حاول والده الشيخ أحمد العودة بأهله إلى البحرين غير أن تجدد المشاكل فيها والتي جرت إلى إحراق منزله وما كان فيه، جعله يمرض ويموت الوالد بعد شهرين. موصيا إياه أن لا يترك أهله.
فبقي في القطيف سنتين درس فيها على يد الشيخ حسين الماحوزي واستفاد منه، وبعد هدوء الوضع في البحرين رجع إليها وبقي فيها خمس سنين يدرس لدى الشيخ البلادي.
سافر بعد ذلك إلى شيراز حيث أكرمه حاكمها، وأقام عنده صلاة الجمعة وكان يفتي ويرشد إلى أن اضطربت الأمور فسافر منها إلى بعض أطرافها (فسا) واشتغل بتأليف الحدائق وكان يعمل في الزراعة بيده، ثم حصلت اضطرابات هناك بثورة بعض أشرارها هناك، وكانت النتيجة الهجوم على بيت الشيخ البحراني وإتلاف أمواله ومنها كتبه، حيث قال
وأعظم حسرة أضنت فؤادي
تفرق ما بملكي من كتاب.
لقد ضاقت علي الأرض طرا
وسد علي منها كل باب
طوتني النائبات وكنت نارا
على علم بها طي الكتاب
والذي سلم كان ما بدأه في الحدائق.فانتقل منها إلى اصطهبانات.فلم يطب له المقام فيها، فهاجر إلى كربلاء (حوالي 1169هـ) حيث استقر بجوار الإمام الحسين عليه السلام ، وأكمل تأليف الحدائق وغيرها من الكتب النافعة.
تلامذة وتأليفات:
كربلاء التي نزلها المحدث البحراني كانت تشهد نهضة علمية كبرى، بحضور الفقيه المجدد محمد باقر المعروف بالوحيد البهبهاني، والذي التف حوله مجموعة طيبة من الطلاب الذين صاروا فيما بعد أساطين الفقه والأصول في الطائفة، مثل
السيد محمد مهدي بحرالعلوم الطباطبائي، والشيخ جعفر كاشف الغطاء،والسيد مهدي الشهرستاني، والشيخ مهدي النراقي، والسيد علي الطباطبائي العاملي (صاحب الرياض). وغيرهم.
وقد كان مجيء الوحيد البهبهاني سببا في أن يتراجع زخم المد الأخباري الذي بعثه الشيخ محمد أمين الاسترابادي لا سيما في جانبه السلبي الهجومي.
وكان صاحب الحدائق المحدث البحراني، يلتقي مع الوحيد البهبهاني في مناقشات تستمر طويلا، مع أن الشيخ يوسف لم يكن يوافق غلاة الأخباريين، ولم يكن يرضى بتطرف بعض المجتهدين في نفي المدرسة الاخبارية كما أشار إلى ذلك، ونقلنا كلامه.
ولعل هذا المسلك هو الذي جعل عددا من أفاضل طلاب الوحيد البهبهاني، كصاحب الرياض، وبحر العلوم، وغيرهما يستمرون على حضور درس صاحب الحدائق، مع أن الأجواء العامة كانت ضد التوجه الأخباري في تلك الفترة.
بل إن هذا المسلك المعتدل والجامع هو الذي جعل الشيخ يوسف يوصي إلى الوحيد البهبهاني أن يتولى الصلاة عليه عند موته، وهذا ما حصل بالفعل.
عد مترجموه كتبه بما يقارب من خمسين كتابا، أهمها كما تقدم:
كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة وهو فقه استدلالي يقع في 25 مجلدا.
كتاب الدرر النجفية وهو يشتمل على مطالب فقهية وقواعد، طبع في مجلدين.
كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد، يتضمن معارضة ابن أبي الحديد في شرحه للنهج في مواضيع الخلافة والصحابة.
كتاب النفخات الملكوتية في الرد على الصوفية.
الكشكول.
لؤلؤة البحرين.
معراج النبيه في شرح الفقيه.
مجموعة رسائل: في المنع من الجمع بين فاطميتين. رسالة في أفضلية التسبيح في الركعتين الأخيرتين. رسالة في تحقيق معنى الإسلام والإيمان. رسالة في انفعال الماء القليل بالنجاسة. رسالة في الرد على السيد الداماد في القول بعموم المنزلة في الرضاع. رسالة في الصلاة متنا وشرحا. رسالة في إتمام الصلاة في الحرم الأربعة. وغيرها من الرسائل.
