في الاعتقادات يجر الى النقاش و الحوار بين هذه الفئات الاجتماعية اما بدافع التبشير والدعوة واما بدافع تقوية ماهو عند الذات، فالمسلم مثلا لكي يقوي عقيدته الإسلامية أمام المسيحية يبرهن على عقائده ويبين أدلتها حتى يؤكد لنفسه والمسلمين بان عقائده مبرهنة وقائمة على أصول قوية، بالاضافة إلى دعوة الطرف الى معتقده ومايتبناه.
وهكذا الحال على مستوى المذاهب في داخل الدين الواحد، فيستدل البروتستانتيون والأرثوذكس والكاثوليك في داخل الديانة المسيحية، كلٌّ على مذهبه وطريقته. ويستدل السنة والشيعة والخوارج وغيرهم من الفرق والمذاهب في داخل الدين الإسلامي على أفكارهم وآرائهم.
وهذا هو الذي ينشئ الحوار بل الجدال الديني والمذهبي.و هذا أمر لا يمكن الغاؤه، وهذا يعني أن المطالبة بإلغاء الحوارات والنقاشات العقدية الدينية أو المذهبية، شعار لا واقعية له.
نعم الحق ان يقال بأنه ينبغي أن يخضع لضوابط، وأداب، وقوانين تنظمه:
في غرض الحوار أن لا يكون هادفا لاشعال الفتنة الاجتماعية بين الفئات المنتمية إلى أطراف الحوار والنقاش وهذا يفرض نمطا خاصا من الحوار يجتنب التهييج والتهجم. بل يفرض أن يكون المتحاورون من مستوى علمي خاص، وليس صحيحا أن هذه النقاشات تنتهي إلى الاحتراب الاجتماعي، النقاش أمر علمي ونظري، بينما التشنج الطائفي أو الديني أمر نفسي وقلبي، وهما مختلفان في مناشئهما.
في أسلوب الحوار: ينبغي أن يكون قائما على آداب المناظرة، وأخلاق المحاورة، والتي وردت الاشارة إليها في القرآن الكريم، والروايات، بل والعلوم
الحديثة. فلا ينبغي التنقص من الخصم فضلا عن سبه، فإننا حتى لو أردنا دعوته إلى ما نعتقده من آراء، فلا بد أن يكون ذلك{بِالحِْكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الحَْسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتىِ هِىَ أَحْسَن}.
ومن ذلك أن يتم الاحتجاج على الخصم في الحوار بما هو مسلم عنده، حتى يكون أبلغ في القبول. ونحن وإن كنا لسنا في صدد الحديث عن آداب الحوار وقوانينه، لكن كان ذلك لاقتضاء الحديث عن علامة الهند مير حامد حسين في جهده للبرهنة على معتقداته في إمامة أهل البيت عليهم السلام .
كما ينبغي الإشارة أيضا إلى بعض آثار العصبية المقيتة التي لا تزال موجودة في بعض مجتمعاتنا المسلمة والتي تصم غير العربي في المناطق العربية وغير الفارسي في إيران مثلا، بالغباء وقلة الفهم، بل ربما راجب سوق النكات والسخرية من عرق بالنسبة إلى عرق آخر، ومن قومية بالنسبة إلى قومية ثانية، بحيث تؤلف الطرائف ومواضع التندر، فالهندي مثلا غبي، والكردي مغفل، والعربي كذا،وكل عرق أو جنس يعتبر نفسه الأسمى والأعلى بينما غيره يكون في الدرجة الثانية.
إن على المؤمنين أن يتنزهوا عن هذا الخلق السيء، وأن يعتقدوا أنه (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لاحمر على أسود ولا أسود على أحمر الا بالتقوى)[1].
معجزة الهند:
للنظر في الظروف التي عاش فيها العالم الكبير والمتكلم البارع مير حامد حسين، لا بد أن نشير إلى أن حركة ثقافية وأدبية قد تبناها ملوك الشيعة في جنوب الهند حيث «قامت في الهند ثلاث دول شيعية، هي: العادل
[1]حنبل، احمد بن: مسند احمد - 5. 411.
