العاملي، والشيخ آقا بزرك الطهراني والسيّد صدر الدين الصدر والسيّد هبة الدين الشهرستاني. وغيرهم.
والحديث عن الجانب العلمي في حياة الآخوند مفصل، ويكفي أن يكون قد تخرج على يده كما نقل مترجمو حياته قرابة مئة من المجتهدين، وترك بعده عددا من الكتب لو لم يكن فيها غير كفاية الأصول، لكفى بذلك شاهدا على عظمة الآخوند العلمية، وسيأتي ذكر بعض أسماء كتبه لاحقا.
إلا أن الجانب الاستثنائي الذي ينبغي توجيه النظر إليه هو:
دوره السياسي في الثورة الدستورية (المشروطة):
ولمعرفة هذا الدور نشير بشكل سريع إلى الوضع السياسي الذي عاشته إيران في زمانه، حتى نضع هذا الدور في سياقه الزمني، وسنستفيد مما ذكره الدكتور الوردي وغيره في هذا الصدد:
المشروطة هي حركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران، وسميت بهذا لأن القائمين بها اعتبروا أن مواد الدستور، هي بمثابة الشروط التي يجب أن يتقيد بها الملك في حكم رعيته وهي فكرة مستمدة من نظرية العقد الاجتماعي التي شاعت في أوربا بعد الثورة الفرنسية.
وكان ناصر الدين شاه معجبا بالحضارة الغربية ومنجزاتها إلا أنه كان يخشى تأثير الأفكار الأوربية على رعاياه ويخشى أن تنتشر بينهم فكرة المشروطية.
قتل ناصر الدين شاه في 1896، وجاء مكانه ابنه مظفر الدين شاه، وهو حاكم متهافت الشخصية، ومولع بالشهوات والسفر لأوربا لهذا الغرض، غير أن الخزينة الايرانية كانت فارغة ولم تكن تلبي متطلباته تلك، فالتجأ إلى القروض الأجنبية، واقترض من روسيا مثلا (خلال عامي 1900-1902م مبلغ 4400000) جنيه
أمدته بها في مقابل امتيازات كمركية وتجارية، مما أدى إلى سيطرتهم على السوق وانزعاج التجار، فقاموا بإضراب عام زاد شلل الاقتصاد الذي كان مشلولا بفعل سياسات الحاكم.
عاقبت حكومة مظفر الدين شاه التجار بجلدهم بالسياط، الأمر الذي دعا هؤلاء وعامة الناس إلى الالتجاء لمرقد عبد العظيم والبقاء فيه، محتمين بدعم كبار علماء الدين في طهران. مطالبين فيه بإقالة عين الدولة (رئيس الوزراء) وتأسيس دار للعدالة، فتعهد مظفر الدين شاه بإجابة مطالبهم.
غير أنه ما لبث أن اصيب الشاه بالشلل وسيطر عين الدولة على الوضع، وأمر بالقبض على السيد الطباطبائي أحد زعماء المحتجين، وحصل اصطدام بين الجنود والأهالي سقط فيه عدد من الناس قتلى.
انتهى الأمر بأن عزل الشاه مظفر الدين رئيس الوزراء عين الدولة، ونصب مكانه (نصر الله خان) وهو من انصار المشروطة. وأصدر أمرا بإجراء انتخابات للمجلس النيابي (مجلس الشورى الوطني) الذي قام بوضع دستور 1906، وهو دستور يقوم على المبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان، وأن يكون موافقا للشريعة الإسلامية!!
وقد استقبل الآخوند والعلماء المناصرون للحركة الدستورية افتتاح البرلمان بترحيب كبير، وأرسل الآخوند بيانا في افتتاح البرلمان دعا فيه وكلاء البرلمان لأن يتعاونوا حتى يتحقق إعمار إيران وتقدمها وأن يؤكدوا على استقلالها عن الأجانب، وبالفعل فإن أول قانون أقره البرلمان هو رفض الاقتراض الخارجي.
