یعرف بابن الرعوی، ثم إن ابن الحبیبی أوحشه بکلام أغلظه له فیه، و کان هذا الرجل شدید القوة و رأی ما الناس فیه من الشدة فدعاه ذلک إلی أن أرسل إلی تتش للمیعاد الذی ذکره فأصعد الرجال فی الجبال و السلالیم و ملک تتش المدینة و استجار ابن الحبیبی بالأمیر أرتق فشفع فیه، و أما القلعة فکان بها سالم بن مالک بن بدران و هو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قریش، فأقام تتش یحصر القلعة سبعة عشر یوما، فبلغه الخبر بوصول مقدمة أخیه السلطان ملکشاه فرحل عنها.
قال فی زبدة الحلب: و الشریف أبو علی بن الحبیبی العباسی، هو الذی سلم مدینة حلب لشرف الدولة مسلم بن قریش سنة ثلاث و سبعین و اشترکا فی حکمها، و کان الشریف أبو علی شیعیا فصارت المدینة فرقتین فرقة معه و فرقة مع شرف الدولة مسلم، و وقعت الوحشة بین أهل المدینة و تحاربوا سنة ثمان و سبعین و أربعمائة وقت مجیء تتش لحلب فملکها تتش بسبب اختلاف أهلها، و الشریف أبو علی هو الذی عمر القلعة التی عند باب قنسرین المسماة بقلعة الشریف. و لما استجار الشریف أبو علی بالأمیر أرتق و أجاره أتی الشریف إلی تتش و وقع علی أقدامه فعفا عنه، و کانت قد انتهت عمارة قلعته فأتی إلیها و تحصن بها خوفا من أهل حلب لئلا یقتلوه، و سیأتی أن السلطان ملکشاه لما استولی علی حلب أخذه معه إلی دیار بکر بطلب من أهل حلب و مات فی دیار بکر.ذکر ملک السلطان ملکشاه حلب و غیرهااشارة
قال ابن الأثیر: کان ابن الحبیبی قد کاتب السلطان ملکشاه یستدعیه لیسلم إلیه حلب لما خاف تاج الدولة تتش، فسار إلیه من أصبهان فی جمادی الآخرة و جعل علی مقدمته الأمیر برسق و بوزان و غیرهما من الأمراء، و جعل طریقه علی الموصل فوصلها فی رجب سار منها، فلما وصل إلی حران سلمها إلیه ابن الشاطر فأقطعها السلطان محمد بن
شرف الدولة و سار إلی الرها و هی بید الروم فحصرها و ملکها، و کانوا قد اشتروها من ابن عطیر، و تقدم ذکر ذلک، و سار إلی قلعة جعبر فملکها و قتل من بها من بنی قشیر.
و فی المختار من الکواکب المضیة: کان جعبر شیخا کبیرا أعمی و له ولدان، و کان قطاع الطریق یلجأون إلیها و یتحصنون بها من السلطان و یقاسمون جعبرا، فراسل سابق الدین جعبرا فی تسلیمها فامتنع علیه فنصب علیها المجانیق ففتحها و أمر بقتل صاحبها جعبر القشیری، فقالت زوجته: لا تقتله حتی تقتلنی معه، فألقاه من رأسها و أمر بتوسیطه، فألقت المرأة نفسها وراءه فسلمت، فلامها الناس فی ذلک فقالت: کرهت أن تصل إلی الترک فیبقی عارا علیّ. اه.
قال القرمانی فی تاریخه: لما قدم سلیمان شاه مع بنیه الثلاثة و هم سنقور و کون طوغدی و أرطغرل [أرطغرل هو جد ملوک سلاطین آل عثمان] من بلاد الشرق لما ظهر جنکیز خان فی سنة إحدی عشرة و ستمائة و وصلوا إلی نهر الفرات أمام قلعة جعبر و لم یعلموا المعبر، فعبروا النهر فغلب علیهم الماء فغرق سلیمان شاه، فأخرجوه و دفنوه عند قلعة جعبر و قبره الیوم هناک یزار و یتبرک به.
