بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 183

في الجانب العلمي له مؤلفات متعددة من أشهرها كتاب (زبدة البيان في أحكام القرآن) تعرض فيه إلى آيات الأحكام في القرآن واستدلاله بها وله نظريات ابتكارية وتحقيقات دقيقة فيما يرتبط بالاستفادة باستنباط الأحكام الشرعية.

المقدس: نادرة من الزمن الماضي:

على أثر الابتعاد عن الشخصيات المعنوية من جهة، ورؤية نماذج مزورة عن الايمان والسمو الأخلاقي من جهة أخرى، يتبادر إلى ذهن بعض القراء الكرام، أن ما ينقل من قصص عن مثل المقدس الأردبيلي، هي نوع من المبالغات، أو حتى الخيال الكاذب! ولكن الحقيقة أن هؤلاء الأعاظم، قد راضوا أنفسهم بالتقوى، وعلقوها بالملأ الأعلى، فجاءت هكذا.

هلم معي عزيزي القارئ، لنقرأ ثلاث حكايات، لا تنتمي إلى عالم الظاهر، الذي نتعامل معه، ونتأثر به! هلم لنذهب إلى عالَم آخر هو عالم المقدس الأردبيلي:

بدأ بالدراسة الدينية في غرفة بإحدى المدارس الدينية بالنجف الأشرف وكان مشغولاً بدرسه وعبادته وحالته المعنوية، في هذه الأثناء أحد الطلاب أن يشاركه في حجرته فاعتذر منه، ولكن الطالب أصر على ذلك، فقال له إنه يرتاح وحده لأنه يقوم الليل ولديه برنامج سوف يزعجه إذا بقي معه!

فقال الطالب أنه مستعد للتحمل، ورد عليه الأردبيلي: تأتي لكن بشرط أن لا تخبر أحداً عما يحصل في الغرفة لا في قضايا العبادة ولا قضايا الطعام. فقبل الطالب.

في الأيام الأولى لاحظ الطالب أن زميله في الغرفة (الاردبيلي) صائم النهار أكثر أيام الأسبوع، ويفطر على كسرة خبز وشيء بسيط من الطعام، الأمر الذي لم يعتد عليه هذا الطالب، حيث شحب لونه بعد فترة من الزمان، مما حدا ببعض أقاربه


صفحه 184

أن يسأله عما إذا كان مريضاً، وأن يلح عليه حتى أخبره بوضعه مع زميله الأردبيلي وأنه مضطر لأن يجاريه بذلك، فأعطاه أكلاً طيباً ومبلغا ماليا جيدا له ولزميله.

عند المساء عاد الاردبيلي ووجد طعاماً من ألوان مختلفة فسأله،وأخبره الطالب بما حدث مع قريبه وعن إعطاء الهدية وطلب منه قبولها ومن ثم هو حر بما يفعله بها، فقال له الاردبيلي هذا إخلال بالشرط بيننا فلا يمكن لنا الاستمرار، ولا بد أن تغادر هذه الغرفة لغرفة أخرى، أو أغادرها أنا.

يقال إنه احتلم تلك الليلة وربما يكون على أثر ذلك الطعام وأراد أن يقوم إلى صلاة الليل ولكن لم يكن يوجد حمام للاغتسال في المدرسة، فذهب إلى الحمام العمومي بالنجف ووجده مغلقاً فطرق الباب وخرج له عامل الحمام فطلب منه أن يسمح له بالاغتسال فرد عليه أن يعود قبل صلاة الفجر بنصف ساعة لذلك، فطلب منه أن يسمح له بالاغتسال الآن ويعطيه أجراً مضاعفاً[1]فأبى العامل وظل الاردبيلي يعرض عليه المال بزيادة إلى أن عرض عليه أن يعطيه كامل المال الذي وصله هدية من قريب الطالب وهو ربما يعادل راتب العامل لعدة أشهر.

فقبل العامل بذلك وتركه يغتسل. وعلى أثر هذا الانقطاع إلى الله تعالى، والسعي بذل هذا المال الكبير من أجل أن لا تفوته صلاة الليل، حصل له توفيق في العلم ونبوغ استثنائي، وذلك أن العلم (ليس بالتعلم وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه)[2]كما في الخبر عن الامام جعفر الصادق عليه السلام .

