ذلك المحفل العلمي أنتج عددا من فحول العلماء الفقهاء، كان منهم:
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: الذي برز في سماء النجف لا سيما بعد وفاة أستاذه اليزدي وقد التصق بالاستاذ كما اختصه وأخاه شيخ أحمد بالاهتمام، وقد نقل بعضهم أن تحرير العروة وصياغتها وهي متينة ترجع إلى أن الشيخين محمد حسين وأحمد كانا يحرران المسألة ويريان رأي السيد فيها ويعرضانها عليه. له عدد كبير من المؤلفات النافعة فقهية وعقدية وفكرية.
الشيخ أحمد كاشف الغطاء، الأخ الأصغر للشيخ محمد حسين.
السيد حسن المدرس: بعد أن حضر في درس السيد اليزدي قرابة سبع سنوات، عاد إلى إيران وقد انتخب واحدا من المجتهدين الناظرين على القوانين التي يسنها مجلس الشورى بحيث لا تكون مخالفة لأحكام الشريعة. وقد استمر في هذا الموقع لسان حق وجرأة خمس دورات برلمانية، إلى اغتاله أعوان البهلوي الأول سنة 1357هـ.
السيد حسين الطباطبائي البروجري، أحد مراجع التقليد الذين رجع الناس إليهم في إيران، وكان بمثابة زعيم الحوزة العلمية فيها.
السيد حسين القمي، من أعاظم العلماء ومراجع التقليد أيضا.
الشيخ محسن (آقا بزرك) الطهراني، يأتي الحديث عنه مستقلا.
الشيخ محمد حسن المظفر.
السيد هبة الدين الشهرستاني، العالم المعروف والسياسي البارز.
وغيرهم ممن أوصل الباحث الجبوري[1]عددهم إلى قرابة 350 عالما فاضلا ومجتهدا فقيها.
[1]الجبوري كامل سلمان. السيد محمد كاظم اليزدي: سيرته وأضواء على مرجعيته ومواقفه، نسخة الكترونية من
http://www. صلى الله عليه وآله lh صلى الله عليه وآله ss صلى الله عليه وآله n صلى الله عليه وآله in.com/
من أدواره السياسية:
تعرض السيد اليزدي أعلى الله مقامه، إلى تجنٍّ كبير على شخصيته من قبل بعض الكتاب حيث وصمه بعضهم بعدما لم يكلف نفسه بالبحث الدقيق بأنه من أنصار الاستبداد وأنه لم يكن على وعي سياسي كاف.
والناظر إلى أدواره السياسية المختلفة يجد فيه فقيها مجاهدا، وعالما واعيا، يتحرك في أكثر من صعيد لمحاربة الاستعمار والنفوذ الأجنبي في بلاد المسلمين، ولم يكن يرى نفسه وقفا على إيران أو على الشيعة حتى، بل كان يرى دائرة مسؤوليته تمتد لتشمل الدفاع عن بلاد المسلمين عموما.
ففي بيان له[1]قال ما ترجمته بالعربية:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
في مثل هذا اليوم الذي حملت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية كإيطاليا على طرابلس الغرب من جهة، والروس من جهة أُخرى أشغل شمال إيران بعساكره والإنكليز، أنزل عساكره في جنوب إيران وأحدث بالإسلام خطر اضمحلاله.
فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم، أن يستعدّوا لدفاع الكفار عن ممالك الإسلام، ولا يتقاعدوا بكل صورة عن بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل إخراج إيطاليا من طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروس والإنكليز من إيران، فإنّ ذلك أهم الفرايض الإسلامية؛ لكي يُحفظ بعون الله المملكتان الإسلاميتان العثمانية والإيرانية من مهاجمة الصليبيين.
حرّره الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
[1]فقيه دور انديش، نقلا عن سليم الحسني. دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار وأيضا المصدر السابق.
على صعيد مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق فقد شارك السيد اليزدي مشاركة فعالة من خلال تحريك عشائر العراق الذين كانوا يرجعون في التقليد إليه، الأمر الذي أدهش البريطانيين حيث أنهم كانوا يتوقعون موقفا سلبيا على الأقل من الشيعة بالنسبة لاحتلالهم العراق إن لم يكن مؤيدا لهم، نظرا للظلم والاضطهاد الذي وقع عليهم أيام الأتراك العثمانيين. وبالمنطق السياسي المجرد فإنهم يتوقعون منهم أن يجدوا في هزيمة العثمانيين الأتراك أمام البريطانيين نصرا.
