و بقی الأکابر من العلماء و غیرهم عنده إلی عصر الیوم الثانی و هم فی وجل عظیم بحیث لم یجسر أحد من المتخلفین من أهل حلب علی أن یأتی بخبر المرسم علیهم عنده من خیر أو شر أو یصل إلیهم من بعید، ثم أطلق طائفة من الأکابر و أخری من المتهمین و أبقی عنده العلماء لیلة ثانیة و لکن مع الإکرام و الاحترام فی الغداء و العشاء، ثم سجن بقلعة حلب فی سجنها و جامعها طائفة من العلماء و غیرهم بعد أن عین معهم طائفة من عسکره متسلحین لیسوقوهم إلی القلعة ما بین ماش مربوط الیدین و آخر مسلسل العنق علی وجه لا یعلمون مآل أمرهم.
ثم کان مآله أن ساق غالبهم إلی رودس حتی أقاموا بها سنین ثم خرجوا منها بشفاعات و کفالات إلا بعضا منهم. ثم کانت وفاته بدمشق و هو بحسرة الوزارة التی کان یؤملها سنة خمسین. و بقیة ترجمته تجدها فی در الحبب.سنة 937 ذکر تولیة حلب لموسی بک الخالدی بن أسفندیار
قال فی السالنامة: ولی حلب فی هذه السنة موسی بک الخالدی ابن أسفندیار.
قال فی در الحبب فی ترجمته: هو موسی بک کافل حلب المشهور بابن أسفندیار الخالدی لأنه کان من ذریة خالد بن الولید رضی اللّه عنه فیما ذکره لی، و کان ترابیا یلبس الصوف و یتواضع لأهل العلم و تحاشی أصحابه عن کثیر من المظالم. عزل عن حلب، ثم حج بعد مدة فمر بها، ثم غزا الکرج فقتلوه سنة تسع و أربعین و تسعمائة.
سنة 938 تولیة حلب لخسرو باشا صاحب المدرسة الخسرویةاشارة
قال فی السالنامة: ولی حلب فی هذه السنة خسروباشا، قال فی در الحبب فی ترجمته: ولی کفالة حلب فی الدولة العثمانیة و أنشأ بها حوضه الذی شکره علیه کافة أهلها لوقوعه بجوار جامع دمرداش فی محل وقع فیه الاحتیاج إلیه. ثم ولی کفالة مصر سنة إحدی و أربعین عوضا عن سلیمان باشا الخادم، ثم صار وزیرا رابعا بعد أن صار سلیمان باشا الخادم
وزیرا أعظم فوقع بینهما بالدیوان العالی قیل و قال، و الخنکار (السلطان) یسمع من مکان عال، فأحضرهما فلم یتأدبا فعزلهما معا فحصل لخسرو باشا حالة صار یقطع فیها أکمامه بأسنانه تقطیعا و مات قبل الأسبوع، و کان قبل الوفاة قد أمر عتیقه فروخ کیخیا أن ینشیء له بحلب جامعا و تکیة، و أتم عمارتهما سنة إحدی و خمسین و تسعمائة، و بعد وفاته جدد له خانا و سوقا یکونان وقفا علی جامعه و تکیته، و أدخل من أدخل فی حدود الخان مسجدا قدیما کان یعرف بمسجد البهائی و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلی العظیم اه.