و لنرجع إلی تتمة الکلام علی حوادث ملکشاه السلجوقی. قال ابن الأثیر: ثم عبر الفرات إلی مدینة حلب فملک فی طریقه مدینة منبج، فلما قارب حلب رحل عنها أخوه تتش و کان قد ملک المدینة کما ذکرناه، و سار عنها یسلک البریة و معه الأمیر أرتق فأشار بکبس عسکر السلطان و قال إنهم قد وصلوا و بهم و بدوابهم من التعب ما لیس عندهم معه امتناع، و لو فعل لظفر بهم، فقال تتش: لا أکسر جاه أخی الذی أنا مستظل بظله فإنه یعود بالوهن علی أولا، و سار إلی دمشق، و لما وصل السلطان إلی حلب تسلم المدینة و سلم إلیه سالم بن مالک القلعة علی أن یعوضه عنها قلعة جعبر، و کان سالم قد امتنع بها أولا فأمر السلطان أن یرمی إلیه رشقا واحدا بالسهام، فرمی الجیش فکادت الشمس تحتجب
لکثرة السهام، فصانع عنها بقلعة جعبر و سلمها و سلم إلیه السلطان قلعة جعبر فبقیت بیده و بید أولاده إلی أن أخذها منهم نور الدین محمود بن زنکی علی ما نذکره إن شاء اللّه تعالی، و أرسل إلیه الأمیر نصر بن علی بن منقذ الکنانی صاحب شیزر فدخل فی طاعته و سلم إلیه لاذقیة و کفر طاب و أفامیة، فأجابه إلی المسالمة و ترک قصده و أقر علیه شیزر.
و لما ملک السلطان حلب سلمها إلی قسیم الدولة آقسنقر فعمرها و أحسن السیرة فیها، و أما ابن الحبیبی فإنه کان واثقا بإحسان السلطان و نظام الملک إلیه فإنه استدعاهما، فلما ملک السلطان البلد طلب أهله یعفیهم من ابن الحبیبی فأجابهم إلی ذلک و استصحبه معه و أرسل إلی دیار بکر فافتقر و توفی بها علی حال شدیدة من الفقر، و قتل ولده بأنطاکیة قتله الفرنج لما ملکوها، و عاد السلطان إلی بغداد فدخلها فی ذی الحجة.سنة 481
فیها جمع آقسنقر صاحب حلب عسکره و سار إلی قلعة شیزر فحصرها و صاحبها ابن منقذ و ضیق علیها و نهب ربضها، ثم صالحه صاحبها و عاد إلی (حلب). اه. ابن الأثیر.
سنة 482 عمارة منارة الجامع الأعظم
فی هذه السنة أسست منارة جامع حلب و عمرت علی ید القاضی أبی الحسن محمد ابن یحیی بن الخشاب عوض منارة کانت قبلها، و کان لحلب معبد للنار قدیم العمارة و قد تحول إلی أن صار أتون حمام، فاضطر القاضی لأخذ حجارته لعمارة هذه المنارة، فوشی به بعض حساده لأمیر البلد قسیم الدولة و أغضبه علیه، فاستحضره و قال له: قد هدمت معبدا هو لی و ملکی، فقال: أیها الأمیر هذا معبد للنار و قد صار أتونا و قد أخذت حجارته و عمرت بها معبدا للإسلام یذکر علیه اسم اللّه وحده لا شریک له و کتبت اسمک علیه و جعلت الثواب لک فإن رسمت لی أن أغرم ثمن الأحجار و یکون الثواب لی فعلت، فأعجب الأمیر
کلامه و استصوب رأیه و قال: بل الثواب لی و افعل أنت ما ترید. قال و کتب ابن العمید فی الحاشیة: إن الواشی کان أبا نصر بن النحاس ناظر حلب. قال: و قرأت فی تاریخ منتخب الدین یحیی بن أبی طی النجار الحلبی قال: أسست العمارة فی هذه المنارة فی زمن سابق ابن محمود بن صالح علی ید القاضی ابن الحسن بن الخشاب، و کان الذی عمرها رجل من سرمین و إنه بلغ بأساسها إلی الماء و عقد حجارتها بکلالیب الحدید و الرصاص و أتمها فی أیام قسیم الدولة آقسنقر، و طول هذه المنارة إلی الدرابزین بذراع الید سبع و تسعون ذراعا و عدد مراقیها مائة و أربع و سبعون درجة. و أخبرنی زین الدین بن عبد الملک بن عبد اللّه بن عبد الرحیم العجمی أن والده حکی له أنه لما کان لیلة الاثنین ثامن شهر شوال سنة خمس و سبعین و ستمائة زلزلت حلب زلزلة عظیمة هدمت أکثر دورها و أهلک جماعة من أهلها و حرکت المنارة فدفعت هلالا کان علی رأسها مقدار ستمایة قدم و تشققت اه. (من الدر المنتخب المنسوب لابن الشحنة).
