بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 121


إرفاق و بالرعایا إضرار، و لها مقدار إلا عند من کل شی‌ء عنده بمقدار منها ما هو فی المعایش المطلوبة، و قد رأینا بنعمة اللّه أن نبطلها و نضعها و نعطلها و ندعها و نضرب علیها بأقلامنا و نسلک ما هو أهدی سبیلا و نقول ما هو أقوم قیلا و نکره ما کره اللّه و نحظر ما حظر اللّه و نتأجره سبحانه، فإنه من ترک شیئا للّه عوضه اللّه أمثاله و أربح متجره فی الرعیة الیوم بما یوضع عنهم من إصرها، و لنا غدا بمشیئة اللّه ما یرفع من أجرها، فعلی کافة أولیائنا و المتصرفین من قبلنا أن لا یهووا إلیها یدا و لا یردوا و لو بلغ الظمأ منهم موردا و لا یثقلوا میزان المال فتخف میزان الأعمال، و لا یرغبوا فی کثیر الحرام فإن اللّه یغنی عنه بقلیل الحلال، و لیعلم أن ذلک من الأمر المحکم و القضاء المبرم و العزم المتمم.
و فی منشور أهل الرقة بمثل ذلک: إن أشقی الأمراء من سمن کیسه و أهزل الخلق و أبعدهم من الحق من أخذ الباطل من الناس و سماه الحق. و من ترک للّه شیئا عوضه و من أقرض اللّه قرضا حسنا وفاه ما أقرضه. و لما انتهی أمرنا إلی فتح الرقة أشرفنا منها علی سحت یؤکل و ظلم مما أمر اللّه به أن یقطع و أمر الظالمون أن یوصل، فأوجبنا علی أنفسنا و علی کافة الولاة من قبلنا أن یضعوا هذه الرسوم بأسرها، و یلقوا الرعایا من بشائر أیام ملکنا بأسرها، و نعتق بلد الرقة من رقها. و نثبت أحکام المعدلة فیها بمحو هذه الرسوم و محقها. و قد أمرنا بأن تسد هذه الأبواب و تعطل، و تنسخ هذه الأسباب و تبطل، و ستمطر سحائب الخصب بالعدل و تستنزل و یعفی خبر هذه الضرائب من الدواوین و یسامح بها جمیعها جمیع الأغنیاء و المساکین مسامحة ماضیة الأحکام مستمرة الأیام دائمة الخلود خالدة الدوام تامة البلاغ بالغة التمام موصولة علی الأحقاب مسنونة فی الأعقاب ملعونا من یطمح إلیها ناظره و تتناولها یده أو یمسک عنها الیوم علی طمع لا یوصله إلیه غده.الکتب التی أرسلها السلطان صلاح الدین إلی الجهات یعلم بها استیلاءه علی حلب‌

قال فی الروضتین: و من کتب فاضلیة [أی من إنشاء القاضی الفاضل عن لسان السلطان]: تسلمنا مدینة حلب و قلعتها بسلم وضعت بها الحرب أوزارها و بلغت بها الهمم أوطارها و عوض صاحبها بما لم یخرج عن الید لأنه مشترط علیه به الخدمة بنفسه و عسکره و مختلط بالجملة، فهو أحد الأولیاء فی مغیبه و محضره و عوض عماد الدین عنها من بلاد الجزیرة


صفحه 122


سنجار و نصیبین و الخابور و الرقة و سروج فهو صرف بالحقیقة أخذنا فیه الدینار و أعطینا الدراهم، و نزلنا عن المنیحات و أحرزنا العواصم، و سرنا أنها انجلت و الکافر المحارب و المسلم هو المسالم. و اشترطنا علی عماد الدین الخدمة و المظاهرة و الحضور فی مواقف الغزو و المصابرة، فانتظم الشمل الذی کان نثیرا و أصبح المؤمن بأخیه کثیرا، و زال الشغب و أخمد اللهب و اتصل السبب و أخذت للغزاة الأهب و وصلت إلی غایة همة الطلب، و الألفة واقعة و المصلحة جامعة و أشعة أنوار الاتفاق شائعة.کتاب آخر:

