بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 153


ینتقدون فیها أمر تسلیم خان قورت بک إلی ورثة شکری البلیط و إنی أری أن هذا الانتقاد هو فی محله من أوجه:
أولا: إن قلب هذا الخان من حالة الأجارة الواحدة إلی الأجارتین کان غیر صحیح لأن العقار الموقوف ذا الأجارة الواحدة لا یجوز قلبه إلی أجارتین إلا إذا تهدم تماما و کان لا یوجد فی الوقف المربوط به ما یساعده علی تعمیره و إرجاعه إلی حالته الأصلیة مع أن بنایة الخان المذکور الموجودة تحت المشاهدة تعلن بأنها قدیمة و لم یطرأ علیها خراب ما.
ثانیا: إن متولی الوقف کان أقام دعوی علی الورثة الموما إلیهم و استحصل حکما شرعیا صودق علیه من مرجعه الإیجابی و هو مجلس التدقیقات الشرعیة، و بهذه الصورة قد صار هذا الحکم قضیة محکمة لا مسوغ لإبطالها لا شرعا و لا قانونا.
ثالثا: إن هذه المسألة کانت قد وضعت علی بساط البحث فی مجلس الأوقاف الأعلی الذی انعقد فی الشام سنة 1922 م و قد تقرر فی القرار رقم 40 من مقررات هذا المجلس رد طلب الورثة الموما إلیهم، و قد جری التصدیق علی جمیع هذه القرارات و من جملتها القرار المذکور من قبل مندوب المفوض السامی لدی مراقبة الأوقاف الإسلامیة حضرة الموسیو جناردی و طبعت هذه المقررات و نشرت فی کافة أنحاء سوریة. ثم وضعت هذه القضیة فی جلسة المجلس المشار إلیه فی 9 حزیران سنة 1923 فصدر قرار نمرة (31) یصرح بأنه لم یر أمر جدید یوجب تعدیل القرار السابق ذی الرقم (40) و أن ما ذکر فی کتاب حضرة المندوب من وجود إرادة سنیة تقضی بقاء الحکم المذکور بلا تنفیذ لم یظفر بها بین الأوراق المذکورة، بل ذکر فی أواخر قرار الشوری العثمانی المؤرخ فی 29 تشرین الأول سنة 1328 ما یفهم منه عدم وجود إرادة سنیة بتأخیر التنفیذ فلم یبق صلاحیة لمجلس الأوقاف الأعلی للبحث فی المسألة المذکورة مرة ثانیة و علیه تقرر إعادتها لحضرة المندوب المشار إلیه.
و بناء علی ما ذکر فإنی أعتقد أن القرار الصادر أخیرا بلزوم تسلیم الخان المذکور للورثة الموما إلیهم قد حصل من باب السهو. نعم یمکن أن یقال إن الورثة الموما إلیهم و الأصح أن مورثهم قد تضرر فی هذه القضیة، فحبا للعدالة التی تخلص الذمة أمام اللّه یمکننا أن نقول فی مثل هذه الحالة إن الجهل معذرة و بناء علیه یلزم أن یحسب ما کان دفع بدلا عن استفراغ هذا الخان و ما صرف علی ما جدد فیه و مقابلة ذلک ما استغلوا من آجاره مدة وجوده تحت یدهم


