للانطلاق إلى الجديد. فليس من الصحيح أن يكون هذا المجال شرعة لكل وارد لكي يعمل فكره فيه بالنحو الذي يريد ويسمي ذلك تجديدا. إن أي مجال نظري وعلمي لا يمكن تطويره وتجديده إلا بواسطة الخبراء العارفين بواقعه الفعلي وتاريخه حتى يستطيعوا أن يطوروا هذا الموجود ويجددوا ذلك القديم.
وما نلاحظه من دعوات، بل ومحاولات، وممارسات من أشخاص باتجاه (تجديد) للفقه، وهم لم يتخصصوا فيه، هو أقرب للعبث منه إلى الجد.
بل قد يبلغ الاسفاف مداه عندما نجد بعض (الكتاب) ممن يكون لتوه قد عرف كيف يصوغ مقالة، فإذا به يجرب مقالته الأولى في الدعوة إلى تجديد الفقه، وعدم الحاجة إلى الفقه الموجود، وينتقد ما يسميه تارة بالفقه الذكوري، والفقه المتكلس و، و، ثم يرتقي منصة الحكم والفقاهة، لكي يسطّر مجموعة من الـ (يجبـ) ات!! ناسفا بذلك كامل التراث الفقهي الكبير، والكتب المدونة العميقة، والجهد الجبار النظري الذي بذله العلماء على مدى أحد عشر قرنا من الزمان!
التجديد الذي يتحدث عنه هنا، وهو المطلوب لا يتوقف عند تغيير اللغة التي كتب بها المتن الفقهي، ولا في حذف مسائل انتفت الحاجة إليها بحسب تطور الزمان، أو في الاستدلال على مسائل جديدة لم تكن موجودة عند السابقين والأوائل، وإنما تمتد لتشمل المنهج المتبع في الاستدلال والاستنباط، وابتكار نظريات جديدة سواء في الأدلة، أو في أصل المنهج، تلك النظريات التي يتم مناقشتها والبرهنة عليها. وإثبات تقدمها وأفضليتها على سائر النظريات في الوصول بالعلم إلى مراحل متقدمة.
إننا نلاحظ أن الفقه الإمامي مر بمراحل متعددة وقد اختلف الباحثون في تحديدها باختلافهم في بدايات تلك المراحل وأبطالها إلا أن المتفق عليه هو أن
كل مرحلة كانت تمثل تطورا وتغيرا بنحو ما عن المرحلة التي سبقتها، فإذا كان الشائع في زمان الكليني والصدوق ووالده الاقتصار على النصوص بألفاظها، وجمع ما تفرق منها في الأصول والكتب المختلفة، فإن المرحلة التي أعقبت ذلك والتي بلغت أوجها أيام شيخ الطائفة الطوسي في معالجة الروايات المتعارضة، واستنباط الأحكام الفرعية الكثيرة، والتأسيس لقواعد في أصول الفقه، تعد تجديدا منهجيا كبيرا بالقياس لما سبقها.
وإذا كانت هيمنة أفكار شيخ الطائفة كما سبق قد سببت حالة من الركود والتوقف الاجتهادي إلا أنها لم تدم طويلا بعدما جاء ابن ادريس ليقوم بتجديد حياة الفقه والاجتهاد فيه، وبالرغم من قصر عمره الشريف كما سيأتي إلا أن أثره كان كبيرا جدا في هذا المجال حيث فتح الباب للتجديد والنشاط العلمي والمنهجي.
وعندما ننتقل إلى زمان المقدس الأردبيلي وتلامذته نجد أنفسنا أمام تطور واضح في طرق الاستنباط الفقهي، ونقلة واضحة في الفقه الشيعي، بل حتى عودة النشاط الأخباري على مستوى التصنيف الحديثي، وفيما بعد عودة المدرسة الأخبارية على مستوى المنهجية في الاستدلال، هو بنفسه يعد مرحلة من التطور الفكري، وإن كان البعض يراه جمودا وركودا في خط الاجتهاد، لكن من حيث أنه يقدم منهجا جديدا مخالفا للمنهج السائد فإنه يعتبر من الناحية المجردة تطورا وتحركا في الساحة العلمية.