إلا أن المرجعية الشيعية في النجف الأشرف تحركت بحزم لمقاومة الاحتلال البريطاني، وشارك أبناء السيد اليزدي في العمل العسكري المباشر، حتى استشهد أحدهم في المعركة وهو السيد محمد.
ويقول بعض المؤرخين بأن البريطانيين بعدما استطاعوا هزيمة الأتراك، واحتلال العراق أرادوا أن يؤدبوا العشائر وأهل النجف، نظرا لمواقفهم القوية تجاه البريطانيين، فأرسلوا للسيد اليزدي رسولا يقول له بان النجف سيتم قصفها، وأنهم لا يريدون تعريضه للأذى فالأفضل أن يخرج من النجف. فسألهم: هل يخرج وحده أو مع عائلته؟ فقالوا بل مع العائلة! فأجابهم أن أهل النجف كلهم عائلته، وأن ما يصيبهم يصيبه، وهو جالس بينهم!
وأما موقفه في قضية المشروطة، فلا بد من الاقرار بوجود اختلاف بين العلماء الذين عاشوا تلك الفترة في تحديد أن مصلحة الدين والشعب في أين تكمن؟ وبناء على ذلك اختلفت أدوارهم حماسة أو تريثا لموضوع الحركة الدستورية.
ففيما كان الشيخ الآخوند الخراساني ومن تبعه من أنصار الحركة الدستورية يرون أن أهم قضية ينبغي الاهتمام بها هو تحديد صلاحيات الملوك والسلاطين القاجار، وإعطاء سلطة أكبر للشعب من خلال الانتخابات النيابية والمجلس
البرلماني، كان يتخوف المتريثون في أمر الحركة الدستورية من سيطرة المتغربين على الأوضاع حيث أن الكفاءات المطلوبة كانت في جانبهم أكثر من المتدينين، وكانوا يحصلون على الدعم الأجنبي بشكل كبير، وهؤلاء لم يكونوا يخفون أنه يريدون مجتمعا بلا حاكمية للدين فيه، وحرية بلا حدود، وتغريبا يلحق إيران بالغرب بشكل صريح وواضح وسريع أيضا. وعلى رأس هؤلاء كان المعروف تقي زاده.
فهؤلاء لم يكن عبثا إصرارهم على أن يكون اسم المجلس (مجلس شوراي ملي) أي مجلس الشورى الوطني بدل الإسلامي، ولم يكن غريبا تصريح أحد منظريهم وهو ميرزا ملكم خان الذي قال: كنت أرى أنه يمكن تغيير إيران إلى أوربا وأن نستفيد من المجتمع الديني في هذا الأمر، لكني علمت فيما بعد أن هذا غير ممكن، ولذا دعوت خصوصا في المحافل الخاصة إلى (إسلام زدائي) أي إلى حذف الإسلام!
وهؤلاء كان لهم أيضا مواقف متشنجة من السيد اليزدي، فقد حاولوا اغتيال السيد في مجلسه بارسال شخص ممن يتعاطف معهم لقتله، وبدؤوا بالارجاف حول بيته لولا أن طوقت العشائر بيت السيد وحمته منهم!
إننا نعتقد أن السيد اليزدي كان يرى الخطر الناشئ من السلاطين القاجاريين وإن كان كبيرا إلا أنه أهون من الخطر المترقب من المتغربين، فإن السلاطين القاجاريين كانوا فسقة وشهوانيين وفاسدين في أنفسهم، ولكن لم يكن لهم برنامج تغريبي للمجتمع يصرون عليه، بعكس هؤلاء المتغربين الذين كانوا يقولون ذلك وينشرونه في الصحافة و(بالفم المليان) ويعملون على ذلك جهارا نهارا.
