يسمعون تراكيب واعتراضات وأجوبة تأخذ بالألباب فعندها نهض البوريني واقعا على قدميه فقال إن كان ولا بد فأنت البهاء الحارثي إذ لا أحد اليوم بهذه المثابة الا هو فاعتنقا وأخذا بعد ذلك في إيراد أنفس ما يحفظان وسأل البهاء من البوريني كتمان امره وافترقا تلك الليلة ثم لم يقم البهاء فاقلع إلى حلب.
العودة إلى الأدوار الاجتماعية:
إذا كان الشيخ البهائي قد عكف سنين طويلة على تهذيب النفس ومجاهدتها، ونزع عوامل السيطرة والأبهة منها، ومن خلال تخليه عن البهارج الدنيوية روضها وقمع تطلعها حتى صارت تحت إرادته، ولم يكن طوع أمرها، واستعان في ذلك عليها بما ورد عن المعصومين من أساليب التهجد والتبتل والخضوع لله عز وجل من الأدعية والمناجاة، والنوافل والصلوات، ثم أتم ذلك بتنكره وسياحته في عالم المسلمين، مستفيدا ومفيدا، متعلما ومرشدا، وخالط السوقة وعامة الناس حتى لا يشعر بتميزه عليه (مع أنه متميز على علمائهم ومتفوق)، فقد آن له بعد هذه الدورة التربوية التي استمرت طويلا أن يعود للعمل الاجتماعي والسياسي.
ولهذا فقد قبل عرض الشاه عباس الصفوي سنة 1005هـ أن يكون شيخ الإسلام.ومن أولى منه بذلك وأحق؟
وقد استمر في هذا الدور المهم، توجيها وتعليما وإرشادا إلى أن وافته المنية في سنة 1030هـ.
تلامذة عظام وكتب متنوعة:
تدل على المرء آثاره، ولقد خلف الشيخ البهائي ثلاثة أنواع من الآثار التي تشير إليه وتدل عليه، فمن آثاره ما تقدم من أمور هندسية وفلكية ورياضية، ومن آثاره تلامذة كانوا عيون الدهر علما ومعرفة، وهؤلاء كثيرون وهم يشيرون إلى تعدد
آفاق الشيخ البهائي، حيث برز بعضهم في الحديث، وآخرون في الفقه، وغيرهم في الفلسفة والعرفان وهكذا، فمن تلامذته كان الشيخ محمد تقي المجلسي (الأول) والد العلامة المجلسي صاحب البحار واستاذه، ومن تلامذته المبرزين في الفقه الفاضل الجواد الكاظمي صاحب كتاب مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، وشرح اللمعة. ومنهم صدر الدين الشيرازي المعروف بالملا صدرا وهو من أشهر فلاسفة القرن الحادي عشر، وله كتاب (الأسفار الأربعة) الذي يدرس في الحوزات العلمية في المستويات العالية في الفلسفة، بالاضافة إلى عدد آخر من الكتب.وهكذا العالم الكبير الملا محسن الفيض الكاشاني المتنوع المواهب.
وأما كتبه فقد ذكر مترجموه أنها كثيرة فمنها:
كتاب الحبل المتين في إحكام أحكام الدين جمع فيه الأحاديث الصحاح والحسان والموثقات وشرحها شرحا لطيفا خرج منه الطهارة والصلاة ولم يتمه فيه ألف حديث وزيادة يسيرة.
كتاب مشرق الشمسين وإكسير السعادتين جمع فيه آيات الأحكام وشرحها والأحاديث الصحاح وشرحها خرج منه كتاب الطهارة لا غير فيه نحو من أربعمائة حديث.
كتاب العروة الوثقى في تفسير القرآن خرج منه تفسير الفاتحة لا غير.
الحديقة الهلالية في شرح دعاء الهلال.
حاشية الشرح العضدي على مختصر الأصول.
الزبدة في الأصول، ولغز الزبدة.
رسالة في المواريث.
ورسالة في الدراية.
رسالة في ذبائح أهل الكتاب.
رسالة اثني عشرية في الصلاة عجيبة.
رسالة في الطهارة.
رسالة في الزكاة.
رسالة في الصوم.
رسالة في الحج.
الخلاصة في الحساب.
الكشكول كبير.
المخلاة.
الجامع العباسي بالفارسية في الفقه لم يتم،
الصمدية في النحو لطيفة.
التهذيب في النحو.
بحر الحساب.
توضيح المقاصد فيما اتفق في أيام السنة.
حاشية الفقيه لم تتم.
جواب مسائل الشيخ صالح الجزائري اثنتان وعشرون مسألة.
جواب ثلاث مسائل أخر.
جواب المسائل المدنيات.
شرح الفرائض النصيرية للمحقق الطوسي لم يتم.
رسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض.
تفسيره الموسوم بعين الحياة.
تشريح الأفلاك.
رسالة الكر.
رسالة الأسطرلاب عربية سماها الصحيفة.
رسالة أخرى في الأسطرلاب فارسية سماها التحفة الحاتمية.
شرح الصحيفة الموسوم بحدائق الصالحين.
حاشية البيضاوي لم تتم.
حاشية المطول لم تتم.
شرح الأربعين حديثا.
رسالة في القبلة.
كتاب سوانح الحجاز من شعره وإنشائه.
مفتاح الفلاح.
حواشي الكشاف.
حاشية الخلاصة في الرجال.
حاشية الإثنى عشرية للشيخ حسن.
حاشية القواعد الشهيدية.
رسالة في القصر والتخيير في السفر.
رسالة في أن أنوار سائر الكواكب مستفادة من الشمس.