كان عطوفاً على الفقراء ويرى نفسه واحدا منهم، وفي أيام زعامته كما نقل تعرضت النجف إلى جدب وقحط فقلت الأرزاق والأطعمة، وأمام هذا كان الناس يحاولون تخزين المؤونة من طعام وغيره، كل بحسب ما لديه من مال،

[1]تكررت هذه القصة في حياة السيد بحر العلوم الطباطبائي كما سيأتي في الحديث عن ترجمته.

[2]المجلسي، المولى محمد باقر: بحار الأنوار 1. 225.


صفحه 185

وأما الفقراء فقد ضاقت بهم الأمور فنظر المولى الاردبيلي (أعلى الله مقامه) إلى ما كان عندهم في المنزل من طعام مختلف ودعا الفقراء وقسم كل هذا الطعام عليهم بالتساوي وأخذ إلى نفسه قسما بنفس المقدار الذي أُعطى لكل فقير.

فقالت له زوجته: كيف تفعل هذا؟ غداً نموت جوعاً!

لم يعبأ بكلامها، بل ذهب في اليوم الثاني للاعتكاف بمسجد الكوفة! احتارت المرأة ما تصنع ولا يوجد لديها طعام. وبعد رحيل المقدس بقليل وإذا بالباب تطرق فسألت من الطارق؟ فقال: أرسلني صاحب الدار بالمؤونة لكم، ففتحت الباب وإذا بالأرزاق والأطعمة من كل نوع وظلت تطبخ لمدة ثلاثة أيام وهي تقول سبحان الله هذا أفخر طعام أنا تذوقته!

وعندما عاد المقدس من الاعتكاف قالت له زوجته ما أروع الطعام الذي أرسلته لنا والمقدس لا يعلم بأمر الطعام أصلاً{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

ما نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار[1]: أخبرني جماعة عن السّيّد الفاضل: آمير علام[2]، قال: كنت في بعض الليالي في صحن الرّوضة المقدسة بالغري على مشرّفها السّلام، و قد ذهب كثير من اللّيل فبينا أنا أجول فيها إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الرّوضة المقّدسة فأقبلت إليه فلمّا قربت منه عرفته انّه استاذنا الفاضل العالم التقي الزّكي مولانا أحمد الأردبيلي قدّس اللّه روحه فأخفيت نفسي عنه حتى أتى الباب و كان مغلقا فانفتح له عند وصوله إليه و دخل الرّوضة فسمعته يكلم كأنّه يناجي أحدا، ثم خرج و أغلق الباب فمشيت خلفه حتى خرج من الغرّي و توجه نحو مسجد الكوفة فكنت خلفه بحيث

[1]52. 175.

[2]مير علام التفريشي، من تلامذة المحقق الأردبيلي، وقد أوصى أن يقوم على التدريس بعده.


صفحه 186

لا يراني حتى دخل المسجد و صار إلى المحراب الّذي استشهد أمير المؤمنين عليه السّلام عنده، و مكث طويلا، ثم رجع و خرج من‌ المسجد واقبل نحو الغري فكنت خلفه حتى قرب من الحنّانة، فأخذني سعال لم اقدر على دفعه، فالتفت إلي فعرفني، و قال: أنت مير علام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدّسة إلى الآن، و اقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة من البداية إلى النّهاية.

فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيّا، فلمّا توثق ذلك منّي قال: كنت أفكّر في بعض المسائل و قد أغلقت عليّ فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين عليه السّلام و اسأله عن ذلك، فما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الرّوضة و ابتهلت الى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن إئت مسجد الكوفة و سل القائم صلوات اللّه عليه، فإنّه امام زمانك، فأتيت عند المحراب، و سألته عنها فأجبت، و ها أنا أرجع إلى بيتي».

وقد يكون بعض الناس معذورين، عندما لا يصدقون مثل هذه الأمور، لأن الحجم الذي تعرف عليه هؤلاء والصور الموجودة في أذهانهم، ممن يحيطون بهم، في مستوى غير المستوى الذي نتحدث عنه! فإذا كان يتعايش مع أشخاص تتسع ذمتهم لسرقة المليارات من مال الناس، أو المال العام! من دون أن تطرف أعينهم، فماذا يعني الحديث عن أكل تفاحة في النهر؟ وإذا كان الالتزام بأصل الفرائض يعد مفخرة فأين يبقى مجال للحديث عن إعطاء مبالغ طائلة لكي يغتسل عن جنابة تمنعه عن صلاة مستحبة في الليل؟ وهكذا.

هذا عن المقدس الأردبيلي.