وربما لهذا السبب التقى في النتيجة أنصار الحركة الدستورية من أتباع الآخوند، مع رأي السيد اليزدي في أن المطلوب هو مشروطة مشروعة، أي حركة دستورية
ضمن إطار الدين، ويكون البرلمان تحت نظارة المجتهدين لكيلا يسن القوانين المخالفة للشريعة.
إن الذي جعل السيد اليزدي يتخذ موقفا مخالفا لما كان يجري، هو أن الوضع على الارض كان يسير باتجاه سريع نحو الانفلات الاخلاقي أراده المتغربون كذلك من خلال الاستغلال السيء للحرية التي هي مطلب صحيح وخيّر.
«وممّا يؤيّد هذا الرأي[1]مسوّدة البرقيّة التي بعثها إلى الآخوند الآملي نصّها:
من النجف. رقم 676
حضرة ثقة الإسلام الآملي دامت بركاته:
لقد تملّكنا القلق من تجرّؤ المبتدعين، وإشاعة كفر الملحدين، نتيجة الحرية الزائفة، وسوف لن يتمكّنوا من تنفيذ مآربهم بعون الله، وبالطبع فإنّ الوقوف بوجه الكفر، وصيانة العقيدة، وتطبيق القوانين القرآنية القويمة والشريعة المحمّدية الأبدية، يُعتبر من أهم فرائض العلماء الربّانيين، مع الأخذ بعين الاعتبار الأسباب الموجبة لصلاح وصون الدين ودماء المسلمين، لا بأس من بذل الجهود في هذا الصدد.
23 جمادى الأُولى 1325هـ
محمد كاظم اليزدي
وهذا هو السبب الذي جعل آية الله الشيخ فضل الله النوري يواجه تلك المجموعة، فحسب على أنه من أنصار الاستبداد، واعتقل من بيته بواسطة هؤلاء الذين يدعون إلى الحرية ويفترض أنهم قد ثاروا على الاستبداد فلم يتحملوا
[1]الجبوري، 184 مصدر سابق نقلا عن سليم الحسنى في كتابه: دور علماء الشيعة في محاربة الاستعمار.
رأيا مخالفا لهم، واعتقل ثم أجريت له محاكمة صورية سريعة وعلق على حبل المشنقة!!
هذا الأمر الذي حدا ببعض المعاصرين لتلك الفترة، أن يقولوا (أردناه خلاّ فخرج خمراً). ونفس هؤلاء هم الذين قاموا باغتيال السيد عبد الله البهبهاني في منزله!
فقيه العروة الوثقى:
يدل الكتاب على فضل صاحبه ومنزلته، وبالذات في المواضيع الاجتهادية، التي يُقرأ من خلال نتائجها الطريقة التي أعمل صاحب الرأي أدواته حتى وصل إلى تلك النتيجة، وبالتالي يمكن للانسان المتخصص أن يلاحظ أن استخدامة لتلك الأدوات ووصوله لتلك النتيجة أخيرا هل كان بنحو صحيح أو لا؟
ويصدق هذا بشكل واضح في الفقه، فإن استنباط الأحكام واستنتاجها من مداركها وأدلتها، ليست أمرا كيفيا ولا مزاجيا، كما أنها ليست عملية غيبية طوباوية، وإنما هي عملية اجتهادية لها مسالكها ودروبها التي يعرفها أهل الاختصاص في هذا العلم، ولهذا يمكن المقايسة بين (فقاهة) هذا وذاك، وقدرتهما الاجتهادية.
وبناء على هذا فإن احتلال (العروة الوثقى) للسيد اليزدي للموقع الأول في التدريس الفقهي في الحوزات العلمية لم يكن جزافا، وإنما كان بسبب ما للكتاب المذكور من ميزات.
فقد كان كتاب شيخ الطائفة الطوسي أعلى الله مقامه (النهاية في مجرد الفتاوى) محور الدرس الفقهي في الحوزة العلمية منذ تأسيسها على يده في النجف الأشرف، واستمر الأمر هكذا قرابة قرنين من الزمان إلى أن جاء المحقق الحلي رحمة الله ، وكتب (شرائع الإسلام) ليكون محور الدرس الفقهي منذ تأليفه إلى ستة قرون تلت،
وذلك لما كان عليه من حسن التبويب والعبارة الرشيقة والإشارة إلى الأدلة في دورة فقهية كاملة، وكل ذلك بنحو مختصر، هذا بالرغم من وجود كتب فقهية عالية القيمة ككتب العلامة، والشهيدين، وغيرهم.