أجوبة مسائل متفرقة: أجوبة المسائل البحرانية. أجوبة المسائل الشيرازية. أجوبة المسائل البهبهانية. الكازرونية، الخشتية، البهبهانية.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
المهدي في مكة
السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي
1155ـ 1212هـ
سبعة وخمسون عاما هي كل عمر السيد مهدي بحر العلوم[1]! وعجيب أن تتسع هذه السنوات لهذه الشخصية وأن تحتويها! مع تعدد أبعادها، فقها وأصولا وفلسفة وشعرا وأدبا ودراية ورجالا، وفقه خلاف وسياحة وسفرا!
فمن حين بُشّر به أبوه في رؤيا صادقة، أخبر عنها بأن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، أعطى لمحمد بن اسماعيل بن بزيع أحد خلص أصحابه شمعة وأوقدها على بيت والد بحر العلوم الطباطبائي[2]البروجردي فأضاءت وشعت في الجهات الأربع مد البصر. كان من الواضح لدى أهله أن دورا كبيرا ينتظر هذا المولود، وهكذا كان.
بعد دراسته على يد والده في مقدمات العلوم، تهيأ للسيد مهدي ظرف مزدهر في عمر الحوزة العلمية، حيث كانت كربلاء وهي الحوزة الرئيسة للعلم آنذاك تشهد تموجا فكريا
[1]السيد ميرزا مهدي بن هداية الله الإصفهاني الخراساني الشهيد سنة 1216 أستاذ بحر العلوم في الفلسفة، و هو الذي لقبه (بحر العلوم). كما عن السيد عبد العزيز الطباطبائي في مقدمة الحدائق ص 17.
[2]نلاحظ أن عددا من مراجع الدين، ينتهي نسبهم إلى عنوان (الطباطبائي) فماذا يعني هذا اللقب؟ لا ريب أنهم بهذا ينتسبون إلى السيد ابراهيم الملقب بـ (طباطبا) بن السيد اسماعيل الديباج بن السيد ابراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط عليه السلام، فهم حسنيو الانتماء وسر تلقيب السيد ابراهيم بطباطبا، إما نظرا لأن معناه بلغة النبط كما قالوا يعني: سيد السادات. أو لأنه قال وقد خيره أبوه في صغره بين أن يفصل له عند الخياط ثوبا أو قباءا، فقال: طبا طبا، يعني أنه يريد قباء!عن مقدمة الفوائد الرجالية - السيد بحر العلوم 1/16.
مهما نتج عن احتدام النقاش الفكري بين المدرستين البارزتين في مجال الاستنباط يومها: الأصولية والأخبارية. وكان علما هاتين المدرستين، وكبيرا هذين المنهجين متعاصرين زمانا ومتجاورين مكانا: الوحيد البهبهاني، والمحدث البحراني.
وكان النقاش على أشده في حلقات الدروس، بل حتى خارجها، حيث نقل أن المباحثات بين البهباني والبحراني ربما امتدت حتى شغلت الليل كله!
وقد درس السيد مهدي الطباطبائي البروجردي على العالمين العلمين، وأخذ منهما فكأنه جمع خلاصة المدرستين في نفسه، وهيمن على المنهجين بقدرته الفائقة.
وإذا كان قد أتيح له أن يدرس الفقه والأصول على أعظم أساتذتهما، فقد درس الفلسفة على يد أحد أكبر مدرسيها في ذلك الزمان وهو الميرزا مهدي بن هداية الله الخراساني، عندما اتجه لزيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، حيث مكث في جواره مدة سبع سنين، وأخذ الفلسفة عن المدرس المذكور الذي لاحظ نبوغ السيد مهدي الاستثنائي بحيث كان يستوعب أدق المسائل التي ربما احتاجت إلى أيام لشرحها، بسرعة مذهلة، وقد تكرر منه هذا مع أستاذه الذي لقبه على أثر ذلك بـ (بحر العلوم)!