شاهية[1]والنظام شاهية[2]والقطب شاهية[3]، وهذه كانت في الدكن جنوب الهند. ثم قامت بعد ذلك دولة رابعة هي دولة (أود) في شرق الهند، ولم تكتف هذه الدولة بتبني التشيع ونشر لوائه، بل كانت باعثا قويا على بث المعارف والثقافة الإسلامية وإرقاء الأدب الأردوي»[4].
هذا النشاط الثقافي أثار خشية بعض علماء المذاهب الأخرى من أن يمتد تأثير التشيع إلى سائر الولايات والممالك الهندية ولا سيما عندما استقدم سلطان أوده (آصف الدولة بن شجاع) العالم الكبير السيد دلدار علي النقوي (توفي سنة 1235هـ) لإقامة الجمعة والجماعة، وقد أسس حوزة علمية مباركة وجدنا آثارها في أبنائه وأحفاده والذين درس على يدهم مير حامد حسين.
في مقابل هذا تحرك بعض علماء المذاهب الأخرى كالشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي وهو حنفي المذهب (توفي سنة 1239هـ)، للوقوف أمام انتشار الفكر الشيعي، فقام بكتابة (التحفة الاثنا عشرية في الرد على الإمامية الاثني عشرية) لنقض أدلة الإمامية في قولهم بإمامة علي بن أبي طالب وخلافته بعد النبي صلى الله عليه وآله .
ضمن هذا الجو ولد المتكلم المحقق مير حامد حسين، في بيئة علمية حيث كان أبوه السيد محمد قلي من تلامذة الفقيه السيد دلدار علي، وكان الوالد الأستاذ الأول لابنه.
ولم يعرف عن مير حامد أنه خرج للدراسة خارج الهند، وهذا يشير إلى أن طالب العلم متى كان جادا في دراسته وذكيا في تعقله، ومثابرا فإنه يصل إلى أعلى الدرجات، حتى لو لم يكن حاضرا في حوزة مركزية معروفة كالعراق أو إيران.
[1]حكمت لمدة 202هـ من سنة 895هـ إلى سنة 1097هـ.
[2]استمرت لمدة 113 سنة أي من 896هـ إلى سنة 1009هـ.
[3]حكمت مدة 178 سنة أي من تاريخ 918هـ إلى 1096هـ.
[4]الأمين، حسن: مستدركات أعيان الشيعة 1. 5.
ولما انتشر كتاب (التحفة الإثنا عشرية) رد عليه الكثير من العلماء ومنهم السيد دلدار نفسه، إلا أن العمل الكلامي الضخم المنقطع النظير كان من نصيب مير حامد حسين.
ولمعرفة ما قام به هذا العالم العيلم ننقل ما ذكره المحقق السيد علي الميلاني في دراسته عن صاحب العبقات، فإنه قد أشار إلى أن الدهلوي في التحفة قد ذكر أن عمدة استدلال الإمامية على إمامة علي بن أبي طالب لا تتجاوز ست آيات من القرآن، وإثني عشر حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله :
فأما الآيات فهي:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(سورة المائدة: 55).
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(سورة الأحزاب: من الآية 33){وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(سورة الأحزاب: 33).
{قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(سورة الشورى: من الآية 23).
{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى
الْكَاذِبِينَ}(سورة آل عمران: 61).
{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(سورة الرعد: من الآية 7).
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}(سورة الواقعة: 10،11).
وأما الأحاديث، فهي:
حديث الغدير: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم..».
حديث المنزلة: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى».
حديث الولاية: «ان عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي..».
حديث الطير: «اللهم ائتني بأحب الناس اليك والي يأكل معي هذا الطير..».
حديث مدينة العلم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد..».
حديث الاشباه أو التشبيه: «من أراد أن ينظر الى آدم في علمه والى نوح..».
حديث المناصبة: «من ناصب عليا الخلافة فهو كافر».
حديث النور: «كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم..».
حديث يوم خيبر: «لاعطين الراية غدا رجلا..».