وإذا جئنا إلى زمان ما بعد الوحيد البهبهاني الذي أرسى قواعد المدرسة الأصولية الحديثة، وثبتها بمن تخرجوا من تحت منبر درسه، حيث أصبحت هي المدرسة السائدة والشائعة إلى يومنا، فهو ينبئ عن مرحلة متميزة عن التي سبقتها، واستمر هذا حتى زمان الشيخ الأنصاري لكي يأتي بجملة من النظريات الأصولية
في داخل هذه المدرسة، ما يعد تغييرا منهجيا كبيرا فيها.
وقد اختلف الباحثون في مصاديق الحديث المذكور، أولا: على أساس مذهبي، فمن هو مجدد لدى الإمامية قد لا يكون كذلك لدى مدرسة الخلفاء، وبالعكس. بل حتى في إطار المذهب، يحصل اختلاف تبعا لنظرة الباحث إلى الدور الذي قام به هذا الفقيه أو ذاك. فقد رأى الكثير من الباحثين العلامة الحلي رحمة الله مجددا بينما رآه الأمين الاسترابادي بخلاف ذلك.
لكن بعض الأسماء في تاريخ الشيعة العلمي، بقيت موضع تسالم بين الباحثين في أهمية دورها، فهذا ابن الأثير يتحدث عن ثقة الإسلام الكليني على أنه ممن ينطبق عليهم الحديث في المئة الثالثة، والشريف المرتضى في المئة الرابعة، وهكذا.
ولا ريب أن الفقيه صاحب السرائر، محمد بن ادريس العجلي الحلي المولود سنة 543هـ[1]والمتوفى سنة 598هـ، يعد لدى كثير من الباحثين من المجددين في الفقه، والذين خلفوا أثرا كبيرا في تاريخه العلمي. وذلك أننا لو ألقينا نظرة عامة على الوضع العلمي في زمان شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي رحمة الله ، فإننا سنجد أن هذا الفقيه المفسر الأصولي المتكلم الرجالي، قد بسط هيمنته الفكرية على الساحة الشيعية، وقد كان رحمة الله غزير الانتاج في مختلف المجالات، ففي الفقه وجدنا له كتاب النهاية في الفقه المجرد، وتهذيب الأحكام في الفقه الاستدلالي الروائي، والمبسوط في تفريع الفروع الفقهية، وفي الرجال أكثر من كتاب، وفي العقائد كذلك، والتفسير والكلام. وهكذا.
وقد مُدّ له في عمره حتى تخرج على يديه جيل كبير من الفقهاء والمفسرين والمتكلمين، وكان هؤلاء يعرفون المستوى العلمي الراقي للشيخ رحمة الله ، وكان هذا
[1]بناري، علي همت؛ ابن ادريس: زندكي وأنديشه (فارسي) بوستان كتاب قم 1381هـ ش.
وغيره من الأسباب التي منعت الجيل اللاحق له من تلامذته من مناقشة آرائه ونظرياته، وكانت هذه الهيمنة الفكرية لآراء شيخ الطائفة رحمة الله تهدد المجاميع العلمية لدى الطائفة لو استمرت بالتوقف والجمود الفكري، وربما انتهى باب الاجتهاد إلى الانسداد، كما حصل بالنسبة إلى سائر المذاهب الأخرى من مدرسة الخلافة، حيث أنهم لحسن ظنهم بمتقدميهم من أئمة الفقه الأربعة توقفوا عندهم، وإذا أراد أحد المتأخرين أن يجتهد فإنما يسمح له داخل إطار تلك المذاهب بالترجيح أو ما يشبهه.
وقد استمر هذا الحال إلى أكثر من قرن من الزمان تقريبا.
إلى أن جاء ابن ادريس الحلي رحمة الله ، فقام بمحاكمة آثار الشيخ الطوسي علميا، ولم تمنعه هيبة الشيخ، واحترام ابن ادريس له في أن يفند ما لا يراه صحيحا من آرائه، معتمدا على عارضة استدلالية قوية، وقدرة على التتبع جيدة. وقد عبر البعض عن هذه الفكرة بأنه أول من فتح باب الطعن على الشيخ الطوسي رحمة الله ، كما نجد في كلمات المحدث البحراني في كتابه اللؤلؤة قائلا: «وهذا الشيخ كان فقيها أصوليا بحتا ومجتهدا صرفا وهو أول من فتح باب الطعن على الشيخ (!) وإلا فكل من كان في عصر الشيخ أو من بعده إنما كان يحذو حذوه غالبا إلى أن انتهت النوبة إليه»[1].