توفي مظفر الدين شاه وخلفه ابنه محمد علي، وهذا كان سيء السيرة وضد المشروطة، وكان يشيع أن الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية. وبعد سنتين من تأسيس المجلس أعلن الشاه الأحكام العرفية وزعم (أنّ افتتاح المجلس وتحقير
الإسلام توأمان)، وقصف المجلس بالمدافع. وهرب الكثير من زعماء المشروطة أو اختفوا بينما اصدر الشاه أوامره في سائر مدن إيران بقمع أنصار المشروطة، وفي المقابل بدأت المقاومة الشعبية من تبريز التي سيطر عليها أنصار المشروطة ثم رشت، ثم قزوين وأخيرا طهران، حيث هرب الشاه محمد علي ملتجئا إلى السفارة الروسية، وحينها أعلن الثوار بقيادة العلماء عزله عن الحكم.
استفتى الناس العلماء في شأن المشروطة، فكان جواب العلماء الثلاثة: (إن قوانين المجلس على الشكل الذي ذكرتموه هي قوانين مقدسة ومحترمة وهي فرض على جميع المسلمين أن يقبلوا هذه القوانين وينفذوها، وعليه نكرر قولنا: إن الاقدام على مقاومة المجلس العالي بمنزلة الاقدام على مقاومة احكام الدين الحنيف فواجب على المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس)[1].
تم عزل محمد علي شاه من الحكم، ولجأ إلى السفارة الروسية في طهران، وعين ابنه الصغير حاكما مع وصي عليه.
المواجهة على مستويي الاستبداد والانحراف:
كانت إيران قد وصلت إلى أدنى درجات ضعفها بمجيء الحكام القاجاريين بدءا من ناصر الدين شاه، الذي كان مهزوما في داخله بقدر ما كان متأثرا بمنجزات الحضارة الغربية، ولم يكن يحمل في داخله همّاً وطنيا، بل أصبحت إيران في عهده مسرح تنافس بين البريطانيين والروس بحيث كان كل فريق يضغط على الشاه لتحصيل إمكانات وصلاحيات إذا حصل الفريق الآخر عليها، وبلغ الحال إلى أنهم كانوا يتدخلون في الدولة بنحو كما يقول ناصر الدين شاه في مذكراته: عندما أريد أن أذهب إلى شمال ايران يعترض الروس، وإذا اردت الذهاب إلى الجنوب يعترض الانكليز.
[1]نقل بالمعنى وبتصرف من لمحات اجتماعية من تاريخ العراق 3. 118 د. علي الوردي.
وكان الوضع أيام ولده مظفر الدين أسوأ حيث أنغمس هذا في ملذاته، وأفرغ الخزينة بمصروفاته على شهواته والحاشية السيئة المحيطة به، ومن الطبيعي أن لا يقبل هؤلاء دستورا وبرلمانا شعبيا يحاسب الحاكم ويقرر في شؤون الميزانية.
وقد أصدر الآخوند بيانا شديد اللهجة يعارض فيه توجه مظفر الدين شاه للاقتراض من الدول الأجنبية لأن ذلك من شأنه أن يهدد استقلال إيران، ويجعلها رهينة لتلك الدول. ودعاه فيها إلى التراجع عن ذلك، وفي المقابل إلى إقرار الدستور والانتخابات النيابية. كما دعا عامة الشعب إلى الاصطفاف خلف دعاة الدستور (المشروطة). ولعل هذا بعد الحركة الشعبية من الأسباب المهمة التي جعلت مظفر الدين شاه يستجيب ويعلن الانتخابات النيابية، والتي نتج عنها مجلس الشورى الوطني، وهذا وضع الدستور المعروف بدستور 1906 م.
بعد انقلاب محمد علي شاه على الدستور والمجلس النيابي وقصفه للمجلس وإعلانه الأحكام العرفية ومطاردته لزعماء المشروطة ومؤيديها، بعث الآخوند الخراساني للشاه محمد علي رسالة احتجاج قوية، قال فيها: أنه بمجيء القاجاريين جزئت إيران وفقدت ثلثيها التاريخيين والثلث الثالث هو تحت سلطة الأجانب!