حديث الحق: «رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار..».
حديث المقاتلة: «انك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله».
حديث الثقلين: «اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا..»، وقد بحث في ذيله حديث السفينة: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح..».
ثم زعم أن الآيات غير واضحة الدلالة على ما يريده الإمامية، وأما الأحاديث ففيها ما هو غير تام السند للنبي صلى الله عليه وآله ، وما هو تام غير واف بمقصدهم![1].
وحين انبرى مير حامد حسين للرد، تتبع في البداية النص الذي أتى به عبد العزيز الدهلوي، فرأى أنه ليس نصه هو، وإنما هو مسروق بالكامل من كتاب آخر تم تأليفه في أفغانستان لمؤلف اسمه نصر الله الكابلي، واسم الكتاب الذي (نسخ) بالكامل هو (الصواقع) وقد جاء الدهلوي بهذا النص من غير تغيير فيه ولا إشارة
[1]الميلاني؛ علي: مقال بعنوان صاحب العبقات في الذكرى المئوية في مجلة تراثنا عدد 4 السنة الأولى 1406هـ.
إلى مصدره، فكان من السطو والسرقة التي كشفها مير حامد حسين. وينبغي أن نتأمل في مدى الجهد الذي صرفه هذا العالم في اكتشاف هذا الأمر مع أن الكتاب قد ألف (أو نسخ) قبل ولادة المير حامد حسين وكان بمرأى من العلماء السابقين عليه، ولم يكن الأمر في انتشار الكتب في ذلك الزمان كما هو الحال عليه الآن بحيث يستطيع الباحث بسهولة أن يتعرف على تأليف هذا الكتاب هنا أو هناك.
فكان هذا أول الوهن في ذلك الكتاب المنسوخ والنص المسروق!! فكيف سمح الدهلوي لنفسه وهو في صدد مواجهة الفكرة الشيعية أن يسرق كتاب غيره ثم لا يشير إليه بأدنى إشارة؟ والذي لم يوفر حق شريكه في المذهب الواحد كيف له أن يوفر حق مخالفه فيه؟
وبعد هذا شرع في الرد على ما قاله الدهلوي، بتتبع يندر أو يعدم نظيره، فكتب كتابه على نفس الطريقة التي سلكها الدهلوي بأن قسم كتابه إلى منهجين، الأول في مناقشة دلالة الآيات التي أوردها الدهلوي في كتابه وزعم بأنها غير دالة على مطلوب الإمامية. ويقال إن هذا القسم من الكتاب لم يطبع، وبقي محفوظا في خزانة المكتبة الخاصة بأسرة المؤلف.
والمنهج الثاني، ويحتوي على 12 مجلدا بالطبع القديم (وكل مجلد يعادل تقريبا خمسة مجلدات من الطباعة الحديثة) على أساس أن لكل حديث مجلدا تاما، يتعرض فيه لسند الحديث، ويوثق ذلك من معتبرات كتب الحديث لدى الفريقين، ولا سيما مدرسة الخلفاء. ثم يتعرض لدلالة الحديث وتحقيق معناه وذب الاشكالات التي أوردها الدهلوي أو يمكن أن يوردها غيره.
ميزات العبقات:
وقد وفّى المحقق السيد الميلاني القول في خصائص وميزات عبقات الأنوار،
ومنهج مؤلفه القدير وحياته في دراسة مستوعبة في (175) صفحة، جعلها مقدمة لتعريبه واختصاره للمنهج الثاني من العبقات الذي طبع فيما بعد في 9 مجلدات. ومن أراد التفصيل في خصائص الكتاب ومنهج المؤلف فليراجعه فـ (كل الصيد في جوف الفرا)، ونختصر هنا بعض النقاط من ذلك البحث القيم:
فقد التزم صاحب العبقات بنقل دليل الخصم بدقة من كلامه وشرحه لو احتاج إلى الشرح بأحسن ما يمكن ثم الشروع في الرد عليه وإبطاله. بخلاف خصمه الذي كان يورد دليل الإمامية من غير بيان وجه استدلالهم، فقد كان يأتي مثلا بحديث الثقلين، ويقول إنه لا دلالة في هذا الحديث على ما يدعيه الإمامية من غير تقرير استدلالهم به.