و قال فی در الحبب فی ترجمة فروخ: ابن عبد المنان الرومی الخسروی مولی خسرو باشا الوزیر الرابع فی الدولة السلیمانیة، کان کتخداه و هو کافل حلب، فلما تولی الوزارة أمره بإنشاء جامع و تکیة بها فقام بإنشائها بمشارفة معمار رومی نصرانی و لکن بعد إیذاء المعماریة بالضرب و غیره و إدخال عدة أوقاف فیها منها الدار التی عمرها و أوقفها المحب أبو الفضل ابن الشحنة و المدرسة الأسدیة الملاصقة لها و مسجد ابن عنتر الملاصق لها، و کانت هذه الدار أحد دور حلب العظام مشتملة کما ذکره منشئها فی تاریخه علی جنینة و بحرة و سبع قاعات، بل کان بها فرن یشتغل بها و طشتخاناه و إصطبلات تلیق بها و آبار لخزن الغلال و دهلیز یصل إلی حمامه المشهور بحمام القاضی. و اتفق فی هذه المدرسة أن جعلت میضاة للتکیة المذکورة و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلی العظیم. و اتفق فی محرابها عند تخزینه أن وجدوا تحته صندوقا من الحجر طوله أزید من ذراع و عرضه نصف ذراع و فیه تراب لونه بنفسجی لم یدروا ما هو، و فی أعمدة التکیة المذکورة عمودان کانا للمدرسة المقدمیة الکائنة بزقاق سلار بحلب فأخذهما و متولیها إذ ذاک محمد جلبی ابن المرعشی و لم ینتطح فیها عنزان. ثم ساق بقیة ترجمة فروخ و ذکر أن وفاته کانت سنة 969 و هو مع السلطان سلیم الثانی فی قتال أخیه السلطان بیازید.الکلام علی الخان المعروف بخان قورت بک
أقول: موقع هذا الخان الذی من جملة أوقاف المدرسة الخسرویة فی المحلة المعروفة بسویقة علی، و هو خان عظیم البناء متسع الأرجاء لم یزل بناؤه قائما من عهد الواقف، و قد کان فی ید دائرة الأوقاف تؤجره و تؤجر الحوانیت التی أخرجت من جداره الشرقی و تصرف ریعه فی مصالح المدرسة المذکورة إلی السنة الماضیة و هی سنة 1342 ه 1924 م ففیها تلقت
الحکومة أمرا من المفوض السامی للجمهوریة الإفرنسیة فی سوریة و لبنان و هو (ویغان) بلزوم تسلیم الخان إلی ورثة شکری البلیط من الطائفة المسیحیة فی حلب و هذه صورته:
قرار رقم 2256.
المادة الأولی: إن مستغلة خان قورت بک التابعة لوقف خسرو باشا الکائنة فی نفس حلب ترد إلی ورثة شکری البلیط تحت الشکل المسمی أجارتین و یعطی لهم بذلک سندات من دائرة تسجیلات الأملاک (الطابو) من طرف مأمور الدفتر الخاقانی.
المادة الثانیة: یرد العقار بلا مقابل و بالحالة الموجودة فیها، و إن هذه المعاملة لا تقید معجلة بل مؤجلة و ذلک اعتبارا من تطبیق هذا القرار. وفقا للأحکام کل دعوی تقام من طرف ورثة شکری البلیط علی إدارة الأوقاف إما بطلب البدلات المدفوعة قبل هذا القرار أو بطلب تضمینات و خلافه تعد غیر مقبولة.
المادة الثالثة: یوضع هذا القرار موضع الإجراء اعتبارا من 5 شباط سنة 1924.
المادة الرابعة: أمین السر العام و المندوب لدی المراقبة العامة و مراقب الأوقاف الإسلامیة العام مکلفون بتنفیذ هذا القرار.
بیروت فی 28 کانون الثانی سنة 1924 المفوض السامی و یغان
و هنا دائرة الأوقاف قد اضطرت بمقتضی هذا القرار أن تسلم الخان مع جمیع مشتملاته اعتبارا من التاریخ المتقدم إلی أبناء البلیط.