فتحنا مدینة حلب بسلم ما کشفت بحرمتها قناعا و تسلمنا قلعتها التی ضمنت أن نتسلم بعدها بمشیة اللّه قلاعا و عوض صاحبها من بلاد الجزیرة ما اشترط علیه به الخدمة فی الجهاد بالعدة الموفورة فهی بیدنا بالحقیقة، لأن مرادنا من البلاد رجالها لا أموالها و شوکتها لا زهرتها و مناظرتها للعدو لا نضرتها و أن یعظم فی العدو الکافر نکایتها لا أن تعذق بالولی المسلم ولایتها، و الأوامر بحلب نافذة و الرایات بأطراف قلعتها آخذة. و جاء أهل المدینة یستبشرون و قد بلغوا ما کانوا یؤملون و أمنوا ما کانوا یحذرون، و عوض صاحبها ببلاد من الجزیرة علی أن تکون العساکر مجتمعة علی الأعداء مرصدة للاستدعاء. فالبلاد بأیدینا لنا مغنمها و لغیرنا مغرمها، و فی خدمتنا ما لا نسمح به و هو عسکرنا، و فی یده ما لا نضن به و هو درهمنا، شرطنا علی عماد الدین النجدة فی أوقاتها و المظاهرة علی العداة عند ملاقاتها فلم یخرج منا بلد إلا عاد إلینا عسکره، و إنما استنبنا فیه من یحمل عنا مؤنته و یدبره و تکون عساکره إلی عساکرنا مضافة و نتمثل قوله سبحانه و تعالی وَ قاتِلُوا الْمُشْرِکِینَ کَافَّةً کَما یُقاتِلُونَکُمْ کَافَّةً.

کتاب آخر:

نشعر الأمیر بما من به من فتح مدینة حلب التی هی مفتاح البلاد و تسلم قلعتها التی هی أحد ما رست به الأرض من الأوتاد، فلله الحمد و أین یقع الحمد من هذه المنة و نسأل اللّه الغایة المطلوبة بعد هذه الغایة و هی الجنة، و صدرت هذه البشری و الموارد قد مضت إلی مصادرها و الأحکام فی مدینة حلب نافذة فی بادیها و حاضرها، و قلعتها قد أناف لواؤنا علی أنفها و قبضت علی عقبه بکفها و اعتذرت من لقائه أمس برشقها، و رأینا أن نتشاغل بما بورک لنا فیه من الجهاد و أن نوسع المجال فیما نضیق به تقلب الذین کفروا فی البلاد.


صفحه 123

کتاب آخر حین فتح تل خالد:

نزلنا تل خالد یوم الثلاثاء ثانی عشر المحرم، و کان قد تقدمنا الأجل تاج الملوک إلیها و أناخ علیها و قابلها و قاتلها و عالجها و لو شاء لعاجلها، و لما أطلت علیها رایاتنا ألقی من فیها بیده و أنجز النصر صادق وعده، و أرسلتها حلب مقدمة لفتحها، و قد أنعم اللّه علینا بنعم لا نحصیها تعدادا و لا نستقصیها اعتدادا و لا نستوعبها و لو کان النهار طرسا و البحر مدادا.
و رایتنا المنصورة قد صارت مغناطیس البلاد تجذبها بطبعها و سیوفنا قد صارت مفاتح الأمصار تفتحها بنصر اللّه لا بحدها و لا بقطعها.

من کتاب آخر إلی الخلیفة فی بغداد:

