و سار السلطان بالعساکر الإسلامیة و وصل إلی العوجا. و اتفق فی تلک المدة تدارک الأمطار إلی الغایة و اشتدت الوحول حتی انقطعت الطرقات و تعذرت الأقوات و عجزت العساکر عن المقام علی تلک الحال، فرحل السلطان و العساکر و عادوا إلی الدیار المصریة فوصل إلیها فی عاشر جمادی الأولی من هذه السنة.
و أما التتر فإنهم أقاموا ینتقلون فی بلاد حلب نحو ثلاثة أشهر، ثم إن اللّه تعالی تدارک المسلمین بلطفه ورد التتر علی أعقابهم بقدرته، فعادوا إلی بلادهم و عبروا الفرات فی أواخر جمادی الآخرة من هذه السنة الموافق لأوائل آذار من شهور الروم و رجع عسکر حلب مع قراسنقر إلی حلب و تراجعت الجفال إلی أماکنهم. و فی هذه السنة توفی سیف الدین بلبان الطباخی الذی کان نائبا بحلب و دفن بأرض الرملة و ورثه السلطان بالولاء.سنة 701ذکر الإغارة علی سیس
قال أبو الفداء: فی هذه السنة جرد من مصر بدر الدین بکتاش أمیر سلاح و أیبک الخزندار معهما العساکر فساروا إلی حماة، و ورد الأمر إلی زین الدین کتبغا نائب السلطنة بحماة أن یسیر بالعساکر إلی بلاد سیس، فخرج کتبغا المذکور من حماة و خرجنا صحبته فی یوم السبت الخامس و العشرین من شوال فی هذه السنة الموافق للثالث و العشرین من حزیران من شهور الروم، و سار العسکر صحبة زین الدین المذکور و دخلنا حلب مستهل ذی القعدة و دخلنا دربند بغراس سابع ذی القعدة من الشهر المذکور، و انتشرت العساکر فی بلاد سیس فحرقت الزروع و نهبت ما وجدت و نزلنا علی سیس و زحفنا علیها و أخذنا من سفح قلعتها شیئا کثیرا من جفال الأرمن، و عدنا من الدربند إلی مرج أنطاکیة و وصلنا إلی حلب تاسع عشر ذی القعدة و سرنا إلی حماة و دخلناها فی السابع و العشرین من الشهر المذکور اه.
سنة 702ذکر دخول التتر إلی الشام و کسرتهم مرة بعد أخری
قال ابن إیاس فی حوادث سنة اثنتین و سبعمائة: فیها جاءت الأخبار بأن أمیرا من
أمراء القان غازان یقال له قطلوشاه قد دخل إلی حلب علی حین غفلة من أهلها و معه طائفة من عسکر التتار، و ذکروا أن بلادهم قد اضمحلت هذه السنة و قصدهم الإقامة بحلب حتی یشتروا لهم مغلا، و کل ذلک حیل و خداع، ثم بعد أیام دخل منهم جماعة إلی مرعش فأرسل نائب حلب یکاتب السلطان بذلک، فلما جاء هذا الخبر عین السلطان جماعة من الأمراء المقدمین عدتهم ستة من الأمراء و عیّن ألف مملوک من الممالیک السلطانیة، فخرجوا من القاهرة علی الفور مسرعین، فلما وصلوا إلی غزة تواترت الأخبار بوصول غازان إلی الرحبة و أن نائب الرحبة تلطف به و أرسل له بالإقامة مع ولده و منعه من محاصرة المدینة، فلما أن بلغ السلطان ذلک أحضر الأمیر سلار النائب و الأتابکی بیبرس الجاشنکیر و ضربوا مشورة فی ذلک، فأشاروا علی السلطان بالخروج قبل أن یتمکن العدو من البلاد، فنادی السلطان فی جمیع أماکن القاهرة للعسکر بالرحیل من کبیر و صغیر.
