ذکر فتح صلاح الدین لحارم
قال ابن الأثیر: لما ملک صلاح الدین حلب کان بقلعة حارم بعض الممالیک النوریة و اسمه سرخک، و ولاه علیها الملک الصالح عماد الدین، فامتنع من تسلیمها إلی صلاح الدین فراسله صلاح الدین فی التسلیم و قال له: اطلب من الإقطاع ما أردت، و وعده الإحسان، فاشتط فی الطلب و ترددت الرسل بینهما، فراسل الفرنج لیحتمی بهم فسمع من معه من الأجناد أنه یراسل الفرنج فخافوا أن یسلمها، فوثبوا علیه و قبضوه و حبسوه و راسلوا صلاح الدین یطلبون منه الأمان و الإنعام فأجابهم إلی ما طلبوا و سلموا إلیه الحصن فرتب به دزدارا بعض خواصه.
قال فی الروضتین: قال ابن أبی طی: کاتب الوالی بحارم الفرنج و استدعاهم إلیه مطمعا لهم فی الاستیلاء علی حارم بشرط أن یعصموه من الملک الناصر، و علم الأجناد بقلعة حارم بما عزم علیه فتآمروا بینهم فی القبض علیه، و کان هذا الوالی ینزل من القلعة و یصعد إلیها فی أموره و لذاته، فاتفق أنه نزل منها لبعض شأنه فوثب أهل القلعة لما خرج و أغلقوا بابها و نادوا بشعار السلطان، و کان السلطان راسل و الی حارم، و بذل له فی تسلیم حارم إلیه فی أشیاء کثیرة منها ولایة بصری و ضیعة یملکه إیاها و دار العقیقی التی کان نجم الدین أیوب والد السلطان یسکنها و حمام العقیقی بدمشق و ثلاثون ألف دینار عینا و لأخیه عشرة آلاف دینار، فاشتط فی السوم و تغالی فی العوض، فأنفذ إلیه السلطان و توعده و تهدده فکاتب الفرنج یطلب نجدتهم، و قیل إن نقیب القلعة أراد أن تنفق سوقه عند السلطان و یتحصل منه شیئا فکاتب السلطان بالعمل علی الوالی فکتب إلیه السلطان بتتمیم ذلک و وعده بأشیاء سکن إلیها، و جری الأمر علی ما ذکرناه من إغلاق الباب فی وجه الوالی. و قیل إن النقیب و أهل القلعة لما أغلقوا الباب فی وجهه شنعوا علیه بمکاتبة الفرنج و لم یکن فعل ذلک إقامة لعذرهم و قذفوه بالحجارة و نادوا بشعار السلطان، و لما اتصل بالسلطان هذه الأحوال أنفذ تقی الدین إلی حارم لیتسلمها فامتنع النقیب و أهل القلعة من تسلیمها إلیه، فرحل السلطان إلیها بنفسه جریدة، فلما أشرف علیها نزل إلیه النقیب و وجوه القلعیین و سلموها إلیه فی تاسع عشر صفر، و لما حضروا عند السلطان حدثوه بکیفیة الحال، و کان بدر الدین
حسن بن الدایة حاضرا فقال للسلطان: یا مولانا لا تلتفت إلی هؤلاء فإنهم آذوا هذا الوالی و کذبوا علیه حتی فوتوه ما کان السلطان وعده به، و ما قلت هذا إلا عن تجربة، فإننی لما کنت متولیا لهذه القلعة جری من کذبهم فی حقی و تخرصهم علیّ أمور کدت بها أهلک مع نور الدین، و هم کانوا سبب خروجی من هذه القلعة، و أنا أری أن السلطان یقرهم فی القلعة