و نحن نبین ملخصا الأسباب التی دعت إلی تسلیم هذا الخان إلی أبناء البلیط فنقول:
فی سنة 1266 کان المتولی علی وقف خسرو باشا محمد أنیس الخسروی، فاستأذن من المحکمة الشرعیة أن یؤجر هذا الخان علی طریقة الأجارتین و بین أن العقار تهدم من تأثیر زلزلة سنة 1237 و أن إیراد الوقف لا یکفی للترمیم اللازم، فأذن له قاضی حلب (عامله اللّه بما یستحق) فأجر ثلاثة أرباعه بالأجارتین إلی نسیبة بنت عبد المجید و الربع الباقی إلی زکی بک شریف ابن الحاج شریف و ذلک فی شوال من هذه السنة. و فی المحرم من سنة 1267 فرغت نسیبة حصتها لأحمد نظیف ابن سلیمان و هو فرغ تلک الحصة فی شوال سنة 1273 إلی ابنه أحمد بک و ابنته خدیجة، و هذان مع زکی بک صاحب الربع فرغا العقار کله فی 27 أیار سنة 1287 إلی شکری البلیط بمبلغ معجل هو 75 ألفا و ببدل مؤجل سنوی هو ألف قرش
یوازی البدل المعجل المدفوع سلفا، و بوفاة البلیط سنة 1303 انتقل العقار لاسم ورثته و حررت سندات طابو باسمهم بحجة أن حقوق تصرف البلیط هی بمقتضی الفراغة المتعاقبة التی جرت.
ثم أقام علی رضا أفندی الزعیم الذی صار متولیا علی أوقاف خسرو باشا دعوی لدی المحکمة الشرعیة علی أبناء البلیط مبینا اغتصابهم لهذا العقار الوقف و عدم صحة هذه الأجارة لأن البناء قائم من عهد واقفه و آثار القدم تظهر علیه لأول نظرة و لیس هو عبارة عن مکان خرب تماما و لا یعطی أدنی إیراد کما ذکر متولیه محمد أنیس الخسروی و کما شهد لذلک بعض الشهود. و بعد محاکمات طویلة أصدرت المحکمة الشرعیة فی 19 شعبان سنة 1314 حکما شرعیا ببطلان معاملة الأجارتین نظرا لمخالفتها لحقیقة الحال فی هذا البناء و لزوم إعادة الخان لدائرة الأوقاف، و عندئذ تداخلت القنصلیة الإفرنسیة فی حلب و السفارة الإفرنسیة فی الآستانة فحول الصدر الأعظم [فی الآستانة] المسألة إلی شوری الدولة و أصدر إلی ولایة حلب أمرا بتأجیل تنفیذ الحکم بکتاب فی 10 أیار سنة 1314، و علی هذه الصورة ظلت القضیة متوقفة حتی سنة إعلان الدستور العثمانی (1324- 1908) ففیها أعیدت تلک القضیة إلی بساط البحث و تبودلت بشأنها المراسلات العدیدة بین الصدارة العظمی و وزارة العدلیة و نظارة الأوقاف و المشیخة الإسلامیة فی الآستانة، و أخیرا قرر وجوب تنفیذ الحکم فنفذ سنة 1328 و أعید الخان مع ما اشتمل علیه إلی دائرة الأوقاف و بقی فی یدها إلی السنة الماضیة ففیها سلم إلی ورثة البلیط کما قدمنا.
و الناس هنا قد تلقوا هذا القرار و تسلیم الخان إلی أبناء البلیط بملء الدهشة و عظیم الاستغراب لأن ذلک من وظائف المحاکم الشرعیة و العدلیة، و رفعوا بذلک عدة عرائض إلی حاکم مدینة حلب الحالی سعادة مرعی باشا الملاح محتجین علی هذه المعاملة المخالفة للشرع و القانون العثمانی بل لقوانین الأمم جمیعها.تشبث سعادته فی هذه القضیة
لما رفعت إلیه تلک العرائض کتب لفخامة الجنرال ما ترجمته:
أتشرف بأن أقدم لحضور فخامتکم ثمانی عرائض و خمس منها وردت لی قبل ثلاثة أیام و الثلاث الأخیرة منذ یومین بتوقیع المئات من المشایخ و الوجهاء و طلاب العلوم و رؤساء المحلات
ینتقدون فیها أمر تسلیم خان قورت بک إلی ورثة شکری البلیط و إنی أری أن هذا الانتقاد هو فی محله من أوجه:
أولا: إن قلب هذا الخان من حالة الأجارة الواحدة إلی الأجارتین کان غیر صحیح لأن العقار الموقوف ذا الأجارة الواحدة لا یجوز قلبه إلی أجارتین إلا إذا تهدم تماما و کان لا یوجد فی الوقف المربوط به ما یساعده علی تعمیره و إرجاعه إلی حالته الأصلیة مع أن بنایة الخان المذکور الموجودة تحت المشاهدة تعلن بأنها قدیمة و لم یطرأ علیها خراب ما.