ودعى في نهاية الرسالة التي وزعت على الجمهور إلى مقاومة هذا السفاك الجبار، والعصيان المدني عليه.
وكان مع الآخوند في رسائله وبياناته عدد مهم من الآيات العظام والفقهاء الكبار، يوقعون عليها ولكن المتصدر في ذلك هو الآخوند نفسه. وقد نظّر لهذه الحركة من الجهة الفقهية وأصّلها علميا أحد أهم أعوان الآخوند وهو الميرزا النائيني في كتابه المهم: تنبيه الملة وتنزيه الأمة، والذي أوضح فيه مساوئ الاستبداد من جهة، ومشروعية الانتخابات والمجلس والدستور.
وعلى أثر الرسالة التي وقعها عدد من العلماء والقاضي بعدم كفاءة محمد علي
شاه، ووجوب عزله حصلت تحركات في مختلف محافظات إيران، فابتدأت في تبريز وامتدت إلى رشت حيث اصطدم أنصار الدستور بالقوات الحكومية وانتصروا عليها، وهكذا تصاعدت هذه الحركة في المناطق، انتهت إلى لجوء محمد علي شاه إلى السفارة الروسية.
نجح أنصار الحركة الدستورية،في السيطرة على الأوضاع وأصبحوا الحاكمين، وبدأت مشاكل ما بعد الانتصار، فالولايات التي بدأت الحركة وواجهت جنود الشاه كانت تريد الأولوية، وزعماء القبائل الذين سيطروا على الأوضاع في مناطقهم كانوا يريد الثمن، وأسوأ من هؤلاء كان العلمانيون الذين كانوا يريدون دولة من غير دين ولا علماء ويعلنون عن ذلك صراحة وقد اصبح لهم صولة وجولة لا سيما في المجلس النيابي، وهؤلاء بدؤوا بتطبيق الفهم الخاطئ للحرية غير المقيدة بقيد.
بل بلغ الأمر بمتطرفيهم أن بدؤا يتتبعون من كان مخالفا للحركة الدستورية، فبدؤوا بمضايقتهم وحتى اغتيالهم، بل حتى اغتيال من كان مؤيدا للحركة الدستورية المقيدة بالشريعة، كما حصل للسيد عبد الله البهبهاني.
بل إنهم كشفوا عن وجههم الأصلي بفترة قصيرة، في ارتباطهم بالأجانب، فبعد سيطرة المتغربين على المجلس أصدروا قانونا بتعيين مستشار مالي من أمريكا وهو (مورجان شوستر) لمدة 3 سنوات على أنه مدير البنك المركزي لإيران والمسؤول عن الخزانة.
ونظرا لنفوذ روسية في إيران نظرا لما قدمته من قروض لمحمد علي شاه وأبيه هددت روسية أنه إن لم يعزل شوستر ستحتل شمال إيران، وتتقدم باتجاه طهران، وفي المقابل هددت بريطانيا بأنه إن لم يعزل فستأخذ الجنوب وتديره كما تشاء.
وهكذا سرق المتغربون الحركة الدستورية من الشارع العلمائي الديني، وساروا بها باتجاه أهدافهم، وسجنوا الشيخ فضل الله النوري الذي كان يطالب بمشروعية
المشروطة من خلال تعيين المجتهدين كجهة إشراف على الأحكام الصادرة من المجلس، وهنا تحرك الآخوند ورأى أن الحركة التي كانت في الاتجاه الصحيح قد سرقت، وذلك يؤذن بخطر كبير، وأن لهؤلاء نية سوء في حق الشيخ النوري فأرسل رسالة يحتج فيها على أعمالهم، ويطالبهم فيها بترك الاضطهاد لمن يختلف معهم، ولكن أخفاها هؤلاء إلى أن تم إعدام الشيخ النوري، وقد حزن الآخوند لأجله، وأقام الفاتحة على روحه.
