رسالة في حل إشكالي عطارد والقمر.
رسالة في أحكام سجود التلاوة.
رسالة في استحباب السورة ووجوبها.
شرح شرح الرومي على الملخص ذكره في الحديقة الهلالية.
حواشي الزبدة.
حواشي تشريح الأفلاك.
حواشي شرح التذكرة.
هذا ما ذكره الحر العاملي في كتابه أمل الآمل[1].
[1]العاملي؛ محمد بن الحسن الحر: أمل الآمل 1/155.
صاحب الوسائل
محمد بن الحسن الحر العاملي
1033 1104هـ
أنزل الله على نبيه المصطفى آياته المحكمة وأحكامه المبينة، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة للناس. غير أن طبيعة الحياة الانسانية وما فيها من التفاصيل المتكثرة، وحاجاتهم المتجددة، تجعل أي كتاب مهما كان مفصلا بحاجة إلى تفصيل أكثر، وشرح أوسع لمختلف الحالات، مما أنشأ الحاجة إلى السنة القولية، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله .
كما أن تشريعات القرآن، وأوامره بحاجة إلى ترجمان عملي، وتجسيد ظاهر.
وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله هي ذلك الترجمان، فإذا أراد المسلم أن يصلي احتاج إلى مثال ظاهر يقتفي أثره في الكيفية، فكان النبي يصلي ويأمر الناس بأن (صلوا كما رأيتموني أصلي)[1]، وعندما أرادوا الحج واحتاجوا إلى من يعلمهم المناسك كان صلى الله عليه وآله هناك قائلا: (خذوا عني مناسككم)[2].
ولذا فإنه لا يُصغى إلى ما يقوله البعض من أنه يكفي القرآن الكريم، أو أن (حسبنا كتاب الله) بمعنى عدم الاحتياج إلى السنة والحديث. وذلك أن القائل بهذه المقولة سوف يواجه إشكالات عريضة في تفاصيل العقائد، وتفاصيل الشريعة، فهل
[1]صحيح البخاري 1/155 وعوالي اللئالي 3/86.
[2]سنن البيهقي 5/125.
يستطيع القائل بذلك أن يتعرف على قضايا اليوم الآخر وما فيه؟ أو أنه يقدر على معرفة كيفية الصلاة وأعداد ما تجب فيه الزكاة، فضلا عن شروط صحة المعاملات؟ وهكذا.
ولذا فقد شجع النبي المصطفى صلى الله عليه وآله على حفظ سنته، وضبط حديثه للعمل بما يقول من جهة، ولنقله إلى الأجيال اللاحقة والتالية من جهة أخرى، فقد يوجد في تلك الأجيال من يكون أفقه فيها، وأقدر على فهم تلك السنة. فقال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[1].
وكان من الواضح في تاريخ المسلمين أن هناك موقفين تجاه تدوين السنة النبوية، فقد كان من المسلمين من لا يرى ضرورة لتدوين (كل) ما يقوله الرسول صلى الله عليه وآله ، بمبررات مختلفة كأن يقولوا بأن رسول الله بشر كسائر الناس يرضى يوما ويغضب آخر، ويحب تارة ويبغض أخرى، وفي هذه الأثناء فإن تدوين كل ما يقوله سيجعل تلك الأحاديث التي قيلت في ظروف خاصة، يجعلها قوانين عامة. وهذا ما لم يكونوا يرونه صحيحا. وقد نقل التاريخ أن بعض هؤلاء قد أنكروا على عبد الله بن عمرو بن العاص تدوينه (كل) ما يقوله النبي، وعاتبوه في ذلك.ففي مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش عن ذلك وقالوا تكتب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الغضب والرضا فأمسكت حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه الا حق[2].
ويظهر من ذلك أن الفئة المعارضة لكتابة (كل) الحديث النبوي لم تكن ضعيفة
[1]نقله الكليني في الكافي 1. 403 بسند معتبر عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب الناس في مسجد الخيف فقال. ونقله أيضا احمد بن حنبل في المسند بنفس العبارة.
[2]مسند احمد - الإمام احمد بن حنبل - ج 2 - ص 192 وذكره أيضا في سنن الدارمي، والمستدرك على الصحيحين.
في وجودها الاجتماعي، وإنما تمثل (قريشا)! وتستطيع أن تنهى وتأمر!
واستمر هذا التوجه في عدم تأييد كتابة الحديث وتدوينه حتى عصر ما بعد الرسول بالرغم من أن مقتضى القاعدة أن يتم الاهتمام بحديثه صلى الله عليه، لكيلا تندثر تلك الثروة العلمية، فقد نقل عن الخليفة أبي بكر أنه ظل يتقلب ليلته حتى أصبح وأمر بإتلاف ما كتب من الأحاديث! فقد نقل المتقي الهندي في الكنزعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، قالت: فغمني! فقلت تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فأحرقها وقال، خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك[1].
