سنة 471
قال أبو الفداء: فی هذه السنة ملک تاج الدولة تتش ابن السلطان ألب أرسلان دمشق، و سببه أن أخاه السلطان ملکشاه أقطعه الشام و ما یفتحه فسار تاج الدولة تتش إلی حلب، و کان قد أرسل بدر الجمالی أمیر الجیوش بمصر عسکرا إلی حصار آتسز بدمشق، فأرسل آتسز یستنجد تتش و هو نازل علی حلب یحاصرها، فسار تتش إلی دمشق فملکها.
سنة 472
قال فی المختار من الکواکب المضیة: و فی سنة اثنتین و سبعین و أربعمائة کتب الأمیر شرف الدولة مسلم بن قریش العقیلی إلی السلطان ملکشاه یطلب منه أن یسلم إلیه حلب علی أن یحمل إلیه فی العام ثلثمائة ألف دینار، فأجابه إلی ذلک و کتب له توقیعا بها، فسار إلیها و بها الأمیر سابق بن محمود فأعطاه مسلم إقطاعا بعشرین ألف دینار علی أن یخرج من البلد فأجاب، فوثب علیه أخواه و قتلاه و استولیا علی القلعة، فحاصرها مسلم ثم أخذها صلحا، و کان الأمیر سابق المذکور آخر ملوک بنی مرداس. انتهی.
أقول: ما سننقله عن ابن الأثیر فی السنة الآتیة یفید ضعف هذه الروایة و أن سابقا لم یقتله أخواه و أن مسلما حصر القلعة و استنزل منها سابقا و وثابا ابنی محمود بن مرداس.
سنة 473 استیلاء مسلم بن قریش العقیلی علی حلب و ولایته علیها
قال ابن الأثیر فی حوادث سنة 472: فی هذه السنة ملک شرف الدولة مسلم بن قریش العقیلی صاحب الموصل مدینة حلب، و سبب ذلک أن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان حصرها مرة بعد أخری، فاشتد الحصار بأهلها، و کان شرف الدولة یواصلهم
بالغلات و غیرها، ثم إن تتش حصرها هذه السنة و أقام علیها أیاما و رحل عنها و ملک بزاعة و البیرة (بره جک) و أحرق ربض عزاز و عاد إلی دمشق، فلما رحل عنها تاج الدولة استدعی أهلها شرف الدولة لیسلموها إلیه، فلما قاربها امتنعوا من ذلک، و کان مقدمهم یعرف بابن الحبیبی العباسی فاتفق أن ولده خرج یتصید بضیعة له فأسره أحد الترکمان و هو صاحب حصن بنواحی حلب و أرسله إلی شرف الدولة، فقرر معه أن یسلم البلد إلیه إذا أطلقه، فأجابه إلی ذلک فأطلقه فعاد إلی حلب اجتمع بأبیه و عرفه ما استقر، فأذعن إلی تسلیم البلد و نادی بشعار شرف الدولة و سلم البلد إلیه، فدخله سنة ثلاث و سبعین و حصر القلعة و استنزل منها سابقا و وثابا ابنی محمود بن مرداس، فلما ملک البلد أرسل ولده و هو ابن عمة السلطان إلی السلطان یخبره بملک البلد، و أنفذ معه شهادة فیها خطوط المعدلین بحلب بضمانها و سأل أن یقرر علیه الضمان، فأجابه السلطان إلی ما طلب و أقطع ابن عمته بالس اه.