ثانیا: إن متولی الوقف کان أقام دعوی علی الورثة الموما إلیهم و استحصل حکما شرعیا صودق علیه من مرجعه الإیجابی و هو مجلس التدقیقات الشرعیة، و بهذه الصورة قد صار هذا الحکم قضیة محکمة لا مسوغ لإبطالها لا شرعا و لا قانونا.
ثالثا: إن هذه المسألة کانت قد وضعت علی بساط البحث فی مجلس الأوقاف الأعلی الذی انعقد فی الشام سنة 1922 م و قد تقرر فی القرار رقم 40 من مقررات هذا المجلس رد طلب الورثة الموما إلیهم، و قد جری التصدیق علی جمیع هذه القرارات و من جملتها القرار المذکور من قبل مندوب المفوض السامی لدی مراقبة الأوقاف الإسلامیة حضرة الموسیو جناردی و طبعت هذه المقررات و نشرت فی کافة أنحاء سوریة. ثم وضعت هذه القضیة فی جلسة المجلس المشار إلیه فی 9 حزیران سنة 1923 فصدر قرار نمرة (31) یصرح بأنه لم یر أمر جدید یوجب تعدیل القرار السابق ذی الرقم (40) و أن ما ذکر فی کتاب حضرة المندوب من وجود إرادة سنیة تقضی بقاء الحکم المذکور بلا تنفیذ لم یظفر بها بین الأوراق المذکورة، بل ذکر فی أواخر قرار الشوری العثمانی المؤرخ فی 29 تشرین الأول سنة 1328 ما یفهم منه عدم وجود إرادة سنیة بتأخیر التنفیذ فلم یبق صلاحیة لمجلس الأوقاف الأعلی للبحث فی المسألة المذکورة مرة ثانیة و علیه تقرر إعادتها لحضرة المندوب المشار إلیه.
و بناء علی ما ذکر فإنی أعتقد أن القرار الصادر أخیرا بلزوم تسلیم الخان المذکور للورثة الموما إلیهم قد حصل من باب السهو. نعم یمکن أن یقال إن الورثة الموما إلیهم و الأصح أن مورثهم قد تضرر فی هذه القضیة، فحبا للعدالة التی تخلص الذمة أمام اللّه یمکننا أن نقول فی مثل هذه الحالة إن الجهل معذرة و بناء علیه یلزم أن یحسب ما کان دفع بدلا عن استفراغ هذا الخان و ما صرف علی ما جدد فیه و مقابلة ذلک ما استغلوا من آجاره مدة وجوده تحت یدهم
و حساب فائض قانونی لهاتین الجهتین و یعوض علی الورثة ما یظهر لدی الحساب أنهم خسروه باعتبار هذه النتیجة من غلة الوقف، و یبقی الخان المذکور لواقفه کما هو الحکم الشرعی الذی لا یقبل الاعتراض. فإن تحسن لدی فخامتکم ما عرض تکرموا بإجراء الإیجاب. اه.
فی 27 شباط سنة 1924.