صفحه 187

ماذا عن (المحقق) الأردبيلي؟

يتحدث الكثير من الباحثين عن أن القداسة والاحتياط لا تتوافق مع التجدد في الفكر والجرأة في الفتوى؟ ولذلك وجدنا أن الغالب فيمن يعرفون بالتقدس العملي، والاحتياط العبادي، أن يكونوا مبتعدين عن الفتوى، غير متجرئين عليها، فضلا عن الإقدام على التجديد فيها، ومخالفة المشهور من أساطين الفقه، وفحول السابقين، فترى قسما منهم يبقى أسير من سبقه، حتى لو لم يكن الدليل عنده تاما على مسلك السابقين! ويكون عندهم رأي المشهور في مسألة كأنه خامس الأدلة بعد الكتاب والسنة والعقل والإجماع!

المحقق الأردبيلي رحمة الله ، تميز بأنه إلى جانب كونه (مقدسا) للغاية، ومحتاطا للنهاية في أمر العبادات، والأخلاق. فقد كان مجددا في الفقه، ومتحررا في أحكامه متبعا للدليل الذي يظهر له. ولا تمنعه الهيمنة الفكرية التي يفرضها قدامى العلماء من أن ينتخب مسلكا غير الذي سلكوه.هذا مع احترامه لمن سبقه، وتعظيمه له.بل ربما دعاه ذلك الاحترام إلى أن يقول إنه لم يفهم مقصود المستدل، لا أنه خطأ! غير أن هذا لم يكن يدفعه إلى موافقته والتسليم له.

ولهذا وجدناه في كثير من الأحيان يشكك في ما هو متسالم عليه بين الفقهاء، ويفتح لمن بعده أبوابا للنظر والتأمل، كما أشار إليه صاحب مفتاح الكرامة وصاحب الجواهر والوحيد البهبهاني.

وعند النظر إلى كتابه المشهور (مجمع الفائدة البرهان في شرح إرشاد الأذهان) في أربعة عشر مجلدا، وهو دورة فقه استدلالي، شرح فيها كتاب إرشاد الأذهان للعلامة الحلي رحمة الله ، جمع فيه بين التحقيق والتتبع، كما أشار إلى ذلك بعض


صفحه 188

الفقهاء[1]، بل صرح مثل العلامة المجلسي[2]بأن كتبه في غاية الدقة والتحقيق. وقد يتهيأ لفقيه دقة نظر وتحقيق وتدقيق، ولكنه لا يكون كثير التتبع، وقد ينعكس الأمر، ولكن المحقق الأردبيلي أعلى الله مقامه جمع بين الحسنتين.

وقد تعرض الحجة السيد أحمد الحسيني في مقالة مفصلة عن (المنهج الفقهي للمحقق الأردبيلي)[3]إلى عدد من الموارد التي خالف فيها المحقق الأردبيلي من سبقه وسلك مسلكا خاصا به نشير إلى جانب مما ذكره.

منها ما ذكره في موضوع القبلة وأنه لا يرى التدقيق التي يتحدث عنه في علم الهيئة والفلك، وإنما أمر القبلة عرفي وهو أسهل ما يكون، حيث تشير إليه الآية المباركة بأن يتوجه (شطر المسجد الحرام).

ومنها تعميم ما جاء في أحكام السبق إلى كل عمل فيه فائدة عقلائية كرفع الأثقال، ومسابقات الجري، والمصارعة ما لم يكن مضرا، فلا مانع منه.

ومنها عدم المنع عن استعمال المتنجسات في غير ما ثبت، وجواز بيعها، وشرائها في ما له منفعة محللة. خلافا للقول بعدم جواز بيع المتنجس.

ومنها القول بعدم نجاسة الخمر وإن كان حراما، فإنه لا دلالة صراحة على نجاسته من آية أو رواية مع إمكان حمل روايات غسل اليد على الاستحباب.

ومنها معذورية الجاهل بطريق الاجتهاد والتقليد، إذا فرضنا مصادفة عبادته للواقع، وأن عبادته لو وقعت بدون أي منهما، فخلافا لما ذهب إليه غيره من بطلانها وإن طابقت الواقع، فقد قال بأنها صحيحة، لأن المعرفة ليست جزءا من المأمور به ولا شرطا لصحته.

[1]آية الله الشيخ علي بناه اشتهاردي. مقابلة في فقه أهل بيت (فارسي).

[2]بحار الأنوار 1/42.

[3]فقه: كاوشي نو در فقه اسلامي 9. 1375 هجري شمسي.