والتزم أيضا بالاحتجاج على خصمه بكتب أهل السنة وأقوال كبار علمائهم وحفاظهم ومحدثيهم. وكان حريا بالدهلوي وغيره ممن أرادوا الاحتجاج على الإمامية أن يحتجوا عليهم من كتبهم لا من كتب غيرهم.
ونظرا لأن الاستدلال بالأحاديث يتوقف على البحث في أسانيدها، بل لا بد في العقائد من أن يكون معلوم الصدور عن النبي صلى الله عليه وآله ليفيد بذلك العلم الذي لا بد منه في البحث العقائدي، ولهذا فقد كان مير حامد حسين يتتبع الحديث بكل أسانيده، وفي كل الطبقات ليصل إلى إثبات التواتر، أو أن يكون مرويا في الصحيحين فيكون مما قطع بصدوره عند أتباع مدرسة الخلفاء كما نقله عن عدد من علمائهم. ولا ينسى أن يتعرض إلى البحث الرجالي في حال كل راوٍ وأقوال الرجاليين في حقه.
وقد قرن كل ذلك بتتبع عظيم ففي معاني الأحاديث كان يستشهد في إثبات ما يريد أولا بفهم صحابة النبي صلى الله عليه وآله لأنهم عدول في مدرسة الخلفاء، ولمعاصرتهم للنبي، ولأنهم أهل اللغة، وثانيا بفهم التابعين وقد أبدى في ذلك قدرة
عجيبة، فهو في حديث (ائتني بأحب خلقك) عندما اعترض عليهم بعضهم بأن الأحب هنا بمعنى (الأحب في الأكل) أجاب عليه بسبعين وجها. وتتبعه ليس له مجال دون آخر فهو عندما يريد النقض على كلام أحمد ويحيى في حق عبد الله بن داهر وأنه لا يكتب منه انسان فيه خير! رد عليه نقضا بمائة وستة وخمسين وجها! وعندما نقل عن ابن تيمية قوله في أن حديث (مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح) حديث لا يعرف له سند أصلا لا صحيح ولا ضعيف ولا ذكر في كتب الحديث، ذكر في مقابل ذلك اسماء اثنين وتسعين رجلا ممن خرّج الحديث! بدءا من الشافعي فأحمد بن حنبل ومسلم.
واستفاد باقتدار من القواعد الأصولية المتسالم عليها عند القوم في إثبات مطالبه، فحين قال الفخر الرازي إن مسلما والبخاري لم يخرجا حديث الغدير، استشكل عليهم مير حامد بقاعدة تقدم المثبت (وقد ذكر كثير من أعلام السنة الحديث) على النافي فضلا عن الساكت وهو الصحيحان هنا. وقاعدة الحديث يفسر بعضه بعضا. وقاعدة لزوم حمل اللفظ المشترك عند فقد المخصص على جميع معانيه. وغيرها من القواعد[1].
تثمين وتقدير العمل النوعي لحامد حسين:
هذا العمل المنقطع النظير، الذي قال فيه المحقق الطهراني آقا بزرك وهو العارف بالكتب والمصنفات معرفته بأصابع يديه، بأنه أجلُّ ما كتب في هذا الباب منذ صدر الإسلام حتى الآن، جعل مرجع عصره الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي[2]أعلى الله مقامه، يرسل له رسالة كلها تقدير وإشادة بعمله في الكتاب ذاك، ذكرها كل من كتب عن حياة المير حامد حسين وكتاب العبقات، جاء فيها:«فلمّا وقفت بتأييد اللّه تعالى و حسن توفيقه على تصانيف ذي الفضل الغزير، و القدر الخطير،
[1]لتفصيل هذه الخصائص يراجع مقدمة السيد الميلاني على خلاصة عبقات الأنوار،
[2]تأتي ترجمته.