقة إلى الآستانة وقرأ عليه، وتعرف العباسي على فضيلة الشيخ زين الدين العلمية، فعرف رأسه.
[1]أعيان الشيعة ج 7 ص 157.
[2]عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو الفتح العباسي (867 - 963 ه = 1463 - 1556 م: عالم بالأدب، من المشتغلين بالحديث. ولد ونشأ بمصر، وذهب إلى القسطنطينية مع رسول من قبل السلطان الغوري إلى السلطان بايزيد، فعرض عليه بايزيد تدريس الحديث في عاصمته، فاعتذر، وعاد إلى مصر. فلما انقرضت دولة الغوري انتقل إلى القسطنطينية وأقام إلى أن توفي بها. من كتبه (معاهد التنصيص في شرح شواهد التلخيص - ط أربعة أجزاء، و (فيض الباري بشرح غريب صحيح البخاري - خ و (نظم الوشاح على شواهد تلخيص المفتاح. يلاحظ القارئ المتأمل هنا أنه يوجد تخالف بين كون القاضي العباسي حاضرا بعد شهادة الشهيد التي كانت في سنة 966هـ على ما ذكره مترجمو حياته وبين كون القاضي العباسي هذا قد توفي في سنة 963هـ، أي قبل الحادثة بثلاث سنين، فأحد التاريخين، بعد تمامية القصة، لا بد أن يكون غير دقيق. وقد ذكر بعض مترجمي حياة الشهيد أنه توفي قبل هذه السنة لكن المشهور عليها، فقد نقل في أمل الآمل عن كتاب تاريخ جهان آرا بالفارسية أنه توفي سنة 965هـ، وعن بعضهم أنه أرخه شعرا بما يعادل 964 وهو لا يحل الاشكال. وليس لدينا مصدر آخر يذكر سنة وفاة القاضي العباسي غير ما ذكره الزركلي في الأعلام 3. 345.
وسأل السلطان[1]هذا الرسول: من أمرك أن تقتله؟
فقال: أحدهم قال لي كذا وكذا!
فرد عليه العباسي: أن السلطان قال أن تحضره حتى نرى كلامه ونناقشه فكيف تقتله، أنت الآن قاتل شخص عمداً من غير جناية فتقتل كما قتلت،فقتل. وصدق من قال (بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين).
النتاج العلمي للشهيد الثاني:
يتعجب الناظر في حياة ثاني الشهيدين حين يرى الغزارة والعمق في إنتاجه في وقت واحد. فربما يستطيع البعض أن يكثر من التأليف ولكن قد لا تجد فيه الدقة الكافية، وقد ترى وجود الدقة مع قلة التأليف والتصنيف. هذا مع قلة الفترة الزمنية التي عاشها بالقياس إلى غيره من العلماء حيث لم يتجاوز عمره (55) عاما، ومع أنه كان في مطلع عمره يعمل في كرم (بستان عنب) له في النهار، وينقل الحطب والماء إلى أهله في الليل، أي لم تكن الأمور الحياتية والمعاشية ميسرة له حتى يتفرغ بالكامل للتأليف.
فقد عدّ له السيد الأمين في الأعيان، (79) كتابا ورسالة. اشتهر بعضها، وصار محور الدراسة العلمية في الحوزات الشيعية، ولا يزال بالرغم من مرور ما يقارب خمسة قرون على تأليفها.
منها كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ويقع في عشرة أجزاء بالطبع الحديث. وهو شرح استدلالي مزجي على كتاب اللمعة الدمشقية للشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي العاملي، وقد كتبه الشهيد الأول استجابة لطلب قادة
[1]يظهر من خلال التأريخ الذي استشهد فيه الشيخ زين الدين، أن السلطان العثماني كان سليمان القانوني الذي حكم في الفترة ما بين 926 و974.
(سربداران)[1]في خراسان لا كما يقوله البعض من أنه كتبه في السجن على ما حققه بعض الأفاضل.
ومنها مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام: ويقع في 15 مجلدا بالطبع الحديث، ومن المعلوم أن كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي رحمة الله كان ولا يزال من النصوص الفقهية المتينة والمتقنة التي لقيت اهتماما واسعا من قبل العلماء والباحثين ولذلك يقول بعضهم إن ما عرف من الشروح على هذا الكتاب تجاوز المائة، إلى زمان صاحب الذريعة الطهراني.