علی هذه التجربة، فضحک السلطان و أمر لهم بما کان وعدهم به و أفضل علیهم و ولی فی القلعة إبراهیم بن شروه و قال لابن الدایة: إن بین أیدینا أمکنة نرید أخذها و متی لم نف و نجزل العطاء لم یثق بنا أحد. و بات السلطان بقلعة حارم لیلتین و عاد إلی حلب فی ثالث ربیع الأول، ثم أعطی العساکر دستورا فسار کل منهم إلی بلده و أقام یقرر قواعد حلب و یدبر أمورها. و رجفت أنطاکیة بعد ذلک رعبا فأرسل صاحبها جماعة من أساری المسلمین و انقاد و سارع إلی أمان السلطان.تقریر الملک صلاح الدین لقواعد حلب و ترتیب أمورها و تولیته علیها ولده الملک الظاهر غازی
قال فی الروضتین: لما عاد صلاح الدین من حارم إلی حلب فی ثالث ربیع الأول رتبها و قرر ولده الظاهر غازی سلطانا بها و قرر له فی کل شهر أربعة آلاف درهم و عشرین کمة و قباء و ما یحتاج إلیه من الطعام و غیره، و جعل معه والیا سیف الدین أزکش الأسدی، و ولی حسام الدین بمیرک الخلیفتی شحنة حلب، و ولی الدیوان ناصح الدین إسماعیل بن العمید الدمشقی و دار الضرب، فضرب الدرهم الناصری الذی سکته خاتم سلیمان، و نقل الخطابة من بنی العدیم إلی أبی البرکات بن الخطیب هاشم بسفارة القاضی الفاضل، و ولی القضاء لمحیی الدین بن زکی الدین الدمشقی فاستناب فیه ابن عمته أبا البیان نبأ بن البانیاسی، و ولی الجامع و الوقوف لأبی علی بن العجمی، و ولی قلعتها سیف الدین یازکوج و أقر عین تاب علی صاحبها و أعطی تل خالد و تل باشر بدر الدین دلدرم بن بهاء الدولة بن یاروق، و أعطی قلعة عزاز علم الدین سلیمان بن جندر، و کشف السلطان عن حلب المظالم و أزال المکوس.
و فی توقیع إسقاط المکوس بحلب من کلام القاضی الفاضل عن السلطان: و انتهی إلینا أن بمدینة حلب رسوما استمرت الأیدی علی تناولها و الألسنة علی تداولها و فیها بالرعاة
إرفاق و بالرعایا إضرار، و لها مقدار إلا عند من کل شیء عنده بمقدار منها ما هو فی المعایش المطلوبة، و قد رأینا بنعمة اللّه أن نبطلها و نضعها و نعطلها و ندعها و نضرب علیها بأقلامنا و نسلک ما هو أهدی سبیلا و نقول ما هو أقوم قیلا و نکره ما کره اللّه و نحظر ما حظر اللّه و نتأجره سبحانه، فإنه من ترک شیئا للّه عوضه اللّه أمثاله و أربح متجره فی الرعیة الیوم بما یوضع عنهم من إصرها، و لنا غدا بمشیئة اللّه ما یرفع من أجرها، فعلی کافة أولیائنا و المتصرفین من قبلنا أن لا یهووا إلیها یدا و لا یردوا و لو بلغ الظمأ منهم موردا و لا یثقلوا میزان المال فتخف میزان الأعمال، و لا یرغبوا فی کثیر الحرام فإن اللّه یغنی عنه بقلیل الحلال، و لیعلم أن ذلک من الأمر المحکم و القضاء المبرم و العزم المتمم.