ثم إن السلطان أحضر جماعة من عربان الشرقیة و من عربان الغربیة و نادی بالنفیر عاما و خرج مسرعا علی جرائد الخیل و کان معه الخلیفة المستکفی باللّه أبو الربیع سلیمان و القضاة الأربعة و سائر الأمراء و العسکر من کبیر و صغیر، فلما رحلوا من الریدانیة تقدم الأتابکی بیبرس الجاشنکیر مع جماعة من العسکر قدام السلطان. فلما وصلوا إلی الشام جاءت الأخبار بأن جالیش غازان قد وصل إلی قرب حماة، فأرسل الأتابکی بیبرس یستحث السلطان فی سرعة الحضور، فجد السلطان فی السیر حتی وصل إلی الشام و برز إلی قتال عسکر قازان فکان مع السلطان من العساکر المصریة و الشامیة و عربان جبل نابلس نحو مائتی ألف إنسان و کان مع غازان مثل ذلک أو أکثر، فتلاقی العسکران علی مرج راهط تحت جبل غباغب فکان بین الفریقین هناک واقعة عظیمة لم یسمع بمثلها فیما تقدم من الزمان، فکانت النصرة یومئذ للملک الناصر محمد بن قلاوون علی القان غازان فقتل من الفریقین ما لا یحصی عددهم و أسر من عسکر غازان نحو الثلث و قتل من أمراء مصر الأمیر حسام الدین لاجین استادار العالیة و الأمیر أولیا بن قرمان و الأمیر سنقر الکافوری و الأمیر أیدمر الشمسی و الأمیر آقوش الشمسی الحاجب و الأمیر عز الدین نقیب الجیوش المنصورة و الأمیر علاء الدین بن الترکمانی و الأمیر حسام الدین بن ساخل و الأمیر سیف الدین بهادر الدکاجکی، هؤلاء غیر من قتل من أمراء دمشق الشام و حماة و حلب و طرابلس و غزة و غیر ذلک من الأمراء. و قتل من الممالیک السلطانیة و الأمراء نحو ألف و خمسمائة مملوک،
هذا خارجا عن العربان و المشاة و العبید و الغلمان و غیر ذلک. فلما دخل اللیل حالت الظلمة بین العسکرین فالتجأ عسکر غازان إلی أعلی الجبال و باتوا یوقدون النیران و بات عسکر السلطان محدقین بهم کالحلقة، فلما لاح الصباح من یوم الأحد رابع شهر رمضان عاین عسکر التتار الهلاک من العطش و الجوع فصاروا یتسحبون من الأودیة أولا بأول، فحمل عسکر السلطان علیهم فصیروهم رمما و أسروا منهم ما شاؤوا فامتلأت من قتلاهم القفار، فلما وصلت هذه النصرة للملک الناصر محمد أرسل الأمیر بکتوت الفتاح بأخبار هذه النصرة إلی الدیار المصریة.
ثم إن السلطان رحل من المکان الذی وقعت فیه الواقعة و دخل إلی دمشق و صحبته الخلیفة المستکفی باللّه سلیمان و القضاة الأربعة فنزل بالقصر الأبلق، و کان یوم دخوله إلی دمشق یوما مشهودا لم یسمع بمثله.
و قبل هذه الواقعة کانت وقعة أخری ذکرها أبو الفداء فی تاریخه فقال: فی هذه السنة عاودت التتر قصد الشام و ساروا إلی الفرات و أقاموا علیها مدة فی أزوارها (بساتینها) و سارت منهم طائفة تقدیر عشرة آلاف فارس و أغاروا علی القریتین و تلک النواحی، و کانت العساکر قد اجتمعت بحماة عند زین الدین کتبغا النائب بحماة و کان مریضا من حین عاد من بلاد سیس، فلما اجتمعت العساکر عنده وقع الاتفاق علی إرسال جماعة من العسکر إلی التتر الذی أغاروا علی القریتین فجردوا أستدمر الکرجی نائب السلطنة بالساحل و جردوا صحبته جماعة من عسکر حلب و جماعة من عسکر حماة و جردونی أیضا من جملتهم، فسرنا من حماة سابع شعبان من هذه السنة و تواقعنا مع التتر علی موضع یقال له الکوم قریبا من عرض، و اقتتلنا معهم یوم السبت عاشر شعبان الموافق لسلخ آذار و صبر الفریقان، ثم نصر اللّه المسلمین و ولی التتر منهزمین و ترجّل منهم جماعة کثیرة عن خیلهم و أحاط المسلمون بهم