قال فی الروضتین: قال العماد: ورد علی السلطان و هو نازل علی حلب بشارتان إحداهما أن الأسطول المصری غزا فی خامس عشر المحرم و رجع بعد تسعة أیام و قد ظفر ببطسة مقلعة من الشام فیها ثلثمائة و خمسة و سبعون علجا من خیالة و تجار. و الثانیة أن فرنج الداروم نهضوا فنذر بهم والی الشرقیة فخرج إلیهم فالتقوا علی ماء یعرف بالعسیلة فاستولی علیهم المسلمون بعد أن کادوا یهلکون عطشا، لأن الفرنج کانوا قد ملکوا الماء فأرواهم اللّه بماء السماء. قلت: و کتب الفاضل عن السلطان إلی بغداد بهاتین البشارتین و بفتح حلب و حارم کتابا شافیا أوله: أدام اللّه أیام الدیوان العزیز، و لا زالت منازل مملکته منازل التقدیس و التطهیر، و الوقوف بأقصی المطارح من أبوابه موجبا للتقدیم و التصدیر، و الأمة مجموعة الشمل بإمامته جمع السلامة لا جمع التکسیر. الخادم ینهی أن الذی یفتتحه من البلاد و یتسلمه إما بسکون التغمد أو بحرکة ما فی الأغماد إنما یعده طریقا إلی الاستنفار إلی بلاد الکفار، و یحسبه جناحا یمکنه به المطار إلی ما یلابسه الکفار من الأقطار. [و بعد أن ذکر البشارتین] ذکر تسلمه حلب و أنه لا یؤثر إلا أن تکون کلمة اللّه هی العلیا لا غیر و ثغور المسلمین لها الرعایة و لا ضیر، و لا نختار إلا أن تغدو جیوش المسلمین متحاشدة علی عدوها لا متحاسدة بعتوها، و لو أن أمور الحرب تصلحها الشرکة لما عز علیه أن یکون کثیر المشارکین و لا أساءه أن تکون الدنیا کثیرة المالکین، و إنما أمور الحرب لا تحتمل فی التدبیر إلا الوحدة، فإذا صح التدبیر لم یحتمل فی اللقاء إلا العدة، فعوض عماد الدین من بلاد الجزیرة سنجار و خابورها و نصیبین و الرقة و سروج علی أن المظالم تموت فلا ینشر


صفحه 124


مقبورها، و العساکر تنشر رایة غزوها فلا یطوی منشورها، و أجاب الخادم عماد الدین إلی ما سأل فیه من أن یصالح المواصلة مهما استقاموا لعماد الدین لأنه لم یثق بهم و إن کان لهم أخا، و لم یطمئن إلی مجاورتهم إلی أن یضرب بینه و بینهم من عنایته برزخا. فلیلح الآن عذر الأجنبی إذا لم یثق و لتکن هذه نصیحة من عوتب فی شکره بحسن الظن فلم یفق. و من شرطه علی المواصلة المعونة بعسکرهم فی غزواته و الخروج من المظالم فما زاد علی أن قال:
سالموا مسلما و حاربوا کافرا و اسکنوا لتکون الرعیة ساکنة و اظهروا لیکون حزب اللّه ظاهرا و هذه المقاصد الثلاثة الجهاد فی سبیل اللّه و الکف عن مظالم عباد اللّه و الطاعة لخلیفة اللّه هی مراد الخادم من البلاد إذا فتحها و مغنمه من الدنیا إذا منحها، و اللّه العالم أنه لا یقاتل لعیش ألین من عیش و لا لغضب یملأ العیان من نزق و لا طیش، و لا یرید إلا هذه الأمور التی قد توسم أنها تلزم، و لا ینوی إلا هذه النیة التی هی خیر ما یسطر فی الصحیفة و یرقم.
و کتب الخادم هذه الخدمة بعد أن بات بحلب لیلة، و خرج منها إلی حارم، و کانت استحفظت مملوکا لا یملکه دین و لا عقل غرّ ما هذبته نفس و لا أهل، فاعتقد أن یسلمها إلی صاحب أنطاکیة یسر اللّه فتحها اعتقادا صرح بفعله و شهره بکتبه و رسله، و واطأ علی ذلک نفرا من رجال یعرفون بالسیمة و لا یعرفون خالقا إلا من عرفوه رازقا، و لا یسجدون إلا لمن یرونه فی نهر النهار سابحا و فی بحر الظلام غارقا، فشعر به من فیها من الأجناد المسلمین فشردوه و من تابعه علی فعله، و ظفر به المملوک عمر ابن أخیه فی ضواحی البلد فأخذه و أرسله إلی قلعة حلب، و سار الخادم إلیها فتسلمها و رتب بها حامیة و رابطة، و لم یعمل علی أنها للعمل طرف بل أنها للعقد واسطة. و الخادم کما طالع بماضیه الذی حازه الأمس المذکور یطالع بمستقبله الذی ینجزه بمشیئة اللّه الغد المشکور، فهو متأهب للخروج نحو الکفار لا تسأم رایته النصب و لا جبهة سیره الرفع و لا جیشه الجر، و لا یصغی إلی قول خاطر الراحة المفند: لا تنفروا فی الحر، و لا یجیب دعوة الفراش الممهد و لا یعرج علی الظل الممدد و لا دمیة القصر المشید، و لا یعطف علی ریحانة فؤاد یفارقه حولا و یلقاه یوما، و لا یقیم علی زهرة ولد استهل فمتی ذکره الفطر علی راحته قال: إنی نذرت للرحمن صوما اه.رجوع السلطان صلاح الدین من حلب إلی دمشق‌