أقول: مکتوب علی جدار المنارة فی أسفلها بالخط الکوفی المسمی بالمزهر (صنعه حسن بن مقری السرمینی سنة 483). و قرأت فی بعض المجامیع الحلبیة أن طول الجامع من الشرق إلی الغرب مع سمک جدران الجهتین مائة و ثلاثون ذراعا و عرضه من الجنوب إلی الشمال مائة و أحد عشر ذراعا، فإذا ضربت ذراع الطول فی العرض یبلغ المجموع 14430 ذراعا مربعا. و طول القبلیتین مائة و تسعة قراریط. و ارتفاع المنارة من أرض الجامع إلی موقف المؤذنین اثنان و خمسون ذراعا و ستة قراریط، و محیطها مما یلی سطح الرواق إحدی و عشرون ذراعا و إحدی و عشرون قیراطا و من موقف المؤذنین إلی ختم القبة سبعة أذرع.سنة 484 حصول الزلازل فی الشام و انهدام أبراج أنطاکیة
قال ابن العدیم: فی هذه السنة تسلم الأمیر قسیم الدولة قلعة أفامیة من زید بن ملاعب ثالث رجب و سجن بعض بنی منقذ. اه.
قال ابن الأثیر: و فیها فی تاسع شعبان کان بالشام و کثیر من البلاد زلازل کثیرة، و کان أکثرها بالشام ففارق الناس مساکنهم و انهدم بأنطاکیة کثیر من المساکن و هلک تحتها عالم کثیر و خرب من سورها تسعون برجا فأمر السلطان ملکشاه بعمارتها اه.سنة 485اشارة
فی هذه السنة فی النصف من شوال توفی السلطان ملکشاه و هو ملکشاه بن ألب أرسلان بن داود بن میکائیل بن سلجوق، و کان مولده فی سنة سبع و أربعین و أربعمائة، و کان من أحسن الناس صورة و معنی و خطب له من حدود الصین إلی آخر الشام و من أقاصی بلاد الشام فی الشمال إلی آخر بلاد الیمن، و حملت له ملوک الروم الجزیة و لم یفته مطلب، و کانت أیامه أیام عدل و سکون و أمن فعمرت البلاد و درت الأرزاق. اه باختصار من أبی الفداء، و له و لوزیره نظام الملک ترجمة حافلة فی ابن خلکان و فی ابن الأثیر فی حوادث هذه السنة.
ذکر التحاق آقسنقر بتتش بن ألب أرسلان ثم ببرکیاروق بن ملکشاه بن ألب أرسلان سنة 486
قال ابن الأثیر: کان تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق و ما جاورها من بلاد الشام، فلما کان قبل موت أخیه السلطان ملکشاه سار من دمشق إلیه ببغداد، فلما کان بهیت بلغه موته فأخذ هیت و استولی علیها و عاد إلی دمشق یتجهز لطلب السلطنة، فجمع العساکر و أخرج الأموال و سار نحو حلب و بها قسیم الدولة آقسنقر، فرأی قسیم الدولة اختلاف أولاد صاحبه ملکشاه و صغرهم فعلم أنه لا یطیق دفع تتش فصالحه و صار معه، و أرسل إلی باغی سیان صاحب أنطاکیة و إلی بوزان صاحب الرها و حران یشیر علیهما بطاعة تاج الدولة تتش حتی یروا ما یکون من أولاد ملکشاه، ففعلوا و صاروا معه و خطبوا له فی بلادهم و قصدوا الرحبة فحصروها و ملکوها فی المحرم فی هذه السنة و خطب لنفسه بالسلطنة، ثم ساروا إلی نصیبین فحصروها فسب أهلها تاج الدولة ففتحها عنوة و قهرا و قتل
من أهلها خلقا کثیرا و نهبت الأموال و فعل فیها الأفعال القبیحة، ثم سلمها إلی الأمیر محمد ابن شرف الدولة العقیلی و سار یرید الموصل و أمیرها یومئذ إبراهیم بن قریش بن بدران