بعد فراغهم من الوقعة و بذلوا لهم الأمان فلم یقبلوا و قاتلوا بالنشاب و عملوا سروج الخیل ستائر لهم و ناوشهم العسکر القتال من الضحی إلی انفراک الظهر، ثم حملوا علیهم فقتلوهم عن آخرهم، و کان هذا النصر عنوان النصر الثانی، ثم عدنا مؤیدین منصورین و وصلنا حماة ثالث عشر شعبان الموافق لثانی نیسان. (ثم ذکر الواقعة الثانیة بمعنی ما قدمناه عن ابن إیاس إلی أن قال): لما أصبح الصباح و شاهد التتر کثرة المسلمین انحدروا من الجبل یبتدرون الهرب و تبعهم
المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظیمة، و کان فی طریقهم أرض متوحلة فتوحل فیها عالم کثیر من التتر فأخذ بعضهم أسری و قتل بعضهم و جرّد من العسکر الإسلامی جمعا کثیرا مع سلار و ساقوا فی إثر التتر المنهزمین إلی القریتین، و وصل التتر إلی الفرات و هی فی قوة زیادتها فلم یقدروا علی العبور و الذی عبر فیها هلک، فساروا علی جانبها إلی جهة بغداد فأنقطع أکثرهم علی شاطیء الفرات و هلک من الجوع و أخذ منهم العرب جماعة کثیرة و أخلف اللّه تعالی بهذه الوقعة ما جری علی المسلمین فی المصاف الذی کان ببلد حمص قرب مجمع المروج فی سنة تسع و تسعین و ستمائة. و لما حصل هذا النصر العظیم و اجتمعت العساکر بدمشق أعطاهم السلطان الدستور فسارت العساکر الحلبیة و الحمویة و الساحلیة إلی بلادهم فدخلنا حماة مؤیدین منصورین یوم السبت سادس عشر رمضان من هذه السنة الموافق لرابع أیار من شهور الروم اه.سنة 703ذکر الاستیلاء علی تل حمدون
قال ابن کثیر: یوم السبت ثانی عشر رمضان قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر و أضیف إلیها ألفان من دمشق و ساروا و أخذوا معهم نائب حمص الجوکندار و وصلوا إلی حماة فصحبهم نائبها الأمیر سیف الدین قبجق و جاء إلیهم استدمر نائب طرابلس و انضاف إلیهم قراسنقر نائب حلب و انفصلوا کلهم علیها فانفرقوا فرقتین؛ سارت طائفة صحبة قبجق إلی ناحیة ملطیة و قلعة الروم، و الفرقة الأخری صحبة قراسنقر حتی دخلوا الدربندات و حاصروا تل حمدون فتسلموه عنوة فی ثالث ذی القعدة بعد حصار طویل، فدقت البشائر لذلک بدمشق و وقع الاتفاق مع صاحب سیس علی أن یکون للمسلمین من نهر جیحان إلی حلب و بلاد ما وراء النهر إلی ناحیتهم لهم و أن یعجلوا حمل سنتین، و وقعت الهدنة علی ذلک بعد قتل خلق من الأمراء الأرمن و رؤسائهم، و عادت العساکر إلی دمشق مؤیدة منصورة، ثم توجهت العساکر المصریة إلی مصر اه. قال أبو الفداء: لما استولوا علی تل حمدون هدموها إلی الأرض.
سنة 705ذکر إغارة عسکر حلب علی بلاد سیس
قال أبو الفداء: فی أوائل المحرم من هذه السنة الموافق العشر الأخیر من تموز أرسل قراسنقر نائب السلطنة بحلب مع قشتمر مملوکه عسکر حلب للإغارة علی بلاد سیس فدخلوها فی أول الشهر المذکور، و کان قشتمر المذکور ضعیف العقل قلیل التدبیر مشتغلا بالخمر ففرط فی حفظ العسکر و لم یکشف أخبار العدو و استهان بهم، فجمع صاحب سیس جموعا کثیرة من التتر و انضمت إلیهم الأرمن و الفرنج و وصلوا علی غرة إلی قشتمر المذکور و من معه من الأمراء و عسکر حلب و التقوا بالقرب من أیاس، فلم یکن للحلبیین قدرة بمن جاءهم فتولوا یبتدرون الطریق، و تمکنت التتر و الأرمن منهم فقتلوا و أسروا غالبهم و اختفی من سلم فی تلک الجبال و لم یصل إلی حلب منهم إلا القلیل عرایا بغیر خیل. و کان صاحب سیس فی هذه السنة هیثوم بن لیفون بن هیثوم.