إلا أن شرح الشهيد الثاني الاستدلالي (المسالك) يعتبر من أفضلها حيث أنه جمع بين اختصار العبارة وجامعية الدليل، وهو مختصر في باب العبادات مفصل في المعاملات.
ومنها روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان وهو شرح استدلالي لكتاب العلامة الحلي (إرشاد الأذهان) والموجود منه مطبوعا باب الطهارة والصلاة.
ومنها كتاب تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتمهيد الأحكام الشرعية، وهو كتاب وصفه مؤلفه بأنه (واحد في فنه)، ويشتمل على مائة قاعدة أصولية ولغوية تنفع طالب العلم في استنباط الأحكام الشرعية، وتتبين آثارها فيها.
ومنها كتاب مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد: وهو كتاب أنتجته معاناة
[1]سربداران: أي المشنوقون، اسم لحركة تحررية صارت فيما بعد دولة، وذلك أنه بعد استيلاء المغول على إيران في القرن الثامن الهجري، واضطهادهم لأهل خراسان وسبزوار، بمصادرة الأموال وانتهاك الأعراض، ثار أحد العلماء بإسم شيخ خليفة، وواصل المسيرة بعده تلميذه شيخ حسن الجوري، واستطاع أعقاب هؤلاء أن يحكموا خراسان وأطرافها قرابة نصف قرن من الزمان باستقلال عن المغول، وانتهت دولتهم في سنة 788 هـ ـ وقد سُموا بهذا الاسم كما يقول صاحب روضات الجنات لأنهم كانوا يقولون، إن استطعنا دفع الظلم وإلا فلتكن رؤوسنا على المشانق حيث لا نتحمل الظلم بعد هذا أبدا.. وقد كاتبوا الشيخ محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول ليأتي إليهم ويكون قاضيهم فلم يفعل وزودهم بكتاب فقهي كتبه لهم هو اللمعة الدمشقية.
الشهيد ومكابدته الألم حيث أنه لم يكن يبقى لديه ولد، «فمات له أولاد ذكور كثيرون قبل الشيخ حسن الذي كان لا يثق بحياته أيضاً» كما قال السيد الأمين.
ويستطيع الناظر أن يرى بوضوح مقدار ألم الشيخ زين الدين من جهة، مثل ما يرى صبره ورضاه بما قسم له في مقدمة ذلك الكتاب حيث يقول «فلما كان الموت هو الحادث العظيم، والأمر الذي هو على تفريق الأحبة مقيم، وكان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب، حتى يكاد يزيغ له قلب ذي العقل، والموسوم بالحدس الصائب، خصوصاً ومن أعظم الأحباب الولد، الذي هو مهجة الألباب، ولهذا رتب على فراقه جزيل الثواب، ووعد أبواه شفاعته فيهما يوم المآب.
فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من الآثار النبوية، وأحوال أهل الكمالات العلية، ونبذة من التنبيهات الجلية، ما ينجلي به إن شاء الله تعالى الصدأ عن قلوب المحزونين، وتنكشف به الغمة عن المكروبين، بل تبتهج به نفوس العارفين، ويستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين».
ومنها كتاب منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ضمنه أخلاق أهل العلم دارسين ومدرسين، ونصائح مهمة في طلب العلم
ومنها كتاب الرعاية في علم الدراية: وهو كتاب في جزء واحد كتبه على سبيل الايجاز والاختصار وأحال من يطلب التفصيل على كتابه الآخر (غنية القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين) الذي وصفه بأنه بلغ الغاية في الاستقصاء.
ومنها أجوبة لمسائل مختلفة وردت إليه مثل: جوابات المسائل الهندية، والشامية، والمباحث النجفية، وجوابات ستين مسألة، وجوابات الشيخ أحمد ظاهر.
ومنها كتاب شرح الألفية والنفلية حيث كتب الشهيد الأول في شرحه لحديث
منقول عن النبي أن للصلاة ألف حد، فذكر ألف واجب من واجباتها، ثم أتبعه بالنفلية حيث نقل عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، أن لها أربعة آلاف حد، فبقي الباقي وهو المستحبات.