قال أبو الفداء: لما قصد تتش الموصل فی هذه السنة سنة 486 خرج إبراهیم لقتاله و التقوا بالمضیح من أعمال الموصل و جری بینهم قتال شدید انهزمت فیه المواصلة و أخذ إبراهیم بن قریش أسیرا و جماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا، و ملک تتش الموصل و استناب علیها علی بن مسلم بن قریش و أمه ضیفة عمة تتش، و أرسل تتش إلی بغداد یطلب الخطبة فتوقفوا فیها، ثم سار تتش و استولی علی دیار بکر و سار إلی أذربیجان و کان قد استولی برکیاروق بن ملکشاه علی کثیر منها فسار برکیاروق إلی عمه تتش لیمنعه فقال آقسنقر: نحن إنما أطعنا تتش لعدم قیام أحد من أولاد السلطان ملکشاه، أما إذا کان برکیاروق بن السلطان قد تملک فلا نکون مع غیره، و خلی آقسنقر تتش و لحق ببرکیاروق فضعف تتش لذلک و عاد إلی الشام.ذکر قتل قسیم الدولة آقسنقر و ملک تتش حلب و الجزیرة و دیار بکر و أذربیجان و همدان و الخطبة له ببغداد سنة 487 و ولایة الحسن بن علی الخوارزمی فی هذه السنة أیضا
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی جمادی الأولی قتل قسیم الدولة آقسنقر، و کان سبب قتله أن تاج الدولة تتش لما عاد من أذربیجان منهزما لم یزل یجمع العساکر فکثرت جموعه و عظم حشده، فسار فی هذا التاریخ عن دمشق نحو حلب لیطلب السلطنة، فاجتمع قسیم الدولة آقسنقر و بوزان و أمدهما رکن الدین برکیاروق بالأمیر کربوقا الذی صار صاحب الموصل، فلما اجتمعوا ساروا إلی طریقه فلقوه عند نهر سبعین قریبا من تل
السلطان بینه و بین حلب ستة فراسخ و اقتتلوا و اشتد القتال، فخامر بعض العسکر الذین مع آقسنقر فأخذ أسیرا و أحضر عند تتش فقال له: لو ظفرت بی ما کنت تصنع؟ قال:
کنت أقتلک، فقال له: أنا أحکم علیک بما کنت تحکم علی، فقتله صبرا، و سار نحو حلب و کان قد دخل إلیها کربوقا و بوزان فحفظاها منه و حصرها تتش و لج فی قتالها حتی ملکها سلمها إلیه المقیم بقلعة الشریف و منها دخل البلد و أخذهما أسیرین و أرسل إلی حران و الرها لیسلمها من بهما، و کانتا لبوزان فامتنعوا من التسلیم إلیه، فقتل بوزان و أرسل رأسه إلیهم و تسلم البلدین، و أما کربوقا فإنه أرسله إلی حمص فسجنه بها إلی أن أخرجه الملک رضوان بعد قتل أبیه تتش. و کان قسیم الدولة أحسن الأمراء سیاسة لرعیته و حفظا لهم و کانت بلاده بین رخص عام و عدل شامل و أمن واسع، و کان قد شرط علی أهل کل قریة من بلاده متی أخذ عندهم قفل أو أحد من الناس غرم أهلها جمیع ما یؤخذ من الأموال من قلیل و کثیر، فکانت السیارة إذا بلغوا قریة من بلاده ألقوا رحالهم و ناموا و حرسهم أهل القریة إلی أن یرحلوا فأمنت الطریق، و أما وفاؤه و حسن عهده فیکفیه فخرا أنه قتل فی حفظ بیت صاحبه و ولی نعمته، فلما ملک تتش حران و الرها سار إلی الدیار الجزریة فملکها جمیعها ثم ملک دیار بکر و خلاط و سار إلی أذربیجان فملک بلادها کلها، ثم سار منها إلی همدان فملکها و رأی بها فخر الملک بن نظام الملک و کان بخراسان فسار منها إلی السلطان برکیاروق لیخدمه فوقع علیه الأمیر قماح و هو من عسکر محمود بن السلطان ملکشاه بأصبهان فنهب فخر الملک فهرب منه و نجا بنفسه، فجاء إلی همدان فصادفه تتش بها فأراد قتله فشفع فیه باغیسیان و أشار علیه أن یستوزره لمیل الناس إلی بیته، فاستوزره و أرسل إلی بغداد یطلب الخطبة من الخلیفة المستظهر باللّه و کان شحنته ببغداد إیتکین جب فلازم الخدمة بالدیوان و ألح فی طلبها فأجیب إلی ذلک بعد أن سمعوا أن برکیاروق قد انهزم من عسکر عمه تتش، و ساق الخبر فی ذلک، و لما ملک تتش حلب قرر فیها الحسن بن علی الخوارزمی و حکمه فی البلد و القلعة.