رسالة في حل إشكالي عطارد والقمر.
رسالة في أحكام سجود التلاوة.
رسالة في استحباب السورة ووجوبها.
شرح شرح الرومي على الملخص ذكره في الحديقة الهلالية.
حواشي الزبدة.
حواشي تشريح الأفلاك.
حواشي شرح التذكرة.
هذا ما ذكره الحر العاملي في كتابه أمل الآمل[1].
[1]العاملي؛ محمد بن الحسن الحر: أمل الآمل 1/155.
صاحب الوسائل
محمد بن الحسن الحر العاملي
1033 1104هـ
أنزل الله على نبيه المصطفى آياته المحكمة وأحكامه المبينة، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة للناس. غير أن طبيعة الحياة الانسانية وما فيها من التفاصيل المتكثرة، وحاجاتهم المتجددة، تجعل أي كتاب مهما كان مفصلا بحاجة إلى تفصيل أكثر، وشرح أوسع لمختلف الحالات، مما أنشأ الحاجة إلى السنة القولية، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله .
كما أن تشريعات القرآن، وأوامره بحاجة إلى ترجمان عملي، وتجسيد ظاهر.
وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله هي ذلك الترجمان، فإذا أراد المسلم أن يصلي احتاج إلى مثال ظاهر يقتفي أثره في الكيفية، فكان النبي يصلي ويأمر الناس بأن (صلوا كما رأيتموني أصلي)[1]، وعندما أرادوا الحج واحتاجوا إلى من يعلمهم المناسك كان صلى الله عليه وآله هناك قائلا: (خذوا عني مناسككم)[2].
ولذا فإنه لا يُصغى إلى ما يقوله البعض من أنه يكفي القرآن الكريم، أو أن (حسبنا كتاب الله) بمعنى عدم الاحتياج إلى السنة والحديث. وذلك أن القائل بهذه المقولة سوف يواجه إشكالات عريضة في تفاصيل العقائد، وتفاصيل الشريعة، فهل
[1]صحيح البخاري 1/155 وعوالي اللئالي 3/86.
[2]سنن البيهقي 5/125.
يستطيع القائل بذلك أن يتعرف على قضايا اليوم الآخر وما فيه؟ أو أنه يقدر على معرفة كيفية الصلاة وأعداد ما تجب فيه الزكاة، فضلا عن شروط صحة المعاملات؟ وهكذا.
ولذا فقد شجع النبي المصطفى صلى الله عليه وآله على حفظ سنته، وضبط حديثه للعمل بما يقول من جهة، ولنقله إلى الأجيال اللاحقة والتالية من جهة أخرى، فقد يوجد في تلك الأجيال من يكون أفقه فيها، وأقدر على فهم تلك السنة. فقال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[1].
وكان من الواضح في تاريخ المسلمين أن هناك موقفين تجاه تدوين السنة النبوية، فقد كان من المسلمين من لا يرى ضرورة لتدوين (كل) ما يقوله الرسول صلى الله عليه وآله ، بمبررات مختلفة كأن يقولوا بأن رسول الله بشر كسائر الناس يرضى يوما ويغضب آخر، ويحب تارة ويبغض أخرى، وفي هذه الأثناء فإن تدوين كل ما يقوله سيجعل تلك الأحاديث التي قيلت في ظروف خاصة، يجعلها قوانين عامة. وهذا ما لم يكونوا يرونه صحيحا. وقد نقل التاريخ أن بعض هؤلاء قد أنكروا على عبد الله بن عمرو بن العاص تدوينه (كل) ما يقوله النبي، وعاتبوه في ذلك.ففي مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش عن ذلك وقالوا تكتب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الغضب والرضا فأمسكت حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه الا حق[2].
ويظهر من ذلك أن الفئة المعارضة لكتابة (كل) الحديث النبوي لم تكن ضعيفة
[1]نقله الكليني في الكافي 1. 403 بسند معتبر عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب الناس في مسجد الخيف فقال. ونقله أيضا احمد بن حنبل في المسند بنفس العبارة.
[2]مسند احمد - الإمام احمد بن حنبل - ج 2 - ص 192 وذكره أيضا في سنن الدارمي، والمستدرك على الصحيحين.
في وجودها الاجتماعي، وإنما تمثل (قريشا)! وتستطيع أن تنهى وتأمر!
واستمر هذا التوجه في عدم تأييد كتابة الحديث وتدوينه حتى عصر ما بعد الرسول بالرغم من أن مقتضى القاعدة أن يتم الاهتمام بحديثه صلى الله عليه، لكيلا تندثر تلك الثروة العلمية، فقد نقل عن الخليفة أبي بكر أنه ظل يتقلب ليلته حتى أصبح وأمر بإتلاف ما كتب من الأحاديث! فقد نقل المتقي الهندي في الكنزعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، قالت: فغمني! فقلت تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فأحرقها وقال، خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك[1].
وهنا يلاحظ أن المبرر المذكور هو غير ما ذكرته قريش وهو أنه يخاف أن يكون الناقل عن النبي غير أمين، فيكون بنقله يتحمل تبعة ذلك، وهو مبرر غير صحيح فهنا يمكن أن يبقي ما نقله مباشرة عن النبي، أو يبقي ما هو واثق من نقله أو ناقله.
وحين نأتي إلى أيام الخليفة عمر وجدنا سببا آخر يذكر لعدم تدوين الحديث، وهو الخشية من اختلاط القرآن بالحديث النبوي، فقد ذكر المتقي الهندي في موضع آخر من كتابه[2]عن الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمرH يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا.
[1]كنز العمال 10. 285.
[2]كنز العمال 10. 291.