وهنا يلاحظ أن المبرر المذكور هو غير ما ذكرته قريش وهو أنه يخاف أن يكون الناقل عن النبي غير أمين، فيكون بنقله يتحمل تبعة ذلك، وهو مبرر غير صحيح فهنا يمكن أن يبقي ما نقله مباشرة عن النبي، أو يبقي ما هو واثق من نقله أو ناقله.
وحين نأتي إلى أيام الخليفة عمر وجدنا سببا آخر يذكر لعدم تدوين الحديث، وهو الخشية من اختلاط القرآن بالحديث النبوي، فقد ذكر المتقي الهندي في موضع آخر من كتابه[2]عن الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمرH يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا.
[1]كنز العمال 10. 285.
[2]كنز العمال 10. 291.
ولم يكتف الخليفة عمر بهذا بل منع الصحابة الذين يسافرون خارج المدينة للغزو أو التبليغ عن إشاعة الحديث، وأكد عليهم أن لا يشغلوا الناس بغير القرآن!! فعن قرظة بن كعب: قال خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار[1]فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال أتدرون لم مشيت معكم قالوا نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا!
فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم! جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امضوا وأنا شريككم فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال نهانا عمر بن الخطاب.[2]
وفي المقابل كان الامام علي عليه السلام ومن سار في خطه من الصحابة وبني هاشم يحرصون على تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله ، ويؤكدون على حفظها، وكان ذلك انسجاما مع توجيهات النبي حيث كان يتم التأكيد على (استعن بيمينك) و(قيدوا العلم بالكتابة).وكانت أحاديث النبي المكتوبة عندهم تساوي قيمة كثيرة كما يشير إليها حديث فاطمة الزهراء عليها السلام، فعن ابن مسعود، قال: جاء رجل إلى فاطمةC فقال: يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله عندك شيئا: تطرفينيه[3]. فقالت: يا جارية، هات تلك الحريرة! فطلبتها فلم تجدها، فقالت: ويحك اطلبيها، فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا.[4]
ولذا فقد كان لدى أهل البيت عليهم السلام عدد من الصحف والأحاديث التي احتوت على علم رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا يتوارثونها كما صرحوا بذلك في مواضع مختلفة
[1]موضع ماء خارج المدينة في طريق القوافل إلى العراق.
[2]ابن عبد البر؛ جامع بيان العلم وفضله 2. 120.
[3]أي تهدينه إلي.
[4]دلائل الامامة - محمد بن جرير الطبري (الشيعي). 65.
وأشاروا إليها، فنلاحظ أنه يرد ذكر كتاب علي عليه السلام بإملاء رسول الله وخط علي، ومنها صحيفة الجامعة وكتاب الجفر.
واستمر أتباع أهل البيت في التدوين وكتابة أحاديث الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وشهد هذا الأمر تطورا واضحا أيام الإمام الصادق عليه السلام ، حيث كان له من التلامذة العدد الكبير في المدينة والكوفة حين نزلها وصارت مصنفاتهم أرضية الجوامع الحديثية الكبرى فيما بعد.
بينما بقي خط الخلافة الرسمي على موقفه في رفض التدوين للسنة النبوية، وبطبيعة الحال لم يكن يعترف بإمامة الأئمة فلم ينقل عنهم رواياتهم، واستمر ذلك إلى أيام الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ، حيث أمر بأن يتم تدوين حديث رسول الله. وهذا وإن كان عملا حسنا إلا أنه جاء متأخرا جدا، وذلك أن كثيرا من الأحاديث قد ماتت بموت حفظتها ورواتها حيث لم يدونوها ولم تنقل عنهم إذ أن النهي في العصور الأولى امتد إلى منع الحديث. كما أن الفترة الأموية الأولى شهدت حركة وضع للأحاديث لتأييد النهج الأموي[1].
وفي منتصف القرن الثالث الهجري وجدنا أول المصنفات الحديثية تعتمدها الدولة مثلما كان كتاب الموطأ، حيث أمر المهدي العباسي، مالكا بن أنس أن يصنف كتابا لكي يحمل الأمة عليه! وقيل إن الذي أمره بذلك كان أبا جعفر المنصور العباسي[2].
وبالرغم من وجود مصنفين إلى جانب مالك بن أنس، إلا أن كتبهم ومصنفاتهم لم تتداول ولم تبق.
وبعد ذلك بمدة صنف إمام المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل المتوفى سنة
[1]للتفصيل يراجع كتاب أضواء على السنة المحمدية للشيخ محمود أبو رية.