وجاء الشهيد الثاني فشرح ما أسسه الشهيد الأول.
وقد ذكر في أعيان الشيعة عناوين كتبه كاملة فليراجع من شاء التفصيل.
قداسة النفس وتحرر الفكر
المقدس أحمد بن محمد الأردبيلي
ت 993هـ
{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}[1]
فيما كان الشاب (محمد) في طريقه، يماشي ساقية متفرعة من النهر، متجها إلى منزله وإذا به يرى تفاحة نضرة، قد حملها الماء من الاتجاه المخالف، وسرعان ما صارت في فمه متلذذا بطعمها! وبعد أن ذهبت سكرة لذة الأكل، وجاءت فكرة التأمل، تساءل في نفسه عن أنه كيف أكلها ولا يعلم عن رضى صاحبها؟ فمن الذي أحل له ذلك؟ وصارت المسألة في نفسه، فعزم على أن يتتبع مصدر التفاحة تلك ليستحل صاحبها، حتى يتجنب بقاء الطعام المحرم في بطنه!
وصل إلى بستان فيه شجر تفاح فعلم أن ضالته هنا، ودخل ليجد صاحب البستان موجودا فيه، وقص عليه قصته وطلب منه أن يحلله مما فعل مجانا أو بالمال الذي يبذله ثمنا للتفاحة المأكولة! وذُهل عندما رآه يرفض العرض الذي قدمه مصرًّا على أنه إنما يحلله لو تزوج ابنته المبتلاة بأنها لا تمشي ولا تسمع ولا ترى!! ودون ذلك فإنه لن يحلله مما أكل! أمام الورطة
[1]( الطلاق 2، 3
الكبيرة التي وقع فيها بين مأزقين: بقاء الطعام غير الحلال في بطنه، وبقائه في أسر زواج تكون الزوجة فيه بتلك الصفات المذكورة، اختار البلاء على الحرام!
وفي ليلة الزفاف كان الأمر مفاجئا بالنسبة له، فقد وجد المرأة التي ينبغي أن تكون بالنحو المذكور آنفا مختلفة تماما، فقد وجد نفسه أمام شبه ملاك رقة وجمالا وكمالا! وحين عاد إلى والد زوجته متعجبا، قال له: هي هكذا فهي لم تمش إلى معصية، ولم تسمع حراما، وكفت بصرها عما حرم الله عليها، وكنت أنفس وأضن بها على سائر الشباب وأرى أن من يتزوجها لا بد أن يكون في الدرجة العالية من التقوى وحين رأيتك مستعدا إلى هذا المقدار أن تتورط بزوجة مبتلاة ظاهرا من أجل أن لا يكون في بطنك الحرام، وجدتك أهلا للزواج بها!
من هذه الفتاة الطاهرة وذلك الأب الورع جاء (المقدس) الملا[1]أحمد الأردبيلي! الذي صار فيما بعد من عظماء فقه الإمامية والذي يطلق عليه في العلميات لقب المحقق وفي العمليات والعبادات وتهذيب النفس لقب المقدس والذي توفي سنة 993هـ.
إن أول ما يواجهنا مما يختص به الأردبيلي هو أنه كان متحرر الفكر، وجريء الرأي في الجوانب العلمية إلى درجة كبيرة جدا، وبنفس المقدار كان محتاطا ومقدسا في الأمور العملية والعبادية.
مع أنه في العادة يكون المتقدس عملا والمحتاط في عباداته، أيضا محتاطا في آرائه فلا يخالف مشهور المتقدمين، بينما نلاحظ في حالة المحقق الأردبيلي أنه لم يتقيد مع تورعه وتقدسه برأي غيره من أعاظم المتقدمين من العلماء، بل إذا ظهر له الرأي المخالف لهم قويا اتبعه.
[1]الملا في اللغة الفارسية تعنى العالم الكبير. بينما هي في الاصطلاح المتداول لدى العرب في الخليج من يعلم القرآن أو ينشد رثاء ومدح أهل البيت. واردبيل بلدة كبيرة في شمال إيران.