صفحه 189

شيء عن منهجه وتلامذته:

يعرف أثر صاحب المنهج الخاص بما غرسه من خصوصيات ذلك المنهج في تلامذته وأتباعه، وبهذا المقياس فإن المحقق الأردبيلي بالاضافة إلى تربيته طلابا على وفق منهجه وطريقته، كان شديد التأثير فيهم حتى لقد سماهم المتأخرون عنهم، مع أن أولئك التلامذة كانوا أفذاذا في مستوياتهم، ومشاهير في علمهم، سماهم المتأخرون عنهم بـ (أتباع الأردبيلي).

ولقد عبر بعض عن هذه الحقيقة بالقول: إن النتائج التي كانت مجرد احتمال لدى المحقق الأردبيلي، كان صاحب المدارك (السيد محمد العاملي) يحصل له ظن بها، ونفسها هي تكون محل قطع ويقين بالنسبة لصاحب الذخيرة (المحقق السبزواري)[1]!

وأما عن المنهج العام للمحقق الأردبيلي في فقهه، فقد وصف بأنه:

اعتمد كثيرا على الجانب العقلي: وربما يكون هذا ليس بعيدا عن عما كان سيتمخض عنه الأفق بعد ذلك بمدة قصيرة من تحرك التوجه الأخباري الحديثي في الساحة العلمية الإمامية، وربما كان هذا التوجه ضروريا للابتعاد عن التقيد بالحالة الحرفية للنصوص، والتي كانت بالاضافة إلى تقديس السابقين والذي كان من الممكن أن يعيق الحاضرين عن ابتكار نظريات جديدة وأفكار حديثة، تخالف ما كان عليه السابقون. وقد رأى بعض الفقهاء المعاصرين: أننا حين ننظر إلى نتاجه الفقهي نجد أنه يعتمد على البرهان العقلي مثلما يصنع الفيلسوف أو الرياضي لإثبات نظرياته[2]. وقد أرجع بعضهم هذا إلى أنه عاش في بيئة رياضية وفلسفية أثرت على طريقته حتى في الاستدلال الفقهي.

[1]المصدر السابق.

[2]آية الله الشبيري الزنجاني في مقابلة مع مجلة فقه المذكورة.


صفحه 190

التشدد في الجانب الروائي والرجالي: فبالرغم من أنه لم يعتمد مقاييس حادة تجاه أخبار الآحاد برفضها ما لم يحصل الاطمئنان بها كما صنع ابن ادريس صاحب السرائر، ولا حدد الاستفادة من خبر الواحد بخصوص الصحيح الأعلائي (الذي يرويه خصوص الامامي الثقة عن مثله) كما صنع صاحب المدارك، إلا أن التدقيق في الروايات وجعلها تحت مجهره الصارم رواية ودراية يلحظ بشكل عام في كتابه مجمع الفائدة، ويلحظ بشكل أوضح لدى تلامذته كالسيد محمد صاحب المدارك، والشيخ حسن ابن الشهيد في منتقى الجمان. وقد أدى هذا بالأول منهما إلى حذف الروايات الضعيفة من دائرة الاستدلال وعدم الاستفادة من الروايات (الموثقة)!

الشجاعة في انتخاب الموقف والفتوى:

لا ريب أن للماضين ضغطا على المتأخرين، لا سيما وأن التاريخ يكسب المتقدم هالة من القداسة والاحترام، فكيف إذا كان الشخص الذي يعيش في الماضي مقدسا بالفعل؟ ولهذا وجدنا أن قسما من المجتهدين ربما بقوا ضمن (أسر) رأي المتقدمين. ويحتاج الفقيه إلى شجاعة أدبية بحيث يتجاوز هيمنة أقطاب العلم والفقاهة السابقين لكي يفتي برأي توصل إليه ولا يلاحظ فيه رأيهم!

وما نقل عن المحقق الأردبيلي هو نموذج من ذلك، ففي فقهه نرى شجاعة في إبداء الرأي فهو يرى أن الفقيه إذا تبين له أن الأمر الفلاني حلال فلا معنى لأن يحتاط بالترك مراعاة لقول آخرين.وهكذا لو توصل إلى أن الأمر الكذائي واجب فكذلك لا معنى لأن يقول بالاحتياط في فعله لأن غيره يقول بعدم الوجوب.

تلامذة متميزون:

يذكر غير واحد من مؤرخي حياة المحقق الأردبيلي شيئا مهما عن طريقته مع