ترجمة آقسنقر:
قال ابن العدیم: آقسنقر بن عبد اللّه المعروف بقسیم الدولة مملوک السلطان أبی الفتح ملک شاه، و قیل إنه لصیق له، و قیل اسم أبیه آل ترغان من قبیلة سابیو، نقلت
ذلک من خط أبی عبد اللّه محمد بن علی العظیمی، و أنبأنا به أبو الیمن الکندی و غیره عنه، و تزوج آقسنقر دایة السلطان إدریس بن طغان شاه و حظی عند السلطان ملک شاه و قدم معه حلب فی سنة تسع و سبعین و أربعمائة حین قصد تاج الدولة تتش أخاه فانهزم عن حلب و کان قصدها و ملکها السلطان ملکشاه فی شهر رمضان من سنة تسع و سبعین و خرج عنها إلی أنطاکیة و ملکها وخیم علی ساحل البحر أیاما، و عاد إلی حلب و عید بها عید الفطر و رحل عنها و قرر ولایة حلب لقسیم الدولة آقسنقر فی أول سنة ثمانین و أربعمائة فأحسن فیها السیاسة و السیرة و أقام الهیبة و قمع الذعار و أقنی قطاع الطریق و مخیفی السبیل و تتبع اللصوص و الحرامیة فی کل موضع فاستأصل شأفتهم، و کتب إلی الأطراف أن یفعلوا مثل فعله لتأمن الطرق و تسلک السبل، فشکر بذلک الفعل و أمنت الطرق و المسالک و سار الناس فی کل جهة بعد امتناعهم لخوفهم من القطاع و الأشرار، و عمرت حلب فی أیامه بسبب ذلک بورود التجار إلیها و الجلابین من جمیع الجهات، و رغب الناس فی المقام بها للعدل الذی أظهره فیهم رحمه اللّه.
و فی أیامه جدد عمارة منارة حلب بالجامع فی سنة اثنتین و ثمانین و أربعمائة، و اسمه منقوش علیها إلی الیوم و هو الذی أمر ببناء مشهد قرنبیا و وقف علیه الوقف، و أمر بتجدید مشهد الدکة. أخبرنی عز الدین أبو الحسن علی بن محمد بن الأثیر الجزری قال: کان قسیم الدولة آق سنقر أحسن الأمراء سیاسة لرعیته و حفظا لهم، و کانت بلاده بین عدل عام و رخص شامل و أمن واسع، و کان قد شرط علی أهل کل قریة فی بلاده متی أخذ عند أحدهم قفل أو أحد من الناس غرم أهلها جمیع ما یؤخذ من الأموال من قلیل و کثیر، فکانت السیارة إذا بلغوا قریة من بلاده ألقوا رحالهم و ناموا و قام أهل القریة یحرسونهم إن رحلوا، فأمنت الطرق و تحدث الرکبان بحسن سیرته. سمعت والدی القاضی أبا الحسن رحمه اللّه یقول لی فیما یأثره عن أسلافه: إن قسیم الدولة آقسنقر کان قد نادی فی بلد حلب بأن لا یرفع أحد متاعه و لا یحفظه فی طریق لما حصل من الأمن فی بلاده، قال فخرج یوما یتصید فمر علی قریة من قری حلب فوجد بعض الفلاحین قد فرغ من عمل الفدان و طرح عن البقر النیر و رفعه علی دابة لیحمله إلی القریة فقال له: ألم تسمع مناداة قسیم الدولة بأن لا یرفع أحد متاعا و لا شیئا من موضعه، فقال له: حفظ اللّه قسیم الدولة قد أمنا فی أیامه