وقد تحدث عن فترة التوقف تلك أو الركود كما سماها بعضهم، أكثر من درس مرحلة ما بعد الشيخ، واتفقوا في النتيجة وإن كانوا قد اختلفوا في الأسباب المؤدية إلى ذلك، مع أنهم أشاروا جميعا[2]إلى هيمنة الشيخ الطوسي وأفكاره على الجو العلمي إلى قرن من الزمان بعده. وعبر الشهيد الصدر عن هذه الفكرة بقوله: «وقد أسند جماعة من العلماء ذلك الركود الغريب إلى ما حظي به الشيخ الطوسي من
[1]الخوانساري، محمد باقر: روضات الجنات 6. 256 نقلا عن لؤلؤة البحرين.
[2]راجع مقدمة معالم الدين للجنة التحقيق في مركز نشر جماعة المدرسين، ومقدمة عدة الأصول لمحققه محمد رضا الأنصاري.
تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد، وجعل من آرائه ونظرياته شيئا مقدسا لا يمكن أن ينال باعتراض أو يخضع لتمحيص. ففي المعالم كتب الشيخ حسن بن زين الدين ناقلا عن أبيه قدس سره أن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به وروي عن الحمصي وهو ممن عاصر تلك الفترة أنه قال: «لم يبق للامامية مفت على التحقيق بل كلهم حاكٍ».
وهذا يعني أن رد الفعل العاطفي لتجديدات الشيخ قد طغى متمثلا في تلك النزعة التقديسية على رد الفعل الفكري الذي كان ينبغي أن يتمثل في درس القضايا والمشاكل التي طرحها الشيخ والاستمرار في تنمية الفكر الفقهي. وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أنا نجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين عليه السلام شهد فيها الإمام عليه السلام بصحة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي «النهايةب، وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري والروحي للشيخ في أعماق نفوسهم. ولكن هذا السبب لتفسير الركود الفكري قد يكون مرتبطا بالسبب الأول، إذ لا يكفي التقدير العلمي لفقيه في العادة مهما بلغ لكي يغلق على الفكر الفقهي للآخرين أبواب النمو والتفاعل مع آراء ذلك الفقيه، وإنما يتحقق هذا عادة حين لا يكون هؤلاء في المستوى العلمي الذي يؤهلهم لهذا التفاعل فيتحول التقدير إلى إيمان وتعبد»[1].
انتقادات لجهد ابن ادريس التجديدي:
كأي محاولة تجديدية كان من الطبيعي أن تواجه جهود ابن ادريس معارضة في الوسط العلمي، المعاصر له بل والمتأخر عنه! وليس من الضروري أن تكون تلك المعارضة بسوء نية، بل ربما قام بها التقي الزاهد من العلماء، وحرصا فيما يرى
[1]الصدر، محمد باقر: المعالم الجديدة للأصول. 67
على الدين، وذوذا عن حياض العلم، وحفاظا على أعلام الشريعة.
وهذا ما يواجهه وإلى اليوم الكثير من المصلحين، والمجددين في أكثر من مستوى، ابتداء من عدم التفهم لجهودهم وعدم وضعها في إطارها الصحيح، ومرورا بعزلهم اجتماعيا بالحديث ضدهم والتشكيك في نياتهم، وانتهاء بالتنظير إلى مضادة أفكارهم حتى ما كان صحيحا منها.
نعم تعرض ابن ادريس إلى مواجهة وانتقاد، بعضه كان قائما على أسس منهجية وهذا لا مانع منه، والكثير منه أقرب إلى التشويش، فمن ذلك ما تحدث عنه بعض العلماء من أن:
ابن ادريس قد أعرض عن أخبار أهل البيت بالكلية[1].
أنه لم يعمل بأخبار الثقات. ورفض العمل بخبر الواحد.
أنه تجرأ على شيخ الطائفة الطوسي وأساء الأدب له، فبتر الله عمره!
وقد انبرى غير واحد من العلماء لكي يدافعوا عن ابن ادريس. كما صنع ذلك التفرشي في نقد الرجال والخوانساري في الروضات، والميرزا النوري في خاتمة المستدرك، والسيد الخوئي في معجم رجال الحديث
وخلاصة ما ذكروه: أنه قد اختلط على ابن داود وهو منشأ القول بإعراض ابن ادريس عن أخبار أهل البيت بالكلية، اختلط عليه أمر عدم عمله بخبر الواحد، وأن هذا الخبر لا يفيد علما ولا عملا، وأمر عدم العمل بأخبارهم بالكلية. وهما يختلفان اختلافا بينا.