قال فی الروضتین: قال القاضی ابن شداد: لم یقم السلطان فی حلب إلا إلی یوم


صفحه 125


السبت الثانی و العشرین من ربیع الآخر، و أنشأ عزما علی الغزاة، فخرج ذلک الیوم إلی الوضیحی مبرزا نحو دمشق و استنهض العساکر فخرجوا یتبعونه، ثم رحل فی الرابع و العشرین منه إلی حماة فوصلها، ثم رحل فی بقیة یومه و لم یزل یواصل بین المنازل حتی دخل دمشق فی ثالث جمادی الأولی، فأقام بها متأهبا إلی السابع و العشرین. ثم ذکر غزوته لعین جالوت و بسط القول فی ذلک.ذکر تولیة السلطان صلاح الدین أخاه الملک العادل أبا بکر بن أیوب علی حلب‌

قال فی الروضتین: کان الملک العادل نائبا بمصر، فلما فتح السلطان حلب کتب العادل إلیه یطلبها منه مع أعمالها و یدع الدیار المصریة، فکتب السلطان إلیه أن یوافیه إلی الکرک فإنه سائر إلی فتحه، فأشار القاضی الفاضل علی السلطان أن یستنیب فی الدیار المصریة موضع أخیه العادل ابن أخیه تقی الدین، فاستصحبه السلطان معه فی رجب إلی الکرک هذه السنة، و حاز فی طریقه قبل وصوله إلیها غنائم و خیم علی الربة، ثم حصر الکرک و رماه بالمجانیق صباحا و مساء، و تناوب علیه الأمراء حتی خرج شهر رجب و ما حصل منه الطلب، لکن عظمت النکایة فی الکفار بأخذ أموالهم و تخریب الدیار، و وصل الخبر أن الفرنج قد استجمعوا و تجمعوا بالموضع المعروف بالواله علی قصد المسلمین و خلاص الکرک من أیدیهم، و رأی السلطان أن حصره یطول فعول علی الرحیل إلی دمشق، و وصل العادل إلی السلطان و هو بعد علی الکرک فجهز تقی الدین إلی الدیار المصریة والیا علیها و قوی عضده بصحبة القاضی الفاضل له. و تولی العادل حلب و أعمالها و منبج و جمیع قلاعها، فسار إلیها فی رمضان و رجع منها إلی دمشق الملک الظاهر و نواب السلطان. قلت: و کتب العادل إلی الفاضل یستشیره فی التعوض عن مصر بحلب فکتب إلیه الفاضل کتابا فیه:
إنما أنت کغیث ماطرحیثما صرفه اللّه انصرف
قال ابن أبی طی: کان السلطان یعظم الملک العادل و یعمل برأیه فی جمیع أموره و یتیمن بمشورته، و لا یعلم بأنه أشار علی السلطان بأمر فخالفه. حدثنی قاضی الیمن جمال الدین قال: کان السلطان یجمع الأمراء للمشورة فإن کان العادل حاضرا سمع من رأیه و إن لم یکن حاضرا لم یقطع أمرا فی المهمات حتی یکاتبه بجلیة الأحوال ثم یسمع رأیه فیها،