صفحه 154


و حساب فائض قانونی لهاتین الجهتین و یعوض علی الورثة ما یظهر لدی الحساب أنهم خسروه باعتبار هذه النتیجة من غلة الوقف، و یبقی الخان المذکور لواقفه کما هو الحکم الشرعی الذی لا یقبل الاعتراض. فإن تحسن لدی فخامتکم ما عرض تکرموا بإجراء الإیجاب. اه.
فی 27 شباط سنة 1924.
و الجنرال أرسل هذه اللائحة إلی الموسیو جناردی مندوب المفوض السامی لدی مراقبة الأوقاف الإسلامیة العامة فکتب لائحة طویلة الذیل ذکر فی أولها أصل القضیة و المحاکمات التی حصلت فیها إلی أن اکتسبت دائرة الأوقات الدعوی فی هذا الخان بصورة قطعیة. ثم قال:
إن البیان المسرود أعلاه یثبت بصورة لا ترد أن حقوق ورثة شکری البلیط قد ماتت و لم یبق فی الإمکان إحیاؤها لأن إدارة الأوقاف و هی واضعة الید بموجب حکم مکتسب الدرجة القطعیة منفذ قطعی غیر قابل للاعتراض و لا یمکنها إجابة مدعیات الورثة الذین یطلبون إلغاء الحکم المذکور مع جمیع نتائجه الحقوقیة (إعادة تسلیم الخان و العطل و الضرر و دفع بدلات الآجار التی حصلتها دائرة الأوقاف الخ).
و لکن من الجهة الثانیة من الممکن التسلیم بحجة مجلس الشوری بدون إحداث سابقة وخیمة. إن صدق نیة آل البلیط فی هذه القضیة لا یقبل الشک، فهم قد صرفوا ما کانوا یملکون أعنی 20 ألف لیرة ذهبا لأجل ترمیم العقار و توسیعه، و أغلب الظن أنهم لو خامرهم أدنی ریب فی صحة حقوقهم لما کانوا أنفقوا مبلغا هذا مقداره فضلا عن ذلک کما اعترفت القرارات التی أصدرها مجلس شوری الدولة سنة 1326 إن ورثة البلیط لم یکن فی استطاعتهم فی ذلک الحین و من باب أولی الآن أن یثبتوا حقوقهم و یحصلوها من البائعین أو ورثتهم و منهم من توفی و من هو غائب و من لا یملک شیئا.
ثم قال: و من وجهة أخری إن التسویة المفتکر بها یقتضی فیها طرح سؤالین مقدما و هما:
1- هل توقیف حکم حقوقی مطابق للأحکام القانونیة.
2- هل لمفوض الجمهوریة الإفرنسیة السامی السلطة اللازمة لاتخاذ قرار کهذا.
الجواب علی السؤال الأول لا مجال فیه للشک، إن مجلس الشوری العثمانی و هو الهیئة العلیا لتأویل القانون فی ترکیا قد اعترف للسلطان بحق توقیف مفعول مکتسب الدرجة القطعیة


صفحه 155


و هو حق أیده التعامل المتعارف و أیدته التقالید، فضلا عن ذلک هذا التعامل لا یناقض أحکام المجلة علی ما یلوح لی. ثم قال:
أما الجواب علی السؤال الثانی فلا یقل عن الأول وضوحا، إن بلاد سوریة لم تزل خاضعة للنظام الساری علی بلاد العدو المحتلة و ذلک إلی أن یبرم الصلح. و مفوض الجمهوریة الإفرنسیة یستجمع فی شخصه جمیع أنواع سلطة الجمهوریة الإفرنسیة الدولة المحتلة، فهو إذا بحسب أصول الحق العام و الاتفاقات الدولیة یمارس سلطة الفعل القائمة مقام سلطة القانون ضمن الکیفیة المحددة فی المواد 43 و ما یلیها من القانون الملحق باتفاق لاهای سنة 1907 و هو حائز الصلاحیة علی الأخص لاتخاذ کل قرار هو من صلاحیة السلطة الشرعیة ما عدا ما منع اتخاذه بموجب القانون الآنف الذکر، و لا سیما فیما یتعلق بالأملاک العائدة للدولة یجوز اتخاذ أی قرار بشأن التصرف بها و استقلالها بشرط أن لا یأمر بإصدار أحکام قطعیة.
فالأوقاف الملحقة بإدارة الحکومة تدخل ضمن هذا الصنف من الأملاک (ما شاء اللّه) و المفوض السامی یجوز له أن یأمر أو یأذن حسب الأحکام القانونیة المرعیة بإجراء أی من الأعمال التی تتعلق بأحکام التصرف.
فالوسیلة المقترح اتخاذها لا ینجم عنها أنها تؤدی إلی بیع الرقبة حتی و لا انتقال التصرف، و لکنها فقط عبارة عن إحداث حق عقاری لمنفعة شخص ثالث یتضمن حق الاستئجار الدائم الذی تظل صحته مشترطا فیها أن یدفع هذا الشخص الرسوم المحددة فی القانون.
الإمضاء: جناردی
أقول: هذا ما استند علیه الموسیو جناردی فی لزوم تسلیم الخان و مشتملاته إلی أبناء البلیط و کل ذلک کما تری بالبداهة أمور واهیة لا اعتبار لها فی نظر أحکام الأوقاف الإسلامیة و القوانین العثمانیة المرعیة، و یستغرب منه جدا اعتباره الأوقاف الملحقة بإدارة الحکومة من قبیل الأملاک العائدة للدولة و تجویز اتخاذ أی قرار بشأن التصرف بها.
و هذه اللائحة أعیدت للجنرال و منه لحاکم حلب سعادة مرعی باشا الملاح مرة ثانیة فکتب ردا علیها ما یأتی:


صفحه 156


أتشرف أن أجیب علی المذکرة الصادرة عن الموسیو جناردی الواردة مع کتاب فخامتکم المؤرخ فی 1 آذار سنة 1924 بما یأتی:
1- أن تعریف الغصب نظرا للأحکام الشرعیة هو إزالة الید المحقة و وضع الید غیر المحقة بأی صورة کانت.
2- أن قلب عقار موقوف قائم البناء من الأجارة الواحدة إلی الأجارتین لا مسوغ له، و أساسا لا یوجد حکم شرعی یجوز قلب العقار الموقوف من الأجارة الواحدة إلی الأجارتین، إنما جوز ذلک خلافا للقیاس علی ضرورة عدم وجود غلة تمکن من تعمیر ما خرب من العقارات الموقوفة.
3- أن الفراغ وقع باسم شکری البلیط، کما و أن الموما إلیه کان خصما فی الدعوی التی أقیمت علیه من قبل أحد ورثة فارغی هذا الخان قبل أربعین سنة تقریبا فی محکمة بدایة حقوق حلب و استؤنفت فی محکمة استئنافها و أن المراجعات الأخیرة واقعة من قبل ورثة شکری البلیط، کل ذلک ینفی قول الورثة الموما إلیهم بأن بطریرکیة الأرمن الکاتولیک هی ذات علاقة بالخان المذکور، و أما ذکرهم لذلک فی وقته کان ناشئا عن الأمل بمداخلة البطریرکیة المشار إلیها کی یتمکنوا من امتلاک الخان المذکور، و بالفعل تداخلت البطریریکیة المشار إلیها بالأمر و التجأت إلی سفارة دولة فرانسة الفخیمة فی الآستانة، و بهذه الواسطة کان الصدر الأعظم وقتئذ أبرق إلی والی حلب بتأجیل تنفیذ الحکم الصادر بتسلیم الخان المذکور إلی دائرة الأوقاف، فی حین أن الصدر الأعظم لا یملک هذه الصلاحیة، و لا یمکن تأویل ذلک بسوی أن الصدر الأعظم أراد أن یکسب وقتا لغایة لا یعلمها غیره لأنه لیس الصدر الأعظم فقط بل السلطان ذاته لیس نائلا هذا الحق من قبل الشرع الإسلامی.
4- أن وقوع الفراغ بإجازة من المتولی و بالتواطؤ مع بعض أعیان حلب لیس له قیمة شرعیة و لا یسوغ إجازة قلب الخان المذکور من الأجارة الواحدة إلی الأجارتین.
5- أن بین تاریخ 27 أیار سنة 1287 الذی هو تاریخ تصرف شکری البلیط و بین صدور الحکم علیه ببطلان معاملة الأجارتین فی شعبان سنة 1314 بقطع النظر عن تاریخ تقدم هذه الدعوی لم یمر أزید من سبع و عشرین سنة، و کما هو معلوم إن الدعاوی المتعلقة برقبة الوقف هی سنة و ثلاثون سنة کما هو مصرح بذلک فی المادة (1662) من المجلة الجلیلة.