فالأول مسلك أصولي لا ينفرد به ابن ادريس، بل سبقه إليه السيد المرتضى
[1]الحلي، ابن داود، رجال ابن داود. 269
وقد أكده في كثير من كتبه، وعمل فيها على هذا الأساس، والتزم بالعمل بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن والمفيد للعلم. وهذا هو الذي سلكه ابن ادريس. ولم يعرض عن أخبار أهل البيت، فإنه لو فعل ذلك كما قال بعضهم لما كان قادحا في عدالته فقط وإنما في إيمانه وتشيعه!
كيف؟ والحال أنه كان واسطة في انتقال الكثير من الأصول الحديثية إلى من بعده، حيث كان لديه الكثير من كتب الأصول في الحديث كجامع البزنطي، وابن بكير ومعاوية بن عمار، والحسن بن محبوب، ومحمد بن علي بن محبوب وموسى بن بكر وغيرهم[1]وقد أوردها في كتابه السرائر. وقد قال المحقق التستري في كتابه قاموس الرجال[2]: كيف و سرائره كلّه من طهارته إلى دياته مبتن على أخبارهم (عليهم السلام)؟
وحيث أن السيد الخوئي رحمة الله قد أجاب عن الشبهات السابقة ببيان جيد، ننقله بنصه:
أما قول ابن داود إنه أعرض عن أخبار أهل البيت عليهم السلام بالكلية فهو باطل جزما، فإنه اعتمد على الروايات في تصنيفاته، وكتابه مملوء من الاخبار، غاية الامر أنه لا يعمل بالاخبار الآحاد، فيكون حاله كالسيد المرتضى وغيره ممن لا يعملون بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرائن، ولأجل ذلك ذكر السيد التفريشي ما تقدم منه، كما تقدم عن الشيخ الحر ما ذكره من أن علماءنا المتأخرين قد أثنوا عليه واعتمدوا على كتابه.
بقي هنا شيء: وهو أن المعروف في الألسنة أن ابن إدريس تجاسر على شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي - قدس سره - جسارة لا ينبغي صدورها عن الجاهل فضلا عن
[1]عد الباحث علي همت بناري في كتابه عن ابن ادريس 21 مصدرا بينها 14 مصدرا تعد من الأصول الروائية كما تقدم ذكر بعضها.
[2]التسترى، محمد تقي:قاموس الرجال 9. 93
مثل ابن إدريس، وهذه القصة لا أساس لها. ومن الغريب أن الشيخ المامقاني نسب ذلك إلى كتاب ابن إدريس، وقال: «وأقول في مواضع من السرائر أعظم مما نقله (العلامة) حتى أنه في كتاب الطهارة عند إرادة نقل قول بالنجاسة عن الشيخ يقول: وخالي شيخ الأعاجم أبو جعفر الطوسي يفوه من فيه رائحة النجاسة، وهذا منه قد بلغ في إساءة الأدب النهاية».
أقول: إن ما ذكره قدس سره خلاف الواقع، وليس من ذلك في كتاب السرائر عين ولا أثر، ويدل على ذلك أن الشيخ أبا جعفر الطوسي لم يكن خالا لابن إدريس، وإنما هو جده لامه، والشيخ المامقاني لم يلاحظ كتاب ابن إدريس وإنما ذكر ذلك اعتمادا على ما سمعه من أفواه الناس، وكيف يتكلم ابن إدريس بمثل ذلك وهو يعظم الشيخ أبا جعفر في موارد عديدة.
منها: قوله في أوائل الكتاب في توبيخ المتمسكين بالاخبار الآحاد حتى في أصول الدين: فقد قال الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر الطوسيH وتغمده الله تعالى برحمته.
ومنها: ما قاله في باب الصلاة الجمعة وأحكامها، فإنه ذكر بعد نقل كلام عن السيد المرتضى حكاه الشيخ أبو جعفر الطوسي قدس سره : ولم أجد للسيد المرتضى تصنيفا ولا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه (إلى أن قال) ولعل شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس وعرفه منه مشافهة دون المسطور، وهذا هو العذر البين، فإن الشيخ ما يحكي بحمد الله تعالى إلا الحق اليقين، فإنه أجل قدرا وأكثر ديانة من أن يحكى عنه ما لم يسمعه ويحققه منه (إنتهى). وغير ذلك من الموارد.
وأما منشأ هذه القصة التي لا أساس لها فهو قصور الفهم عن درك مراد ابن