وأما بعد أن كتب السيد اليزدي العروة الوثقى بتحرير اثنين من أفاضل تلامذته (الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وأخيه الشيخ أحمد) وكانا على مستوى عال من الأدب والتمكن من فنون اللغة العربية، التي لم يكن السيد اليزدي أيضا قاصرا عنها. كما أشار إلى ذلك كاشف الغطاء في كتابه الفردوس الأعلى. صار هذا الكتاب الذي عده العلماء (من أجل كتب الإمامية بيانا و أحسنها تبيانا و أجمعها للفروع الفقهية و أبينها للمسائل الشرعية)[1].
وبالرغم من أن الكتاب لا يحتوي على كل الأبواب الفقهية وإنما اشتمل على أبواب العبادات (والحج فيه غير كامل) ومن المعاملات (الإجارة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والضمان، والحوالة، وقسم من النكاح) إلا أنه صار محلا للتدريس في بحوث الخارج، ومتنا يحشي عليه كل من تصدى للمرجعية، من بعد السيد اليزدي، بدءا من الشيخ عبد الكريم الحائري والمحقق النائيني وآقا ضياء العراقي فضلا عن تلامذة السيد اليزدي كأبي الحسن الاصفهاني والسيد البروجردي وكاشف الغطاء، وسائر العلماء المعاصرين.
كما أنه تم شرحه شرحا استدلاليا من قبل عدد كبير من العلماء والفقهاء، فالمطبوع منها قرابة 15 شرحا استدلاليا بين شرح كامل العروة وشرح بعض أجزائها، وهذا بحسب التتبع الناقص، وإلا فالعدد لا ريب أنه اكبر من هذا.
ولعل الذي جعل الكتاب يلقى هذا الرواج والانتشار بالاضافة إلى ما احتوى عليه من كثرة المسائل التي بلغت (7177) مسألة وهي وإن كانت بالنظر إلى
[1]شبر، سيد على حسينى، العمل الأبقى في شرح العروة الوثقى ج1. 4.
التشقيقات والفروع المذكورة في كل مسألة من الممكن أن تصل إلى ثلاثة أضعاف هذا العدد، بالإضافة إلى ذلك فإن العروة الوثقى في نتائجها تمثل منتهى ما وصل إليه الاستنباط الفقهي والاستدلال بتطبيق المباني الأصولية الأخيرة في المدرسة الإمامية على الموارد المختلفة، وهذا بالطبع لا يتوفر في نهاية الشيخ الطوسي ولا في شرائع المحقق الحلي ولا لمعة الشهيدين.
هذا بالرغم من أن العروة لم تكن كتابا تخصصيا (بالمعنى الدقيق للكلمة) أي لم تكن الاستفادة منها وقفا على تحقق مستوى علمي خاص في الفقه، بل كانت لعموم المقلدين، ومن يمتلك مقدارا من المعرفة الفقهية يستطيع الاستفادة منها، أي لم تكن مثل (كفاية الأصول) للآخوند مثلا حيث أنه لا يستطيع أحد أن يستفيد من مطالبها ما لم يكن متخصصا بمقدار معين في هذا العلم. وربما يكون هذا أيضا من أسباب اشتهار العروة ورواجها في الوسط العلمي الحوزوي.
باقي كتبه وتصانيفه:
إذا كانت (العروة الوثقى) واسطة العقد في كتب السيد اليزدي، فلم تكن (يتيمة الدهر) بل كان إلى جانبها لئالئ ودرر تملأ كف الغواص علما ومعرفة، وإن لم تلق نفس الاهتمام الذي وجه للعروة، بل بقيت على (بكارتها):
فمن كتبه القيمة والمهمة، حاشيته على المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري رحمة الله وهي تقع في جزئين.
ومنها: رسالة في حكم الظنّ المتعلّق بأعداد الصلاة و أفعالها و كيفيّة صلاة الاحتياط.
ورسالة في التعادل و التراجيح.
ورسالة في منجّزات المريض.