كانت قيادة العلمانيين في الحركة الدستورية بيد تقي زاده، فأصدر الآخوند والمازندراني أمرا بإخراجه من المجلس، لكونه ضد مصالح إيران والإسلام، وبالفعل فلم يكن بُدٌّ أمام تقي زاده الذي كان يصرح باستمرار أنه لن تتقدم إيران إلا بترك الإسلام خلفها، وتتبع أوربا، لم يكن أمامه بد من أن يخرج من إيران ويستقر في أوربا.
وبطبيعة الحال فإن ظهور هؤلاء في واجهة الحركة الدستورية قد أصابها في المقتل، ذلك أن الكثير من العلماء، وطبقات الشعب رأت أن (نار الشاه خير من جنة الدستوريين) وذلك أن الشاه وإن كان ظالما دنيويا إلا أنه يحترم دين الناس، وهؤلاء لم يتمكنوا حتى الآن ومع ذلك أعلنوا الحرب على دين الشعب وعلمائه! وفي نفس الوقت لم يصنعوا شيئا لدنيا الناس فقد عينوا الأجانب مرة أخرى لإدارة الاقتصاد الوطني، فلا دينهم معهم بخير ولا دنياهم.
كتب وتأليفات:
ذكر مترجمو حياة الآخوند الخراساني له عددا من الكتب الفقهية والاصولية، ونحن ننقلها كما ذكروها[1]:
[1]مقال عن أعلام المرجعية الشيعية في موقع مؤسسة زين الدين للمعارف الإسلامية الالكتروني.
الاجتهاد والتقليد.
الأصول في مباحث الألفاظ.
تعليقه على كتاب الطهارة.
تعليقه على أسفار ملا صدرا الشيرازي.
تعليقه على منظومة السبزواري.
التكملة للتبصرة، تلخيص كتاب التبصرة للعلامة الحلي.
تعليقه (حاشية) على رسائل الشيخ الأنصاري في الأصول.
حاشية على كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري.
درر الفوائد في شرح الفرائد، تحقيق مهدي شمس الدين.
رسالة في الدماء الثلاثة (الحيض، والاستحاضة، والنفاس).
رسالة في الطلاق، لم تكمل.
رسالة في الإجازة، لم تكمل.
رسالة في العدالة.
رسالة في الوقف.
رسالة في الرضاع.
روح المعاني في تلخيص نجاة العباد.
روح الحياة في تلخيص نجاة العباد، وأضاف عليها فتاوى فقهية لمقلديه.
شرح التبصرة.
الشذرات والقطرات.
شرح تكملة التبصرة.
شرح خطبة (أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به) الموجود في كتاب «نهج البلاغة»، بقلم تلميذه الشيخ عبد الرسول الأصفهاني.
الفوائد الأصولية والفقهية، يحتوي على خمس عشرة فائدة.
قطرات من يراع بحر العلوم، أو شذرات من عقدها المنظوم، وهو عدة رسائل جمعت بعد وفاته، وذلك عام 1331هـ.
القضاء والشهادات، لم يتم.
كفاية الأصول، يقع في جزئين، أحدهما في مباحث الألفاظ، والثاني في الأدلة العقلية.
اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة.
منهج الرشاد.
ويظهر أن شهرته العلمية قد تجاوزت النجف الأشرف لتصبح على مستوى العالم الإسلامي فقد نقلوا أنه تلقى حاكم النجف العثماني يومذاك من آل الآلوسي في الأستانة كتابا جاء فيه: بلغنا أن عالما خراسانيا ظهر في النجف، وجدد معالم الأصول، وأنه في هذا العصر كالعضدي في زمانه، فأرسل ترجمته بقدر ما تستطيع[1].
بل قالوا أن شيخ الإسلام نفسه اشتاق لرؤية الآخوند، والارتشاف من نمير علمه، فزار العراق على أساس زيارة قبر أبي حنيفة في بغداد، ومن ثمّ عرَّج على مدينة النجف الأشرف ليشاهد الحوزة التي مضى عليها حوالي الألف عام، فدخل إلى مسجد الطوسي، حيث كان الآخوند يلقي درسه، فلمّا رآه وهو يدخل قام بنقل
[1]المصدر السابق.