و الجنرال أرسل هذه اللائحة إلی الموسیو جناردی مندوب المفوض السامی لدی مراقبة الأوقاف الإسلامیة العامة فکتب لائحة طویلة الذیل ذکر فی أولها أصل القضیة و المحاکمات التی حصلت فیها إلی أن اکتسبت دائرة الأوقات الدعوی فی هذا الخان بصورة قطعیة. ثم قال:
إن البیان المسرود أعلاه یثبت بصورة لا ترد أن حقوق ورثة شکری البلیط قد ماتت و لم یبق فی الإمکان إحیاؤها لأن إدارة الأوقاف و هی واضعة الید بموجب حکم مکتسب الدرجة القطعیة منفذ قطعی غیر قابل للاعتراض و لا یمکنها إجابة مدعیات الورثة الذین یطلبون إلغاء الحکم المذکور مع جمیع نتائجه الحقوقیة (إعادة تسلیم الخان و العطل و الضرر و دفع بدلات الآجار التی حصلتها دائرة الأوقاف الخ).
و لکن من الجهة الثانیة من الممکن التسلیم بحجة مجلس الشوری بدون إحداث سابقة وخیمة. إن صدق نیة آل البلیط فی هذه القضیة لا یقبل الشک، فهم قد صرفوا ما کانوا یملکون أعنی 20 ألف لیرة ذهبا لأجل ترمیم العقار و توسیعه، و أغلب الظن أنهم لو خامرهم أدنی ریب فی صحة حقوقهم لما کانوا أنفقوا مبلغا هذا مقداره فضلا عن ذلک کما اعترفت القرارات التی أصدرها مجلس شوری الدولة سنة 1326 إن ورثة البلیط لم یکن فی استطاعتهم فی ذلک الحین و من باب أولی الآن أن یثبتوا حقوقهم و یحصلوها من البائعین أو ورثتهم و منهم من توفی و من هو غائب و من لا یملک شیئا.
ثم قال: و من وجهة أخری إن التسویة المفتکر بها یقتضی فیها طرح سؤالین مقدما و هما:
1- هل توقیف حکم حقوقی مطابق للأحکام القانونیة.
2- هل لمفوض الجمهوریة الإفرنسیة السامی السلطة اللازمة لاتخاذ قرار کهذا.
الجواب علی السؤال الأول لا مجال فیه للشک، إن مجلس الشوری العثمانی و هو الهیئة العلیا لتأویل القانون فی ترکیا قد اعترف للسلطان بحق توقیف مفعول مکتسب الدرجة القطعیة
و هو حق أیده التعامل المتعارف و أیدته التقالید، فضلا عن ذلک هذا التعامل لا یناقض أحکام المجلة علی ما یلوح لی. ثم قال:
أما الجواب علی السؤال الثانی فلا یقل عن الأول وضوحا، إن بلاد سوریة لم تزل خاضعة للنظام الساری علی بلاد العدو المحتلة و ذلک إلی أن یبرم الصلح. و مفوض الجمهوریة الإفرنسیة یستجمع فی شخصه جمیع أنواع سلطة الجمهوریة الإفرنسیة الدولة المحتلة، فهو إذا بحسب أصول الحق العام و الاتفاقات الدولیة یمارس سلطة الفعل القائمة مقام سلطة القانون ضمن الکیفیة المحددة فی المواد 43 و ما یلیها من القانون الملحق باتفاق لاهای سنة 1907 و هو حائز الصلاحیة علی الأخص لاتخاذ کل قرار هو من صلاحیة السلطة الشرعیة ما عدا ما منع اتخاذه بموجب القانون الآنف الذکر، و لا سیما فیما یتعلق بالأملاک العائدة للدولة یجوز اتخاذ أی قرار بشأن التصرف بها و استقلالها بشرط أن لا یأمر بإصدار أحکام قطعیة.
فالأوقاف الملحقة بإدارة الحکومة تدخل ضمن هذا الصنف من الأملاک (ما شاء اللّه) و المفوض السامی یجوز له أن یأمر أو یأذن حسب الأحکام القانونیة المرعیة بإجراء أی من الأعمال التی تتعلق بأحکام التصرف.
فالوسیلة المقترح اتخاذها لا ینجم عنها أنها تؤدی إلی بیع الرقبة حتی و لا انتقال التصرف، و لکنها فقط عبارة عن إحداث حق عقاری لمنفعة شخص ثالث یتضمن حق الاستئجار الدائم الذی تظل صحته مشترطا فیها أن یدفع هذا الشخص الرسوم المحددة فی القانون.