صفحه 157


6- أن الشریعة الإسلامیة لم تمنح السلطان حقا بأن یوقف تنفیذ حکم صدر و اکتسب الدرجة القطعیة، و بناء علیه فإن ما أتی به مجلس الشوری من أنه یجوز تأجیل الحکم بأمر من السلطان لم یکن إلا لأجل التخلص من المراجعات لأنه یعلم حق العلم لا بل علم الیقین بأنه لیس فی إمکان السلطان أن یصدر مثل هذا الأمر، و الدلیل القطعی علی ذلک أنه مع تداخل سفارة دولة فرانسة الفخیمة و البطریریکیة لم یصدر هکذا أمر لأنه غیر ممکن و لا مسبوق فی دور من أدوار الحکومة الإسلامیة.
7- و أما القول بأنه لو أقام ورثة البلیط دعوی علی فارغی الخان المذکور فإنه یستحیل علیهم أن یستعیدوا حقوقهم نظرا لأن الفارغین منهم من هو متوف و منهم من هو غائب فإنه صحیح الآن، أما فی السابق أعنی قبل أربعین سنة لما أقیمت الدعوی علی مورثهم کما سبق البیان آنفا و علم أنه غیر محق بحبس الخان بیده بصورة الأجارتین فإنه کان من الممکن، و مع ذلک فإن هذا أمر لا یتعلق بالوقف بصورة من الصور.
8- و أما ادعاؤهم بأنهم صرفوا علی ترمیم الخان و توسیعه مبلغ عشرین ألف لیرة ذهبا فهذا مما تنفیه حالة الخان تحت المشاهدة، و لأن مبلغ عشرین ألف لیرة قبل الحرب العامة کان یکفی لإعمار خانین مثل هذا الخان بما فیه العمارة القدیمة و الحدیثة.
و فی الختام أعرض لفخامتکم بأننی لا أجد حلا وحیدا عادلا لهذه المسألة سوی ما کنت عرضته علی فخامتکم بکتابی المؤرخ فی 27 شباط سنة 1924. ا ه.
26 آذار 1924.
التوقیع
ثم کتب للجنرال جوابا آخر و نصه: یا ذا الفخامة:
أتشرف بأن أعرض لفخامتکم جوابی علی مرسومکم العالی تاریخ 9 آب سنة 924 رقم 49: 1007 کما کنت عرضت لفخامتکم بعریضتیَّ تاریخ 27 شباط و 26 آذار رقم 301/ 14726 452/ 15348 بخصوص خان قورت بک أن هذه القضیة قد حسمت بحکم من المحکمة الشرعیة بحلب و صودق علیه من مجلس التدقیقات الشرعیة للحکومة العثمانیة، و قد راجع ورثة شکری البلیط مراجعات متعددة بطرق مختلفة فلم یمکن للباب العالی و لا لمجلس شوری الدولة و لا لوزارتی العدلیة و الأوقاف و لا المشیخة الإسلامیة إبطال هذا الحکم و نهایة ما أمکن أن أبرق الصدر الأعظم إلی والی حلب بتأجیل تنفیذ الحکم.


صفحه 158


و لکن عند إعادة المشروطیة العثمانیة تنفذ الحکم المذکور الواجب التنفیذ و سلم الخان المذکور لدائرة الأوقاف و أخیرا لما راجعت الورثة و صدر قرار فخامة المفوض السامی بهذا الخصوص عرضت ملاحظاتی فی الکتابین الآنفی العرض، و حیث إلی الآن لم أتلق أمرا علی هذه الملاحظات فلا یمکننی أن أجیب ذوی العلاقة بشی‌ء أه. فی 14 ایلول سنة 1924.
هذا ما وصلت إلیه قضیة هذا الخان بسطناها بقدر الإمکان لأهمیتها و لتوجه الأنظار للوقوف علی حقیقتها و سیرها. و اعتقادنا أن دائرة الأوقاف ستهتم کذلک بشأنها و توجه عنایتها التامة إلیها و لنا واسع الأمل أن دولة الانتداب الإفرنسی تصغی لنداء الحق و تجیب إلیه فتعید هذا الخان لدائرة الأوقاف علی الطریقة التی ارتآها سعادة حاکم حلب و یکون ذلک برهانا ناصعا علی حبها للعدالة و محافظتها الحق لأربابه و رغبتها الصمیمیة فی کل ما یعود علی هذه البلاد بالخیر و النجاح.الکلام علی المدرسة الخسرویة