قال ابن الأثیر: فیها ملک شرف الدولة صاحب الموصل مدینة حران و أخذها من بنی وثاب النمیریین و صالحه صاحب الرها و نقش السکة باسمه.سنة 475 ذکر حصر شرف الدولة دمشق و عوده منها
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة جمع تاج الدولة تتش جمعا کثیرا و سار عن بغداد و قصد بلاد الروم أنطاکیة و ما جاورها، فسمع شرف الدولة صاحب حلب الخبر فخافه، فجمع أیضا العرب من عقیل و الأکراد و غیرهم فاجتمع معه کثیر، فراسل الخلیفة بمصر یطلب منه إرسال نجدة إلیه لیحصر دمشق، فوعده ذلک، فسار إلیها، فلما سمع تتش الخبر عاد إلی دمشق فوصلها أول المحرم سنة ست و سبعین و وصل شرف الدولة أواخر المحرم و حصر المدینة و قاتله أهلها، و فی بعض الأیام خرج إلیه عسکر دمشق و قاتلوه و حملوا علی عسکره حملة صادقة فانکشفوا و تضعضعوا و انهزمت العرب و ثبت شرف الدولة و أشرف علی الأسر و تراجع إلیه أصحابه، فلما رأی شرف الدولة ذلک و رأی أیضا أن مصر لم یصل إلیه
منها عسکر و أتاه عن بلاده الخیر أن أهل حران عصوا علیه فرحل عن دمشق إلی بلاده و أظهر أنه یرید البلاد بفلسطین، فرحل أولا إلی مرج الصفّر، فارتاع أهل دمشق و تتش و اضطربوا، ثم إنه رحل من مرج الصفّر مشرقا فی البریة وجد فی مسیره فهلک من المواشی الکثیر مع عسکره و من الدواب شیء کثیر و انقطع خلق کثیر.سنة 476
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة عصی أهل حران علی شرف الدولة مسلم بن قریش و أطاعوا قاضیهم ابن حلبة و أرادوا هم و ابن عطیر النمیری تسلیم البلد إلی جبق أمیر الترکمان، و کان شرف الدولة علی دمشق یحاصر تاج الدولة تتش بها، فبلغه الخبر فعاد إلی حران و صالح ابن ملاعب صاحب حمص و أعطاه سلمیة و رفنیّة و بادر بالمسیر إلی حران، فحصرها و رماها بالمنجنیق فخرب من سورها بدنة و فتح البلد فی جمادی الأولی و أخذ القاضی و معه ابنین له فصلبهم علی السور.
سنة 477 ذکر الحرب بین فخر الدولة بن مروان و شرف الدولة مسلم بن قریشاشارة
قال ابن الأثیر فی حوادث سنة 486: فیها عقد السلطان ملکشاه لفخر الدولة بن جهیر علی دیار بکر و خلع علیه و أعطاه الکوسات و سیر معه العساکر و أمره أن یقصدها و یأخذها من بنی مروان و أن یخطب لنفسه و یذکر اسمه علی السکة فسار إلیها.
و قال فی حوادث سنة 477: ثم سیر السلطان إلیه جیشا آخر فیهم الأمیر أرتق بن أکسک، و قیل أکسب و الأول أصح، و أمرهم بمساعدته، و کان ابن مروان قد مضی إلی شرف الدولة و سأله نصرته علی أن یسلم إلیه آمد، و حلف کل واحد لصاحبه و کل منهما یری أن صاحبه کاذب لما کان بینهما من العداوة المستحکمة، و اجتمعا علی حرب فخر
الدولة و سارا إلی آمد و قد نزل فخر الدولة بنواحیها، فلما رأی فخر الدولة اجتماعهما مال إلی الصلح و قال: لا أوثر أن یحل بالعرب بلاء علی یدی، فعرف الترکمان ما عزم علیه فرکبوا لیلا و أتوا إلی العرب و أحاطوا بهم فی ربیع الأول، و التحم القتال و اشتد فانهزمت العرب و دوابهم و انهزم شرف الدولة و حمی نفسه حتی وصل إلی فصیل آمد و حصره فخر الدولة و من معه، فلما رأی شرف الدولة أنه محصور خاف علی نفسه فراسل الأمیر أرتق و بذل له مالا و