و فی منشور أهل الرقة بمثل ذلک: إن أشقی الأمراء من سمن کیسه و أهزل الخلق و أبعدهم من الحق من أخذ الباطل من الناس و سماه الحق. و من ترک للّه شیئا عوضه و من أقرض اللّه قرضا حسنا وفاه ما أقرضه. و لما انتهی أمرنا إلی فتح الرقة أشرفنا منها علی سحت یؤکل و ظلم مما أمر اللّه به أن یقطع و أمر الظالمون أن یوصل، فأوجبنا علی أنفسنا و علی کافة الولاة من قبلنا أن یضعوا هذه الرسوم بأسرها، و یلقوا الرعایا من بشائر أیام ملکنا بأسرها، و نعتق بلد الرقة من رقها. و نثبت أحکام المعدلة فیها بمحو هذه الرسوم و محقها. و قد أمرنا بأن تسد هذه الأبواب و تعطل، و تنسخ هذه الأسباب و تبطل، و ستمطر سحائب الخصب بالعدل و تستنزل و یعفی خبر هذه الضرائب من الدواوین و یسامح بها جمیعها جمیع الأغنیاء و المساکین مسامحة ماضیة الأحکام مستمرة الأیام دائمة الخلود خالدة الدوام تامة البلاغ بالغة التمام موصولة علی الأحقاب مسنونة فی الأعقاب ملعونا من یطمح إلیها ناظره و تتناولها یده أو یمسک عنها الیوم علی طمع لا یوصله إلیه غده.الکتب التی أرسلها السلطان صلاح الدین إلی الجهات یعلم بها استیلاءه علی حلب
قال فی الروضتین: و من کتب فاضلیة [أی من إنشاء القاضی الفاضل عن لسان السلطان]: تسلمنا مدینة حلب و قلعتها بسلم وضعت بها الحرب أوزارها و بلغت بها الهمم أوطارها و عوض صاحبها بما لم یخرج عن الید لأنه مشترط علیه به الخدمة بنفسه و عسکره و مختلط بالجملة، فهو أحد الأولیاء فی مغیبه و محضره و عوض عماد الدین عنها من بلاد الجزیرة
سنجار و نصیبین و الخابور و الرقة و سروج فهو صرف بالحقیقة أخذنا فیه الدینار و أعطینا الدراهم، و نزلنا عن المنیحات و أحرزنا العواصم، و سرنا أنها انجلت و الکافر المحارب و المسلم هو المسالم. و اشترطنا علی عماد الدین الخدمة و المظاهرة و الحضور فی مواقف الغزو و المصابرة، فانتظم الشمل الذی کان نثیرا و أصبح المؤمن بأخیه کثیرا، و زال الشغب و أخمد اللهب و اتصل السبب و أخذت للغزاة الأهب و وصلت إلی غایة همة الطلب، و الألفة واقعة و المصلحة جامعة و أشعة أنوار الاتفاق شائعة.کتاب آخر:
فتحنا مدینة حلب بسلم ما کشفت بحرمتها قناعا و تسلمنا قلعتها التی ضمنت أن نتسلم بعدها بمشیة اللّه قلاعا و عوض صاحبها من بلاد الجزیرة ما اشترط علیه به الخدمة فی الجهاد بالعدة الموفورة فهی بیدنا بالحقیقة، لأن مرادنا من البلاد رجالها لا أموالها و شوکتها لا زهرتها و مناظرتها للعدو لا نضرتها و أن یعظم فی العدو الکافر نکایتها لا أن تعذق بالولی المسلم ولایتها، و الأوامر بحلب نافذة و الرایات بأطراف قلعتها آخذة. و جاء أهل المدینة یستبشرون و قد بلغوا ما کانوا یؤملون و أمنوا ما کانوا یحذرون، و عوض صاحبها ببلاد من الجزیرة علی أن تکون العساکر مجتمعة علی الأعداء مرصدة للاستدعاء. فالبلاد بأیدینا لنا مغنمها و لغیرنا مغرمها، و فی خدمتنا ما لا نسمح به و هو عسکرنا، و فی یده ما لا نضن به و هو درهمنا، شرطنا علی عماد الدین النجدة فی أوقاتها و المظاهرة علی العداة عند ملاقاتها فلم یخرج منا بلد إلا عاد إلینا عسکره، و إنما استنبنا فیه من یحمل عنا مؤنته و یدبره و تکون عساکره إلی عساکرنا مضافة و نتمثل قوله سبحانه و تعالی وَ قاتِلُوا الْمُشْرِکِینَ کَافَّةً کَما یُقاتِلُونَکُمْ کَافَّةً.
کتاب آخر:
نشعر الأمیر بما من به من فتح مدینة حلب التی هی مفتاح البلاد و تسلم قلعتها التی هی أحد ما رست به الأرض من الأوتاد، فلله الحمد و أین یقع الحمد من هذه المنة و نسأل اللّه الغایة المطلوبة بعد هذه الغایة و هی الجنة، و صدرت هذه البشری و الموارد قد مضت إلی مصادرها و الأحکام فی مدینة حلب نافذة فی بادیها و حاضرها، و قلعتها قد أناف لواؤنا علی أنفها و قبضت علی عقبه بکفها و اعتذرت من لقائه أمس برشقها، و رأینا أن نتشاغل بما بورک لنا فیه من الجهاد و أن نوسع المجال فیما نضیق به تقلب الذین کفروا فی البلاد.