الإمضاء: جناردی
أقول: هذا ما استند علیه الموسیو جناردی فی لزوم تسلیم الخان و مشتملاته إلی أبناء البلیط و کل ذلک کما تری بالبداهة أمور واهیة لا اعتبار لها فی نظر أحکام الأوقاف الإسلامیة و القوانین العثمانیة المرعیة، و یستغرب منه جدا اعتباره الأوقاف الملحقة بإدارة الحکومة من قبیل الأملاک العائدة للدولة و تجویز اتخاذ أی قرار بشأن التصرف بها.
و هذه اللائحة أعیدت للجنرال و منه لحاکم حلب سعادة مرعی باشا الملاح مرة ثانیة فکتب ردا علیها ما یأتی:
أتشرف أن أجیب علی المذکرة الصادرة عن الموسیو جناردی الواردة مع کتاب فخامتکم المؤرخ فی 1 آذار سنة 1924 بما یأتی:
1- أن تعریف الغصب نظرا للأحکام الشرعیة هو إزالة الید المحقة و وضع الید غیر المحقة بأی صورة کانت.
2- أن قلب عقار موقوف قائم البناء من الأجارة الواحدة إلی الأجارتین لا مسوغ له، و أساسا لا یوجد حکم شرعی یجوز قلب العقار الموقوف من الأجارة الواحدة إلی الأجارتین، إنما جوز ذلک خلافا للقیاس علی ضرورة عدم وجود غلة تمکن من تعمیر ما خرب من العقارات الموقوفة.
3- أن الفراغ وقع باسم شکری البلیط، کما و أن الموما إلیه کان خصما فی الدعوی التی أقیمت علیه من قبل أحد ورثة فارغی هذا الخان قبل أربعین سنة تقریبا فی محکمة بدایة حقوق حلب و استؤنفت فی محکمة استئنافها و أن المراجعات الأخیرة واقعة من قبل ورثة شکری البلیط، کل ذلک ینفی قول الورثة الموما إلیهم بأن بطریرکیة الأرمن الکاتولیک هی ذات علاقة بالخان المذکور، و أما ذکرهم لذلک فی وقته کان ناشئا عن الأمل بمداخلة البطریرکیة المشار إلیها کی یتمکنوا من امتلاک الخان المذکور، و بالفعل تداخلت البطریریکیة المشار إلیها بالأمر و التجأت إلی سفارة دولة فرانسة الفخیمة فی الآستانة، و بهذه الواسطة کان الصدر الأعظم وقتئذ أبرق إلی والی حلب بتأجیل تنفیذ الحکم الصادر بتسلیم الخان المذکور إلی دائرة الأوقاف، فی حین أن الصدر الأعظم لا یملک هذه الصلاحیة، و لا یمکن تأویل ذلک بسوی أن الصدر الأعظم أراد أن یکسب وقتا لغایة لا یعلمها غیره لأنه لیس الصدر الأعظم فقط بل السلطان ذاته لیس نائلا هذا الحق من قبل الشرع الإسلامی.
4- أن وقوع الفراغ بإجازة من المتولی و بالتواطؤ مع بعض أعیان حلب لیس له قیمة شرعیة و لا یسوغ إجازة قلب الخان المذکور من الأجارة الواحدة إلی الأجارتین.
5- أن بین تاریخ 27 أیار سنة 1287 الذی هو تاریخ تصرف شکری البلیط و بین صدور الحکم علیه ببطلان معاملة الأجارتین فی شعبان سنة 1314 بقطع النظر عن تاریخ تقدم هذه الدعوی لم یمر أزید من سبع و عشرین سنة، و کما هو معلوم إن الدعاوی المتعلقة برقبة الوقف هی سنة و ثلاثون سنة کما هو مصرح بذلک فی المادة (1662) من المجلة الجلیلة.