سأله أن یمن علیه بنفسه و یمکنه من الخروج من آمد، و کان هو علی حفظ الطریق و الحصار، فلما سمع أرتق ما بذل له شرف الدولة أذن له فی الخروج، فخرج منها فی الحادی و العشرین من ربیع الأول و قصد الرقة و أرسل إلی أرتق بما کان وعده به، و سار ابن جهیر إلی میافارقین و معه من الأمراء الأمیر بهاء الدولة منصور بن مزید و ابنه سیف الدولة صدقة، ففارقوه و عادوا إلی العراق، و سار فخر الدولة إلی خلاط، و لما استولی العسکر السلطانی علی حلل العرب و غنموا أموالهم و سبوا حریمهم بذل سیف الدولة صدقة ابن منصور بن مزید الأموال و افتک أسری بنی عقیل و نساءهم و أولادهم و جهزهم جمیعهم و ردهم إلی بلادهم، ففعل أمرا عظیما و أسدی مکرمة شریفة و مدحه الشعراء فی ذلک فأکثروا، فمنهم محمد بن محمد بن خلیفة السنبسی یذکر ذلک فی قصیدة:
کما أحرزت شکر بنی عقیلبآمد یوم کضهم الحذار
غداة رمتهم الأتراک طرابشهب فی حوافلها ازورار
فما جبنوا و لکن فاض بحرعظیم لا تقاومه البحار
فحین تنازلوا تحت المنایاو فیهن الرزیة و الدمار
مننت علیهم و فککت عنهمو فی أثناء حبلهم انتشار
و لو لا أنت لم ینفک عنهمأسیر حین أعلقه الإسار
فی أبیات کثیرة. و لما بلغ السلطان أن شرف الدولة انهزم و حصر بآمد لم یشک فی أسره فخلع علی عمید الدولة بن جهیر و سیره فی جیش کثیف إلی الموصل، و کاتب أمراء الترکمان بطاعته و سیر معه الأمراء أقسنقر قسیم الدولة جد ملوکنا أصحاب الموصل، و هو الذی أقطعه السلطان بعد ذلک حلب، و کان الأمیر أرتق قد قصد السلطان فعاد و صحبته عمید الدولة حتی وصل إلی الموصل، فأرسل إلی أهلها یشیر إلیهم بطاعة السلطان و ترک
عصیانه، ففتحوا له البلد و سلموه إلیه، و سار السلطان بنفسه و عساکره إلی بلاد شرف الدولة لیملکها فأتاه الخبر بخروج أخیه تکش بخراسان علی ما نذکره، و رأی شرف الدولة قد خلص من الحصر فأرسل مؤید الملک بن نظام الملک إلی شرف الملک و هو مقابل الرحبة فأعطاه العهود و المواثیق و أحضره عند السلطان و هو بالبوازیج، فخلع علیه آخر رجب، و کانت أمواله قد ذهبت فاقترض ما خدم به و حمل للسلطان خیلا رائعة من جملتها فرسه بشار و هو فرسه المشهور الذی نجا علیه من المعرکة و من آمد أیضا، و کان سابقا لا یجاری، فأمر السلطان بأن یسابق به الخیل فجاء سابقا، فقام السلطان قائما لما تداخله من العجب، و أرسل الخلیفة طرادا الزینبی فی لقی شرف الدولة فلقیه بالموصل فزاد أمر شرف الدولة قوة و صالحه السلطان و أقره علی بلاده و عاد إلی خراسان لحرب أخیه.ذکر فتح سلیمان بن قتلمش أنطاکیة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار سلیمان بن قتلمش صاحب قونیة و أقصرا و أعمالها من بلاد الروم إلی بلاد الشام فملک مدینة أنطاکیة من أرض الروم، و کانت بید الروم من سنة ثمان و خمسین و ثلاثمائة، و سبب ملک سلیمان المدینة أن صاحبها الفردوس الرومی کان قد سار عنها إلی بلاد الروم و رتب بها شحنة، و کان الفردوس مسیئا إلی أهلها و إلی جنده أیضا، حتی إنه حبس ابنه، فاتفق ابنه و الشحنة علی تسلیم البلد إلی سلیمان بن قتلمش و کاتبوه یستدعونه، فرکب البحر فی ثلاثمائة فارس و کثیر من الرجال و خرج