کتاب آخر حین فتح تل خالد:
نزلنا تل خالد یوم الثلاثاء ثانی عشر المحرم، و کان قد تقدمنا الأجل تاج الملوک إلیها و أناخ علیها و قابلها و قاتلها و عالجها و لو شاء لعاجلها، و لما أطلت علیها رایاتنا ألقی من فیها بیده و أنجز النصر صادق وعده، و أرسلتها حلب مقدمة لفتحها، و قد أنعم اللّه علینا بنعم لا نحصیها تعدادا و لا نستقصیها اعتدادا و لا نستوعبها و لو کان النهار طرسا و البحر مدادا.
و رایتنا المنصورة قد صارت مغناطیس البلاد تجذبها بطبعها و سیوفنا قد صارت مفاتح الأمصار تفتحها بنصر اللّه لا بحدها و لا بقطعها.
من کتاب آخر إلی الخلیفة فی بغداد:
قال فی الروضتین: قال العماد: ورد علی السلطان و هو نازل علی حلب بشارتان إحداهما أن الأسطول المصری غزا فی خامس عشر المحرم و رجع بعد تسعة أیام و قد ظفر ببطسة مقلعة من الشام فیها ثلثمائة و خمسة و سبعون علجا من خیالة و تجار. و الثانیة أن فرنج الداروم نهضوا فنذر بهم والی الشرقیة فخرج إلیهم فالتقوا علی ماء یعرف بالعسیلة فاستولی علیهم المسلمون بعد أن کادوا یهلکون عطشا، لأن الفرنج کانوا قد ملکوا الماء فأرواهم اللّه بماء السماء. قلت: و کتب الفاضل عن السلطان إلی بغداد بهاتین البشارتین و بفتح حلب و حارم کتابا شافیا أوله: أدام اللّه أیام الدیوان العزیز، و لا زالت منازل مملکته منازل التقدیس و التطهیر، و الوقوف بأقصی المطارح من أبوابه موجبا للتقدیم و التصدیر، و الأمة مجموعة الشمل بإمامته جمع السلامة لا جمع التکسیر. الخادم ینهی أن الذی یفتتحه من البلاد و یتسلمه إما بسکون التغمد أو بحرکة ما فی الأغماد إنما یعده طریقا إلی الاستنفار إلی بلاد الکفار، و یحسبه جناحا یمکنه به المطار إلی ما یلابسه الکفار من الأقطار. [و بعد أن ذکر البشارتین] ذکر تسلمه حلب و أنه لا یؤثر إلا أن تکون کلمة اللّه هی العلیا لا غیر و ثغور المسلمین لها الرعایة و لا ضیر، و لا نختار إلا أن تغدو جیوش المسلمین متحاشدة علی عدوها لا متحاسدة بعتوها، و لو أن أمور الحرب تصلحها الشرکة لما عز علیه أن یکون کثیر المشارکین و لا أساءه أن تکون الدنیا کثیرة المالکین، و إنما أمور الحرب لا تحتمل فی التدبیر إلا الوحدة، فإذا صح التدبیر لم یحتمل فی اللقاء إلا العدة، فعوض عماد الدین من بلاد الجزیرة سنجار و خابورها و نصیبین و الرقة و سروج علی أن المظالم تموت فلا ینشر
مقبورها، و العساکر تنشر رایة غزوها فلا یطوی منشورها، و أجاب الخادم عماد الدین إلی ما سأل فیه من أن یصالح المواصلة مهما استقاموا لعماد الدین لأنه لم یثق بهم و إن کان لهم أخا، و لم یطمئن إلی مجاورتهم إلی أن یضرب بینه و بینهم من عنایته برزخا. فلیلح الآن عذر الأجنبی إذا لم یثق و لتکن هذه نصیحة من عوتب فی شکره بحسن الظن فلم یفق. و من شرطه علی المواصلة المعونة بعسکرهم فی غزواته و الخروج من المظالم فما زاد علی أن قال:
سالموا مسلما و حاربوا کافرا و اسکنوا لتکون الرعیة ساکنة و اظهروا لیکون حزب اللّه ظاهرا و هذه المقاصد الثلاثة الجهاد فی سبیل اللّه و الکف عن مظالم عباد اللّه و الطاعة لخلیفة اللّه هی مراد الخادم من البلاد إذا فتحها و مغنمه من الدنیا إذا منحها، و اللّه العالم أنه لا یقاتل لعیش ألین من عیش و لا لغضب یملأ العیان من نزق و لا طیش، و لا یرید إلا هذه الأمور التی قد توسم أنها تلزم، و لا ینوی إلا هذه النیة التی هی خیر ما یسطر فی الصحیفة و یرقم.