صفحه 126


قال: و حدثنی أبی قال: حدثنی جماعة قالوا: کان السلطان لیس له غناء عن العادل و لا عن رأیه، فلما حصل العادل بمصر و بعد عن السلطان هناک صار السلطان یتکلف بمکاتبته بالأخبار و یؤخر الأمور إلی أن یرد علیه جوابه فیفوته بذلک کثیر من المنافع الحاصلة للدولة و للجهاد، فلما حصر الکرک فی هذه السنة کاتبه بالحضور إلیه بعیاله و أمواله و جمیع أصحابه و ولی مصر تقی الدین، و لما حصل العادل عند السلطان وقع فی نفسه أن یعوضه عن ولایة مصر، ثم حار فی ولایة یولیه إیاها، قال: و حدثنی غیره قال: لما حصل العادل عند السلطان بأمواله و أثقاله کانت الأموال قد قلت علی السلطان و قد حصلت عنده عساکر عظیمة، فأحضر العادل لیلا و قال: أرید أن تقرضنی مائة و خمسین ألف دینار إلی المیسور فقال: السمع و الطاعة، ثم قام و خرج من عنده و کتب إلیه یقول: أموالی جمیعها بین یدیک و أنا مملوکک و أشتهی أن أحمل هذا المال إلی خدمة السلطان و یکون عوضا عنه مدینة حلب و قلعتها، فأجابه السلطان: إننی و اللّه ما أقدمتک إلا لأولیک حلب، و إذ قد اقترحت ذلک فقد وافق ما عندی، فلما أصبح العادل أنفذ و سأل السلطان أن یکتب له بمدینة حلب کتابا و یجعله ککتاب البیع و الشراء، فامتنع السلطان و قال: إنما تکون حلب إقطاعا و المال علی له، فاعتذر العادل إلی السلطان، و لما اجتمعا قال له السلطان: أظننت أن البلاد تباع؟ أو ما علمت أن البلاد لأهلها المرابطین بها و نحن خزنة للمسلمین و رعاة للدین و حراس لأموالهم، أو ما علمت أن السلطان ملک شاه السلجوقی لما وقف طبریة علی جامع خراسان لم یحکم به أحد من القضاة و لا من الفقهاء. ثم قرر السلطان ولایة العادل لحلب و أعمالها إلی رعبان إلی الفرات إلی حماة، و کتب له التوقیع و قرر علیه مالا یحمله برسم الزرد خانات و خزانة الجهاد و رجالة من الحلبیین. و رحل السلطان إلی دمشق و استدعی ولده الظاهر من حلب، فلما حضر أمره بالعود إلی حلب و تسلیمها إلی عمه العادل، ففعل و عاد إلی دمشق و سار العادل إلی حلب فالتقیا بالرستن و باتا فیه، فکانت ولایة الظاهر بحلب فی هذه النوبة نحو ستة أشهر.
و لما وصل الظاهر إلی دمشق أقبل علی خدمة والده و التقرب إلیه، إلا أن الانکسار لخروج حلب عنه ظاهر علیه و هو مع ذلک لا یظهر شیئا إلا الطاعة لوالده و الانقیاد إلی مرضاته.


صفحه 127


حدثنی أبی عن مجد الدین بن الخشاب قال: حدثنی الملک الظاهر قال: لما بلغنی أن السلطان أعطی حلب للملک العادل جری علیّ ما قدم و ما حدث و أصابنی من الهم ما لم أقدر علی النهوض به، و وددت أنی لم أکن رأیتها و لا دخلت إلیها لأنی قلبی أحبها و قبلها و طاب لی هواؤها، و لما فارقتها کنت أحن إلیها و أشتاقها.
قال: و دخل العادل حلب فی رمضان و خلع علی المقدمین و الأعیان، و کان قد قدم بین یدیه کاتبه المعروف بالصنیعة لتسلم حلب و قلعتها من الملک الظاهر و ولی القلعة صارم الدین بزغش و ولی الدیوان و الإقطاعات شجاع الدین بن البیضاوی صباغ ذقنه، و ولی الإنشاء و ما یتعلق بأمور السر للصنیعة ابن النحال و کان نصرانیا ثم أسلم علی ید العادل، فولی ابن النحال الوظائف لجماعة من النصاری، و فی ذلک یقول الشاعر:
فاق دین المسیح فی دولة العادل حتی علا علی الأدیان
ذا أمیر و ذا وزیر و ذا وال و ذا مشرف علی الدیوان
و فی السیرة الصلاحیة للقاضی ابن شداد قال: عاد السلطان صلاح الدین من الکرک إلی دمشق مستصحبا أخاه الملک العادل معه لإیاسه عن الکرک بعد نزول الإفرنج علیها، فدخل دمشق فی الرابع و العشرین من شعبان و أعطی أخاه الملک العادل حلب بعد مقامه بدمشق إلی ثانی یوم من شهر رمضان، و کان بها ولده الملک الظاهر و معه سیف الدین یازکج یدبر أمره و ابن العمید فی البلد، و کان الملک الظاهر من أحب الأولاد إلی قلبه لما قد خصه اللّه به من الشهامة و الفطنة و العقل و حسن السمت و الشغف بالملک و الظهور ذلک علیه، و کان أبر الناس بوالده و أطوعهم له، و لکن أخذ منه حلب لمصلحة رآها، فخرج من حلب لما دخل الملک العادل هو و یازکج سائرین إلی خدمة السلطان، فدخل دمشق الثامن عشر من شوال فأقام فی خدمة أبیه لا یظهر إلا الطاعة و الانقیاد مع انکسار فی باطنه لا یخفی عن نظر والده اه.
و مما یجدر ذکره هنا ما ذکره ابن خلکان فی ترجمة محمد أبی السعادات المعروف بالمسعودی قال: حکی أبو البرکات الهاشمی الحلبی قال: لما دخل السلطان صلاح الدین إلی حلب سنة تسع و سبعین و خمسمائة نزل المسعودی المذکور إلی جامع حلب و قعد فی خزانة کتبها الوقف (و کان محلها فی الشرقیة) و اختار منها جملة أخذها لم یمنعه منها مانع، و لقد رأیته و هو یحشوها فی عدل اه.