منه و سار فی جبال و عرة و مضایق شدیدة حتی وصل إلیها للموعد فنصب السلالیم باتفاق من الشحنة و من معه و صعد السور و اجتمع بالشحنة و أخذ البلاد فی شعبان، فقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخری و قتل کثیرا من أهلها، ثم عفا عنهم و تسلم القلعة المعروفة بالقسیان و أخذ من الأموال ما یجاوز الإحصاء و أحسن إلی الرعیة و عدل فیهم و أمرهم بعمارة ما خرب و منع أصحابه من النزول فی دورهم و مخالطتهم، و لما ملک سلیمان أنطاکیة أرسل إلی السلطان ملکشاه البشارة به و هنأه الناس، فممن قال فیه الأبیوردی من قصیدة مطلعها:
لمعت کناصیة الحصان الأشقرنار بمعتلج الکثیب الأعفر
و فتحت أنطاکیة الروم التینشرت معاقلها علی الإسکندر
وطئت مناکبها جیادک فانثنتتلقی أجنتها بنات الأصفرسنة 478 ذکر الحرب بین سلیمان بن قتلمش و بین شرف الدولة و قتل هذااشارة
قال ابن الأثیر: لما ملک سلیمان بن قتلمش مدینة أنطاکیة أرسل إلیه شرف الدولة مسلم بن قریش یطلب منه ما کان یحمله إلیه الفردوس من المال و یخوفه معصیة السلطان، فأجابه: أما طاعة السلطان فهو شعاری و دثاری و الخطبة له و السکة فی بلادی، و قد کاتبته بما فتح اللّه علی یدی بسعادته من هذا البلد و أعمال الکفار، و أما المال الذی کان یحمله صاحب أنطاکیة قبلی فهو کان کافرا و کان یحمل جزیة رأسه و أصحابه، و أنا بحمد اللّه مؤمن و لا أحمل شیئا، فنهب شرف الدولة بلد أنطاکیة و نهب سلیمان أیضا بلد حلب، فلقیه أهل السواد یشکون إلیه نهب عسکره فقال: أنا کنت أشد کراهیة لما یجری، و لکن صاحبکم أحوجنی إلی ما فعلت، و لم تجر عادتی بنهب مال مسلم و لا أخذ ما حرمته الشریعة، و أمر أصحابه بإعادة ما أخذوه منهم فأعاده. ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب و الترکمان، و کان ممن معه جبق أمیر الترکمان فی أصحابه و سار إلی أنطاکیة لیحصرها، فلما سمع سلیمان الخبر جمع عساکره و سار إلیه فالتقیا فی الرابع و العشرین من صفر سنة ثمان و سبعین و أربعمائة فی طرف من أعمال أنطاکیة و اقتتلوا، فمال ترکمان جبق إلی سلیمان فاختل مصاف مسلم بن قریش فانهزمت العرب، و تبعهم شرف الدولة منهزما فقتل بعد أن صبر، و قتل بین یدیه أربعمائة غلام من أحداث حلب، و کان قتله یوم الجمعة الرابع و العشرین من صفر سنة ثمان و سبعین.
قال فی الزبد و الضرب: فی سنة ثمان و سبعین و أربعمائة وصل شرف الدولة إلی أعزاز و أشیر علیه بالنزول علی حلب، فنزل علی نهر عفرین، و وصل سلیمان بن قطلمش و هو من
السلجوقیة من أنطاکیة لیلتقی الجیشان، فجاء شرف الدولة بطیخ فنزل هو و بعض بنی عمه و أکلا فقال ابن عمه:
کلوا أکلة من عاش یخبر أهلهو من مات یلقی اللّه و هو بطین
فقال شرف الدولة: قبلنا فالک یا ابن العم، ثم التقی الجیشان و طعن شرف الدولة فقتل، و لما طعن قال یا شام الشؤم. قلت: و قد لمح شرف الدولة أنها مشتقة من الشوم کما هو أحد الوجهین فی اشتقاقها، و الوجه الآخر أنها مأخوذة من الید الشوماء و هی الیسری علی ما نقله ابن شداد فی تاریخه عن أبی بکر محمد بن الأنباری، و کلاهما خلاف مقتضی الحدیث (الشام شامة اللّه فی أرضه) و اللّه أعلم اه.