و کتب الخادم هذه الخدمة بعد أن بات بحلب لیلة، و خرج منها إلی حارم، و کانت استحفظت مملوکا لا یملکه دین و لا عقل غرّ ما هذبته نفس و لا أهل، فاعتقد أن یسلمها إلی صاحب أنطاکیة یسر اللّه فتحها اعتقادا صرح بفعله و شهره بکتبه و رسله، و واطأ علی ذلک نفرا من رجال یعرفون بالسیمة و لا یعرفون خالقا إلا من عرفوه رازقا، و لا یسجدون إلا لمن یرونه فی نهر النهار سابحا و فی بحر الظلام غارقا، فشعر به من فیها من الأجناد المسلمین فشردوه و من تابعه علی فعله، و ظفر به المملوک عمر ابن أخیه فی ضواحی البلد فأخذه و أرسله إلی قلعة حلب، و سار الخادم إلیها فتسلمها و رتب بها حامیة و رابطة، و لم یعمل علی أنها للعمل طرف بل أنها للعقد واسطة. و الخادم کما طالع بماضیه الذی حازه الأمس المذکور یطالع بمستقبله الذی ینجزه بمشیئة اللّه الغد المشکور، فهو متأهب للخروج نحو الکفار لا تسأم رایته النصب و لا جبهة سیره الرفع و لا جیشه الجر، و لا یصغی إلی قول خاطر الراحة المفند: لا تنفروا فی الحر، و لا یجیب دعوة الفراش الممهد و لا یعرج علی الظل الممدد و لا دمیة القصر المشید، و لا یعطف علی ریحانة فؤاد یفارقه حولا و یلقاه یوما، و لا یقیم علی زهرة ولد استهل فمتی ذکره الفطر علی راحته قال: إنی نذرت للرحمن صوما اه.رجوع السلطان صلاح الدین من حلب إلی دمشق
قال فی الروضتین: قال القاضی ابن شداد: لم یقم السلطان فی حلب إلا إلی یوم
السبت الثانی و العشرین من ربیع الآخر، و أنشأ عزما علی الغزاة، فخرج ذلک الیوم إلی الوضیحی مبرزا نحو دمشق و استنهض العساکر فخرجوا یتبعونه، ثم رحل فی الرابع و العشرین منه إلی حماة فوصلها، ثم رحل فی بقیة یومه و لم یزل یواصل بین المنازل حتی دخل دمشق فی ثالث جمادی الأولی، فأقام بها متأهبا إلی السابع و العشرین. ثم ذکر غزوته لعین جالوت و بسط القول فی ذلک.ذکر تولیة السلطان صلاح الدین أخاه الملک العادل أبا بکر بن أیوب علی حلب
قال فی الروضتین: کان الملک العادل نائبا بمصر، فلما فتح السلطان حلب کتب العادل إلیه یطلبها منه مع أعمالها و یدع الدیار المصریة، فکتب السلطان إلیه أن یوافیه إلی الکرک فإنه سائر إلی فتحه، فأشار القاضی الفاضل علی السلطان أن یستنیب فی الدیار المصریة موضع أخیه العادل ابن أخیه تقی الدین، فاستصحبه السلطان معه فی رجب إلی الکرک هذه السنة، و حاز فی طریقه قبل وصوله إلیها غنائم و خیم علی الربة، ثم حصر الکرک و رماه بالمجانیق صباحا و مساء، و تناوب علیه الأمراء حتی خرج شهر رجب و ما حصل منه الطلب، لکن عظمت النکایة فی الکفار بأخذ أموالهم و تخریب الدیار، و وصل الخبر أن الفرنج قد استجمعوا و تجمعوا بالموضع المعروف بالواله علی قصد المسلمین و خلاص الکرک من أیدیهم، و رأی السلطان أن حصره یطول فعول علی الرحیل إلی دمشق، و وصل العادل إلی السلطان و هو بعد علی الکرک فجهز تقی الدین إلی الدیار المصریة والیا علیها و قوی عضده بصحبة القاضی الفاضل له. و تولی العادل حلب و أعمالها و منبج و جمیع قلاعها، فسار إلیها فی رمضان و رجع منها إلی دمشق الملک الظاهر و نواب السلطان. قلت: و کتب العادل إلی الفاضل یستشیره فی التعوض عن مصر بحلب فکتب إلیه الفاضل کتابا فیه:
إنما أنت کغیث ماطرحیثما صرفه اللّه انصرف
قال ابن أبی طی: کان السلطان یعظم الملک العادل و یعمل برأیه فی جمیع أموره و یتیمن بمشورته، و لا یعلم بأنه أشار علی السلطان بأمر فخالفه. حدثنی قاضی الیمن جمال الدین قال: کان السلطان یجمع الأمراء للمشورة فإن کان العادل حاضرا سمع من رأیه و إن لم یکن حاضرا لم یقطع أمرا فی المهمات حتی یکاتبه بجلیة الأحوال ثم یسمع رأیه فیها،
قال: و حدثنی أبی قال: حدثنی جماعة قالوا: کان السلطان لیس له غناء عن العادل و لا عن رأیه، فلما حصل العادل بمصر و بعد عن السلطان هناک صار السلطان یتکلف بمکاتبته بالأخبار و یؤخر الأمور إلی أن یرد علیه جوابه فیفوته بذلک کثیر من المنافع الحاصلة للدولة و للجهاد، فلما حصر الکرک فی هذه السنة کاتبه بالحضور إلیه بعیاله و أمواله و جمیع أصحابه و ولی مصر تقی الدین، و لما حصل العادل عند السلطان وقع فی نفسه أن یعوضه عن ولایة مصر، ثم حار فی ولایة یولیه إیاها، قال: و حدثنی غیره قال: لما حصل العادل عند السلطان بأمواله و أثقاله کانت الأموال قد قلت علی السلطان و قد حصلت عنده عساکر عظیمة، فأحضر العادل لیلا و قال: أرید أن تقرضنی مائة و خمسین ألف دینار إلی المیسور فقال: السمع و الطاعة، ثم قام و خرج من عنده و کتب إلیه یقول: أموالی جمیعها بین یدیک و أنا مملوکک و أشتهی أن أحمل هذا المال إلی خدمة السلطان و یکون عوضا عنه مدینة حلب و قلعتها، فأجابه السلطان: إننی و اللّه ما أقدمتک إلا لأولیک حلب، و إذ قد اقترحت ذلک فقد وافق ما عندی، فلما أصبح العادل أنفذ و سأل السلطان أن یکتب له بمدینة حلب کتابا و یجعله ککتاب البیع و الشراء، فامتنع السلطان و قال: إنما تکون حلب إقطاعا و المال علی له، فاعتذر العادل إلی السلطان، و لما اجتمعا قال له السلطان: أظننت أن البلاد تباع؟ أو ما علمت أن البلاد لأهلها المرابطین بها و نحن خزنة للمسلمین و رعاة للدین و حراس لأموالهم، أو ما علمت أن السلطان ملک شاه السلجوقی لما وقف طبریة علی جامع خراسان لم یحکم به أحد من القضاة و لا من الفقهاء. ثم قرر السلطان ولایة العادل لحلب و أعمالها إلی رعبان إلی الفرات إلی حماة، و کتب له التوقیع و قرر علیه مالا یحمله برسم الزرد خانات و خزانة الجهاد و رجالة من الحلبیین. و رحل السلطان إلی دمشق و استدعی ولده الظاهر من حلب، فلما حضر أمره بالعود إلی حلب و تسلیمها إلی عمه العادل، ففعل و عاد إلی دمشق و سار العادل إلی حلب فالتقیا بالرستن و باتا فیه، فکانت ولایة الظاهر بحلب فی هذه النوبة نحو ستة أشهر.
و لما وصل الظاهر إلی دمشق أقبل علی خدمة والده و التقرب إلیه، إلا أن الانکسار لخروج حلب عنه ظاهر علیه و هو مع ذلک لا یظهر شیئا إلا الطاعة لوالده و الانقیاد إلی مرضاته.