[2]ذكر كلا الروايتين محمد بن جرير الطبري في كتابه المنتخب من ذيل المذيل 143.
(241هـ) كتابه (مسند أحمد)، وجاء بعد ذلك دور أصحاب الجوامع الحديثية الكبرى بدءا من البخاري (ت 256هـ) وبعده أصحاب الكتب الستة كمسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي وأبي داود.
هذا في الوقت الذي بلغت فيه كتب الإمامية وأصولهم الحديثية إلى ذلك الوقت (زمان الغيبة الصغرى) ما يقرب من (6000) كتاب، أهمها ما عرف بـ (الأصول الأربعمائة)، تلك الكتب وهذه الأصول كانت أرضية تأليف المجموعات الحديثية الكبرى لدى الإمامية.
فقام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت 329هـ) بتأليف كتابه الكافي وقد تقدم الحديث عن الكليني والكافي، وتلاه في التصنيف الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (ت 381هـ)، وألف كتاب (فقيه من لا يحضره الفقيه)، وتلاهما الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (ت 460هـ) وألف كتابيه (تهذيب الأحكام) وهو شرح استدلالي روائي على كتاب استاذه الشيخ المفيد (المقنعة)، والآخر (الاستبصار في ما اختلف من الأخبار) في الجمع بين ما ظاهره التنافي بين أخبار أهل البيت عليهم السلام .
وبقيت تلك الكتب عليها مدار البحث العلمي الفقهي خصوصا عدة قرون إلى أن جاء شيخنا المترجم الحر العاملي، وألف كتاب (وسائل الشيعة) فتقدم من الناحية العملية في الاستفادة منه على الكتب التي كانت أساسا له. وسيأتي حديث عن هذا الكتاب بعد الحديث عن مؤلفه.
المحدث محمد بن الحسن الحر العاملي:
كانت ولادته في سنة 1033هـ في بلدة مشغرة من الجنوب اللبناني، كما ذكر
ذلك مترجمو حياته. ويرجع نسبه إلى الحر بن يزيد الرياحي الشهيد في كربلاء[1]، وهنا ينبغي أن نشير إلى نقاط:
منها أن تأثير الأنساب والأسر الطيبة في الأبناء والأحفاد، مما لا يكاد ينكر وهو وإن لم يكن حتميا وضروريا، بمعنى صلاح كل من أنجبوا، إلا أن التأثير ذاك بنحو الاقتضاء وأنه أحد العوامل، مما لا ينبغي إنكاره، بل تشير حقيقة تأثر الأبناء بصفات الآباء وقوانين الوراثة (حتى في غير الصفات البدنية) وتدل عليه التجربة والاستقراء الاجتماعي. ويمكن تفسير ما ورد من الروايات الكثيرة في اختيار من أنجبتهم الأسر الطيبة، في الزواج والمسؤوليات الاجتماعية[2]بهذا المعنى.
ومنها تأييد ما ذكره بعض المحققين من أن نشوء التشيع في لبنان، كان على أثر هجرة قبائل شيعية في فترات مختلفة بدأت في العصر الأموي، حين اشتد الضغط على شيعة الامام علي عليه السلام في الكوفة، فهاجرت تلك القبائل إلى الشمال السوري واللبناني ثم الجنوب، ومن خلال استقرارها في تلك المناطق انتشر التشيع[3].
وبنو رياح وهم أسلاف الحر العاملي تميميون هاجروا إلى جنوب لبنان، وإن
[1]الحر بن يزيد الرياحي اليربوعي: قائد عسكري، من بني تميم بعثه عبيد الله بن زياد أيام ولايته على الكوفة، على رأس فرقة مقاتلة ((1000 رجل، للقبض على الإمام الحسين قبل وصوله إلى الكوفة، فتقابلا في منطقة (ذو حسم( ولم يحصل بينه وبين الامام قتال، وإنما ظل يساير الحسين إلى أن وصلا إلى كربلاء، وانتهى به الأمر في يوم عاشوراء بعد أن رأى عددا من مواقف الطرفين إلى أن أصبح في جيش الإمام الحسين وقاتل ضد الأمويين واستشهد إلى جانب أصحاب الحسين سنة 61هـ، وكان مثال التوبة والانتقال من معسكر الضلالة إلى الهداية. له قبر ومشهد في ضواحي كربلاء.
[2]في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لمالك الأشتر وعهده إليه كما في نهج البلاغة 3. 91: ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف.
[3]المهاجر: الشيخ علي، التأسيس لتاريخ التشيع في سورية ولبنان، ويراجع أيضا كتاب صفحات من التاريخ السياسي للشيعة، لكاتب هذه السطور.