أقول: موقع هذه المدرسة فی منتهی المحلة المعروفة بالسفاحیة و فی شرقیها المدرسة السلطانیة الواقعة تجاه باب القلعة بینهما طریق واسعة، و قبلیها الزاویة المعروفة بزاویة الشیخ تراب، و قد وقف علیها الواقف خسرو باشا و مصطفی باشا ابن سنان باشا أخی الواقف أوقافا هائلة تبلغ نحو 300 عقار یطول الشرح لو ذکرناها و ذکرنا شرط وقفها، و معظم الأماکن المجاورة لها هی وقف علیها، و لها أوقاف فی مدینة عینتاب و دمشق، ذلک غیر القری و المزارع التی هی حول حلب، و قد استولت أیدی المتغلبین علی هذه الأوقاف الکثیرة و مزقتها کل ممزق و لم یبق منها الآن سوی الخان المتقدم الذکر و الحمام المعروفة بحمام النحاسین و کانت تعرف قدیما بحمام الست و القاساریة الکائنة أمام الحمام المعروفة بحمام البیلونی، و قد کان بعضها خربا و بعضها مشرفا علی الخراب فجددها مدیر الأوقاف الحالی السید یحیی الکیالی و جعلها خانا ذا طابقین علی جانبی بابه الواسع أربع حوانیت واسعة و أخرج عشرة دکاکین و خانا صغیرا من أصل الخان العظیم السالف الذکر و ذلک سنة 1341.
و قد شرط الواقف رحمه اللّه أن یکون المدرس بها حنفی المذهب، و أول من درس بها العلامة تاج الدین إبراهیم الصونوی ثم مفتی حلب العلامة نصوح أفندی ابن یوسف الأرنؤوطی المتوفی سنة 981، ثم تعاقب علیها المدرسون فکان ممن تولی التدریس بها العلامة


صفحه 159


أبو الیمن البترونی مفتی حلب و العلامة محمد بن الحسن الکواکبی و ولده العلامة أحمد أفندی ثم ولده أبو السعود و منهم العلامة محمد بن یوسف الأسبیری المتوفی سنة 1194.
و من الذین تولوا الخطابة فی جامعها العلامة عبد اللطیف الزوائدی المتوفی سنة 1132 و بعد وفاته تولی الخطابة بها العلامة حسن بن علی الطباخ المتوفی سنة 1140 و لم أقف بعد ذلک علی من تولی التدریس بها و الخطابة، و الذی یغلب علی الظن أن أمرها کان جاریا علی السداد إلی أن حصلت الزلزلة العظمی بحلب و ذلک سنة 1237 و تخرب فی الشهباء کثیر من الأماکن و معظم هذا الخراب حصل فی الأبنیة التی هی تجاه باب القلعة و امتد إلی محلة ساحة الملح و القصیلة و ساحة بزه فذهب کثیر من الأبنیة التی کانت موقوفة علی هذه المدرسة من أسواق و دور و خانات، و من ذلک الحین اختل أمر التدریس فیها و أهمل أمر هذا الجامع و ما اشتمل علیه و صار مأوی للغرباء و الفقراء و للعسکر فی بعض الأحیان، و صارت الحجر التی فیه تتداعی إلی الخراب. و بقی ذلک إلی أول هذا القرن فاهتم جمیل باشا والی حلب بشأنه بعض الاهتمام و رمم قبلیة الجامع و ذلک فی نواحی سنة 1302، و لما استعید الخان المتقدم الذکر و ذلک بمساعی أستاذنا المفضال الشیخ رضا الزعیم الدمشقی رحمه اللّه و صار یجتمع لدیه کل عام شی‌ء من غلة أوقاف المدرسة أخذ فی ترمیم المدرسة التی عن یمین القبلیة، ثم جدد حجر المدرسة التی عن یسارها إلا أنها لم تکمل و جدد الرواق الشمالی جمیعه علی الهیئة التی نراها الیوم، و قد کان ذلک سنة 1330 کما هو مکتوب علی حجر علی القنطرة الوسطی التی هی تجاه الباب الشمالی.
و لما حصلت الحرب العامة و ذلک فی سنة ألف و ثلاثمایة و ثلاث و ثلاثین و شغل هذا المکان بالعساکر و الذخائر کما شغل غیره من المساجد و المدارس و المعابد، ثم شغل بعد انتهاء الحرب العامة و ذلک سنة 1337 ببعض فقراء المغاربة و الجرکس و صاروا یتخذون أطعمتهم داخل الحجر اسودت جدرانها من الدخان و الأوساخ و تعطلت فیها القشرة الکلسیة و داخل البناء بعض الوهن.وصف القبلیة و الجامع و المدارس التی فیه:

هی مربعة الشکل طولها نحو 16 مترا و عرضها کذلک و عرض جدرانها أزید من مترین و لعله لذلک لم تؤثر فیها الزلزلة التی حصلت سنة 1237 و خربت الأبنیة التی حولها، یتخلل جدرانها الأربعة عشر شبابیک واسعة جدا یسع الواحد منها فراشا مفروشا و کلها من الرخام


صفحه 160


الأسود و الأصفر و فوق کل قنطرة منها موضوع الرخام القاشانی البدیع الألوان و الصنعة علی شکل نصف دائرة یروق للناظرین جدا. و المحراب ذو قطع کثیرة من الرخام الملون الأسود و الأبیض و الأحمر یعلوه تاج حسن الوضع و الصنع و عن یمینه منبر کبیر مرتفع جدا من الرخام الأسود و الأصفر و أحجار طرفیه و مجنبتیه ضخمة مرخمة ترخیما بدیعا علی نسق واحد ینبئک عن عظیم عنایة أهل ذاک العصر فی فن العمارة. و قبة المنبر علی شکل مخروطی و هی مبلطة من جهاتها الأربع بالقاشانی البدیع.
و السدة المعدة للمبلغین مبنیة علی عشرة عوامید رفیعة ستة من الرخام الأصفر و أربعة من الرخام الأسود، و من السدة تصعد فی درج من داخل الجدار فتخرج منه إلی ممشی عرضه ذراع علی استدارة القبلیة و هو مبنی علی ثمانی قناطر مرتفعة مبنیة علی تلک الجدران الضخمة، و فوق هذه القناطر قبة القبلیة و هی قبة واحدة یبلغ ارتفاعها نحو 20 مترا کتب فی دائرها أسماء اللّه الحسنی و زینت مع وسط سقفها بالدهانات اللطیفة، و فوق قنطرة المحراب و الجدارین الشرقی و الغربی ثلاث نوافذ من الزجاج الملون ذا قطع صغیرة کثیرة حفظت بالطین المعروف بالجبسین و جمیعه منقوش نقشا بدیعا أبقته الأیام علی حالته التی علیها إلا بعض أماکن منه فقد لحقها بعض التوهن، و باب القبلیة مبنی بالأحجار الملونة و کتب علی قنطرته:
(عمر فی دولة مولانا السلطان الأعظم و الخاقان المعظم سلیمان عز نصره و أنشأه الوزیر خسرو باشا رحمه اللّه سنة 952) و هذان البیتان.
حرم التقوی الذی من أمه‌فهو فی أمن به قد حرسا
معبد فی حلب تاریخه‌مسجد مشرف قد أسسا
952
و علی طرفی مدخل الباب تحت قنطرته العظیمة عمودان من الرخام منقوشان نقوشا بدیعة و یتخلل تلک النقوش الأصباغ البدیعة المتقنة لذا أبقتها الأیام المتطاولة إلی الآن، و عن یمین القبلیة و یسارها حجرتان واسعتان لکل واحدة منهما بابان باب من داخل القبلیة و باب من صحن المدرسة و قد أعدتا الآن للتدریس، و بجانب الحجرة الیمنی منارة الجامع و هی عظیمة الارتفاع مستدیرة الشکل علی طرز منارات الآستانة، و تحت موقف المؤذنین کان نحو ذراع منه مبلطا بالرخام القاشانی و الآن ذهب معظمه و بقی منه نحو ذراع و نصف علی ضلعین من أضلاع المنارة. و أمام القبلیة علی طولها و طول هاتین الحجرتین رواق عظیم الارتفاع أیضا فیه