و فی المختار من الکواکب المضیة: ذکر الصاحب (ابن العدیم) أن الوقعة کانت فی موضع من بلد العمق، ثم إن سلیمان بن قطلمش أرسل جثة الأمیر مسلم بن قریش علی بغل ملفوفة فی إزار إلی حلب لیسلموها إلی أهله. قال المؤرخ (هو الصاحب):
و زرت قبره فی قبة بناها و نقل إلیها من حلب بمشهد الحسن العسکری فی الخامس و العشرین من ذی الحجة سنة خمسین و ستمائة فقرأت علی حائط القبة هذه الأبیات:
لو أطعنا دفع الردی عنک یامسلم کنا باللّه ندفع عنکا
لأیاد طوقت منا رقابافحویت الرقاب بالجود ملکا
طالما قد جلست یا شرف الدولة فی سدة الإمارة ملکا
ثم دبرت أمر ماسست بالعدلإلی أن صادفت للحین هلکا
أین ذاک الأمر العظیم مع النهی بنیل نعم ... و متکا
ذهب الکل و انفردت وحیدالیس یحوی من کل ما حزت ملکا
بعزیز علی یا مجد دین اللّهما أوحش التفرق منکا
فعلیک السلام ما بقی الدهرو ما أدحض المهیمن شرکاترجمة الأمیر شرف الدولة مسلم بن قریش العقیلی:
هو مسلم بن قریش بن بدران المقلد بن المسیب بن أبی المعالی بن أبی الفضل
العقیلی الملقب بشرف الدولة أمیر العرب بنواحی بغداد، استفحل أمره و قویت شوکته و أطاعته العرب و طمع فی الاستیلاء علی بغداد بعد وفاة ظفر، ثم رجع عن ذلک، و کان أحول، و کان قد ملک من السندیة التی علی نهر عیسی إلی منبج من الشام و ما والاها من البلاد، و کان فی یده دیار ربیعة و مضر من أرض الجزیرة و الموصل و حلب و ما کان لأبیه و عمه قرواش، و کان عادلا حسن السیرة و الأمن فی بلاده عام و الرخص شامل، و کان یسوس بلاده سیاسة عظیمة، یسیر الراکب و الراکبان فلا یخافان شیئا، و کان له فی کل بلد و قریة عامل و قاض و صاحب خبر بحیث لا یتعدی أحد علی أحد، و هو الذی عمر سور الموصل، شرع فیه فی ثالث شوال سنة أربع و سبعین و أربعمائة و فرغ منه فی ستة أشهر.
و ذکر حمدان بن عبد الرحیم التمیمی قال: لما حصر شرف الدولة حلب غلت الأسعار فیها و صار الخبز ستة أرطال بدینار، و رمی القلعة بالمنجنیق، ثم عول علی الرحیل عنها لغیرها حتی قرب الأمیر أبو الحسن بن منقذ من سور القلعة فرأی صدیقا له من أهل الأدب علی سور القلعة فقال له بن منقذ: کیف أنتم؟ فقال: طول جب خوفا من تفسیر الکلمة، فعاد ابن منقذ و هو یتصحف هذا الکلام فصح له أنه قصد بکلامه أنه ضعفوا فأوجس أنها کلمتان و أن قوله طول یرید مدا وجب بیر فقال مدابیر و اللّه. فأعلم لشرف الدولة بهذه النکتة فقوی نفسه حتی ملکها. و ذکر عبد اللّه بن محمد أنه قال: لما حاصر شرف الدولة قلعة حلب فحار ماء الساتورة التی بالقلعة حتی قل علیهم فقال ابن أبی حصینة:
و قد أطاعک فیها کل عاصیةطوعا لأمرک حتی غارت القلب
و لما ملک شرف الدولة مسلم قلعة حلب لم یکن بها ما یؤکل، فنقل إلیها من الموصل و أرض الجزیرة الغلة و الدجاج و البیض حتی استکفی الناس، و عمر هرما فی القلعة و ملأه أقفاص سکر، فلما بقی منه قلیل قال: باللّه تمموه فو اللّه لاملأه غیری تبنا.