أسفاره:
يلاحظ في حياة السيد مهدي بحر العلوم كثرة أسفاره، وطول بعضها، وتعدد أغراضها، والعجيب أنه مع هذه الأسفار التي يفترض فيها الانقطاع عن الدرس والبحث، استطاع تخريج عدد كبير من العلماء والفقهاء، عدهم الكتاب في تاريخ الحوزة العلمية من اركان هذه الحوزة، والعلامات المضيئة في تاريخها! فقد سافر إلى مشهد المقدسة سنة 1186هـ، ولما عاد إلى النجف لم يلبث أن سافر إلى مكة
المكرمة حاجا ويبقى فيها مدة من الزمان قام فيها بالتدريس في المسجد الحرام على المذاهب الإسلامية المختلفة، وكان لعظمة أحاطته بآراء فقهاء المذاهب الأربعة يتصور أتباع كل مذهب أنه عالم منهم، فالمتبع للمذهب الشافعي يتصور أن هذا المدرس على المذهب الشافعي نظرا لتتبعه وتضلعه فيه، وحنفي المذهب يشعر كذلك، وهكذا شيعة أهل البيت!
وبالاضافة إلى تدريسه في المسجد الحرام كان السيد بحر العلوم يقوم بمهمة أخرى كبيرة وهي تحديد مواقع المناسك، والاطلاع عليها من قرب، وتطبيق ما هو في الروايات على ما هو في الواقع الخارجي. وهي عملية مهمة جدا، فبالرغم من أن الشائع المعروف لدى الفقهاء أن تعيين المصاديق، هو من مسؤولية المكلف ومسؤولية الفقيه هي في الإفتاء وبيان الأحكام، وليس من شأنه تتبع المواضيع. إلا أن هذا الأمر سبب ويسبب مشاكل كثيرة للمكلفين، كما نلاحظ إلى يومنا هذا، فالاستفتاءات والأسئلة لا تتوقف عن الميقات، وهل أن ميقات السيل الكبير هو ميقات من يأتي من جهة الطائف أو أن الميقات الشرعي هو ما يكون على الطريق القديم والمعروف بقرن المنازل؟ والتوسعة الجديدة الحاصلة في المسعى هل يجوز السعي فيها ذهابا وعودة أو لا يجوز؟ وهل أن العمارات المبنية في منى في سفح الجبل تعد من منى حتى يجوز المبيت فيها ليالي التشريق او ليست منها؟ وعشرات الأسئلة من هذا القبيل.
وكما قلنا فإن الإجابة المعروفة للفقهاء هي إحالة الأمر على المكلف وأن عليه أن يسأل أهل المناطق تلك، ويعمل على طبق إجاباتهم، أو من يعرفون هذه المواقع.
السيد بحر العلوم رحمة الله سلك طريقا آخر فسافر إلى مكة مرتين، ومكث في المرتين حوالي سنة، وربما أكثر كما يرى بعض مترجميه، وكان خلال هذه المدة
حريصا على معرفة مواقع المناسك على الطبيعة والبحث فيها وقد انتهى إلى نتائج مهمة اعتمد عليها من تأخر عنه.
ومما يثير التساؤل: أنه كيف كان يسافر السيد الطباطبائي هذه الأسفار وقد كانت المرجعية العظمى قد ألقت إليه بجرانها، وأناخت ببابه رحلها؟ خصوصا أن هذا لم يكن معهودا قبله؟ فإن المعتاد أن يبقى المرجع في النجف يدرس فيها ويباحث طلابه، وتأتي إليه الاستفتاءات، ويقود أتباعه من خلال وكلائه ومعتمديه في الأماكن المختلفة.
والجواب على ذلك هو ما ابتكره السيد الطباطبائي من تقسيم مهمات المرجعية، بحيث يتم إدارة كل قسم بكفاءة من دون الحاجة الملحة إلى وجود المرجع الأعلى.
ولهذا السبب فقد رأى أن المهمات الأساسية التي يقوم بها المرجع في زمانه، والتي ترتبط ببقائه ووجوده في النجف هي التالية:
مهمة التدريس، وتربية المجتهدين والعلماء، للحفاظ على الخط العلمي المستمر وبه بقاء الحوزة العلمية.
إدارة الشؤون الدينية، بما يشمل التصدي لصلاة الجماعة، والحقوق الشرعية، وإحياء المساجد بهذه الطريقة.
الفصل في الخصومات بين المتنازعين، وإقامة القضاء العادل لحل المشاكل، حتى لا يحتاج المجتمع إلى قضاء غير شرعي.
وبناء على ذلك فقد انتخب أفضل تلامذته المناسبين لكل مهمة من المهمات السابقة، فرأى أن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والذي ينقل عنه قوله، أنه لو تلفت كتب الفقه والروايات لأمكن له أن يكتب دورة فقهية كاملة بأدلتها ورواياتها من