سنة 708مسیر السلطان الملک الناصر محمد بن قلاوون إلی الکرک و استیلاء بیبرس الجاشنکیر علی المملکة
قال أبو الفداء: و فی هذه السنة فی الخامس و العشرین من شهر رمضان خرج الملک الناصر محمد بن قلاوون من الدیار المصریة متوجها إلی الحجاز الشریف. و لما وصل إلی الکرک و استقر بها أمر جمال الدین آقوش نائب السلطنة بها و الأمراء الذین حضروا فی خدمته بالمسیر إلی الدیار المصریة و أعلمهم أنه جعل السفر إلی الحجاز وسیلة إلی المقام بالکرک، و کان سبب ذلک استیلاء سلار و بیبرس الجاشنکیر علی المملکة و استبدادهما بالأمور و تجاوز الحد فی الانفراد بالأموال و الأمر و النهی، و لم یترکا للملک الناصر غیر الاسم، فأنف من ذلک و ترک الدیار المصریة و أقام بالکرک، و لما وصلت الأمراء إلی الدیار المصریة و أعلموا من بها بإقامة السلطان بالکرک اتفقوا علی أن تکون السلطنة لبیبرس الجاشنکیر و أن یکون سلار مستمرا علی نیابة السلطنة کما کان علیه و حلفوا علی ذلک. و رکب بیبرس من داره بشعار السلطنة إلی الإیوان الکبیر بقلعة الجبل و جلس علی سریر الملک فی الثالث و العشرین من
شوال هذه السنة أعنی سنة ثمان و سبعمائة و تلقب بالملک المظفر رکن الدین بیبرس المنصوری، و أرسل إلی نواب السلطنة بالشام فحلفوا له عن آخرهم، و کتب تقلیدا لمولانا السلطان بالکرک و منشورا بما عیّنه له من الإقطاع بزعمه و أرسلهما إلیه و استقر الحال علی ذلک حتی خرجت هذه السنة اه.سنة 709دعوة السلطان الملک الناصر محمد بن قلاوون من الکرک إلی دمشق ثم إلی مصر و إقامته فی السلطنة و تولیة حلب لسیف الدین قبجق
فی هذه السنة عاد السلطان محمد بن قلاوون من الکرک إلی دمشق ثم إلی مصر و أعید إلی السلطان لمکاتبات أتت له من أهالی دمشق و حلب، و خلع بیبرس الجاشنکیر نفسه، و استقر الملک الناصر علی سریر ملکهه مستهل شوال من هذه السنة و هی سلطنته الثالثة. و قد بسط أبو الفداء و ابن إیاس القول فی ذلک.
ثم قال أبو الفداء: و أعطی نیابة السلطنة بحلب سیف الدین قبجق و قرر نیابة السلطنة بالشام لشمس الدین قراسنقر (النائب السابق بحلب).
سنة 710ذکر وفاة سیف الدین قبجق و تولیة حلب إلی أسندمر ثم القبض علیه
قال أبو الفداء: فی هذه السنة أعطی مولانا السلطان نیابة السلطنة بالسواحل و الفتوحات لأسندمر و تصدّق علی بحماة و المعرّة و بارین، و أرسل تقلید أسندمر بالسواحل مع منکوتمر الطباخی فوصل إلی دمشق فی الثالث و العشرین من جمادی الأولی و سار إلی حماة فلم یجب أسندمر إلی المسیر إلی الساحل و امتنع من قبول التقلید و الخلعة ورد التقلید صحبة منکوتمر المذکور فعاد به إلی دمشق، و اتفق عند ذلک موت سیف الدین قبجق نائب السلطنة بحلب فی یوم السبت سلخ جمادی الأولی، فلما وصل خبر موته إلی الأبواب الشریفة أنعم السلطان بنیابة حلب علی أسندمر موضع سیف الدین قبجق.
قال ابن الخطیب فی الدر المنتخب فی ترجمته نقلا عن تاریخ شیخه الحسن بن حبیب قال: سنة عشره و سبعمائة و فیها توفی الأمیر سیف الدین قبجق المنصوری نائب السلطنة بحلب، کان عزیز الجانب مشحون الفلک و القارب، معظما فی الدول مصدقا إن قال موفقا إن فعل، موصوفا بالإقدام و الحماسة مشهورا بالمعرفة و الخبرة و السیاسة، و لی نیابة السلطنة بدمشق و حماة قبل حلب، و کانت وفاته بها و نقل إلی تربته بحماة تغمده اللّه برحمته.