صفحه 128

سنة 580ذکر وصف الرحالة أبی الحسین محمد بن أحمد بن جبیر الکنانی الأندلسی لما مرّ به من هذه الدیار فی هذه السنةقال فی وصفه لمدینة حران:

بلد لا حسن لدیه و لا ظل یتوسط بردیه، قد اشتق من اسمه هواؤه فلا یألف البرد ماؤه، و لا تزال تتقد بلفح الهجیر ساحاته و أرجاؤه. و لا تجد فیه مقیلا و لا تنفس منه إلا نفسا ثقیلا. قد نبذ بالعراء، و وضع فی وسط الصحراء، فعدم رونق الحضارة، و تعرت أعطافه من ملابس النضارة. أستغفر اللّه کفی بهذا البلد شرفا و فضلا أنها البلدة العتیقة المنسوبة لأبینا إبراهیم صلّی اللّه علیه و سلم، و له بقبلیها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارک فیه عین جاریة کان مأوی له و لسارة صلوات اللّه علیها و متعبدا لهما. ببرکة هذه النسبة قد جعل اللّه هذه البلدة مقرا للصالحین المتزهدین و مثابة للسائحین المتبتلین، لقینا من أفرادهم الشیخ أبا البرکات حیان ابن عبد العزیز حذاء مسجده المنسوب إلیه، و هو یسکن منه فی زاویة بناها فی قبلته، و تتصل بها فی آخر الجانب زاویة لابنه عمر قد التزمها و أشبه طریقة أبیه فما ظلم، و تعرفت منه شنشنة أعرفها من أخزم، فوصلنا إلی الشیخ و هو قد نیف علی الثمانین فصافحنا و دعا لنا و أمرنا بلقاء ابنه عمر المذکور من رجال الآخرة، و لقینا أیضا بمسجد عتیق الشیخ الزاهد سلمة فلقینا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا و سألنا و ودعناه و انصرفنا. و بالبلد سلمة آخر یعرف بالمکشوف الرأس لا یغطی رأسه تواضعا للّه عز و جل حتی عرف بذلک، و وصلنا إلی منزله فأعلمنا أنه خرج للبریة سائحا. و بهذه البلدة کثیر من أهل الخیر و أهلها هینون معتدلون محبون للغرباء مؤثرون للفقراء، و أهل هذه البلاد من الموصل لدیار بکر و دیار ربیعة إلی الشام علی هذا السبیل من حب الغرباء و إکرام الفقراء، و أهل قراها کذلک فما یحتاج الفقراء الصعالیک معهم زادا. لهم فی ذلک مقاصد فی الکرم مأثورة. و شأن أهل هذه البلاد فی هذا السبیل عجیب و اللّه ینفعهم بما هم علیه.