قال أبو الفداء: و کان السلطان قد جرد عسکرا مع کرای المنصوری و شمس الدین سنقر الکمالی فساروا و أقاموا بحمص، و لما وصلت إلی حماة عائدا من الأبواب الشریفة رکبوا من حمص و ساقوا لیکبسوا أسندمر بحلب و یبغتوه بها فإنه کان مستشعرا لما کان قد فعله من الجرائم، و أرسل کرای المذکور إلی یعلمنی بمسیرهم و أن أسیر بالعسکر الحموی و أجتمع بهم لهذا المهم، فخرجت من حماة یوم الخمیس تاسع ذی الحجة و سقنا نهار الجمعة و بعض اللیل و وصلنا إلی حلب بعد مضی ثلثی اللیلة المسفرة عن نهار السبت حادی عشر ذی الحجة، و احتطنا بدار النیابة التی فیها أسندمر تحت قلعة حلب و أمسکناه بکرة السبت و اعتقل بقلعة حلب و جهز إلی مصر مقیدا فی یوم الأحد ثانی عشر ذی الحجة، و وصل إلی مصر فاعتقل بها، ثم نقل إلی الکرک و کان آخر العهد به، و احتیط علی موجوده من الخیل و القماش و السلاح و کان شیئا کثیرا و حمل جمیع ذلک إلی بیت المال، و استمر کرای و الکمالی و من معهما من العساکر و العبد الفقیر إسماعیل بن علی مقیمین بحلب حتی خرجت هذه السنة.سنة 711ذکر نقل قراسنقر من نیابة السلطنة بدمشق إلی حلب
قال أبو الفداء: فی هذه السنة لما قبض علی أسندمر سأل قراسنقر نائب السلطنة بدمشق من مولانا السلطان أن ینقله إلی نیابة السلطنة بالمملکة الحلبیة لأنه کان قد طال مقامه بها و ألف سکنی حلب، فرسم له بذلک و حصر تقلیده بولایة حلب مع الأمیر سیف الدین أرغون الدوادار الناصری، و سار فی صحبته من دمشق متوجها إلی حلب و حصل عند قراسنقر استشعار من العسکر المقیمین بحلب لئلا یقبضوا علیه، و بقی المقر السیفی
أرغون الدودار الناصری المذکور یطیّب خاطر قراسنقر و یحلف له علی عدم توهمه و یسکنه و یثبت جأشه حتی وصل إلی حلب و رکبت العساکر المقیمون بحلب لملتقاه، فالتقیناه و دخل حلب فی یوم الاثنین ثامن عشر محرم من هذه السنة و استقر فی نیابة السلطنة بحلب و أعطی المقر السیفی أرغون الناصری عطاء جزیلا و سفره، و سار المقر السیفی أرغون المذکور من حلب یوم الأربعاء لعشرین من المحرم و توجه إلی الدیار المصریة، فأقمنا بعد ذلک مدة ثم ورد الدستور إلی العساکر المقیمة بحلب فسرنا منها فی یوم الجمعة الحادی و العشرین من صفر عائدین إلی أوطاننا.ذکر مسیر قراسنقر إلی الحجاز و إظهاره العصیان و قصده حلب
قال أبو الفداء: و فی هذه السنة سأل قراسنقر دستورا إلی الحجاز الشریف لقضاء حجة الفرض، فرسم له السلطان بذلک فعمل شغله و سار من حلب فی أوائل شوال من هذه السنة، و لم یسر علی الطریق و سار علی طرف البلاد من شرقیها حتی وصل إلی برکة زیزا فحصل عنده التخیّل و الخوف من الرکب المصری لئلا یقبضوا علیه فی الحجاز، فعاد من برکة زیزا علی البریة و سار علی البر إلی أرکة و السخنة ثم إلی بر حلب و اجتمع مع مهنّا ابن عیسی أمیر العرب، و اتفقا علی المشاققة و العصیان، و قصد قراسنقر حلب لیستولی علیها فاجتمع العسکر و الأمراء الذین بها و منعوه من الدخول إلیها. و وصل من صدقات السلطان إلی قراسنقر و مهنّا ما یطیب خاطرهما فلم یرجعا عن ضلالهما و أصرّا علی ذلک، فجرد السلطان عسکرا مع المقر السیفی أرغون الدوادار الناصری و مع الأمیر حسام الدین قرالاجین بسبب قراسنقر المذکور بحیث إن رجع عن الشقاق و النفاق یقرر أمره فی مکان یختاره و إن لم یرجع عن ذلک یقصده العسکر حیث کان. و وصل العسکر المذکور إلی حماة سادس ذی الحجة. و سرت بصحبتهم فی عسکر حماة و توجهنا إلی البریة بالخام بالقرب من الزرقا حادی عشر ذی الحجة، فاندفع قراسنقر إلی الفرات و أقام هناک و افترقت ممالیکه، فبعضهم سار إلی التتر و بعضهم قدم إلی الطاعة. ثم توجه قراسنقر إلی جهة مهنّا فعادت العساکر من الخام إلی حلب، و کان دخولنا إلیها رابع عشر ذی الحجة من السنة، ثم کان ما سنذکره إن شاء اللّه تعالی.