بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 111

كذلك. وهذا لما لم يجد المشركون سبيلا إلى تكذيب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ببرهان ولا حجّة قالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً فسألوا ما الصّلاح في غيره لأن القرآن كان ينزّل مفرّقا جوابا عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة لأنهم لا يسألون عن شيء إلّا أجيبوا عنه. وهذا لا يكون إلّا من نبيّ فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، ويدلّ على هذا الجواب.

[سورة الفرقان (25) : آية 33]
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (33)
ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم علم الله جلّ وعزّ. إنّ الصلاح في إنزاله متفرّقا لأنهم ينبّهون به مرّة بعد مرّة ولو نزل جملة لزال معنى التنبيه، وفيه ناسخ ومنسوخ فكانوا يعبّدون بالشيء إلى وقت بعينه قد علم الله جلّ وعزّ فيه الصلاح ثم ينزل النسخ بعد ذلك فمحال أن ينزل جملة افعلوا كذا وكذا، ولا تفعلوا، والأولى أن يكون التمام «جملة واحدة» لأنه إذا وقف على «كذلك» صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزّبور، ولم يتقدّم لهما ذكر. قال أبو إسحاق: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي أنزلناه. قيل:
الترتيل وهو التمكّث وهو ضدّ العجلة.

[سورة الفرقان (25) : آية 34]
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34)
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ في موضع رفع الابتداء وخبره في الجملة.
وقد ذكرنا معناه المروي مرفوعا. وقد قيل: هو تمثيل، كما تقول: جاءني على وجهه، أي كارها.

[سورة الفرقان (25) : آية 35]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35)
وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ على البدل. وَزِيراً مفعول ثان. والوزير في اللغة المعاون الذي يلجأ إليه صاحبه مشتقّ من الوزر وهو الملجأ. قال الله جلّ وعزّ كَلَّا لا وَزَرَ [القيامة: 11] .

[سورة الفرقان (25) : آية 36]
فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36)
قال الفراء[1]: إنما أمر موسى صلّى الله عليه وسلّم بالذهاب وحده في المعنى، وهذا بمنزلة قوله:
نَسِيا حُوتَهُما [الكهف: 61] ، وبمنزلة قوله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما. قال أبو جعفر: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ
[1]انظر معاني الفراء 2/ 268.


صفحه 112

به على كتاب الله جلّ وعزّ وقد قال جلّ ثناؤه فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى [طه: 44، 45] ونظير هذا في قوله:
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [الرحمن: 62] ، وقد قال جلّ ثناؤه ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا [المؤمنون: 45] .

[سورة الفرقان (25) : آية 37]
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (37)
وَقَوْمَ نُوحٍ في نصبه أقوال: يكون معطوفا على المضمر في فَدَمَّرْناهُمْ أو يكون بمعنى واذكر، ويكون على إضمار فعل يفسّره ما بعده، والتقدير وأغرقنا قوم نوح.
فهذه ثلاثة أقوال، وزعم الفراء أنه منصوب بأغرقناهم، وهذا لا يحصل لأن أغرقنا ليس ممّا يتعدّى إلى مفعولين فيعمل في المضمر وفي قوم نوح.

[سورة الفرقان (25) : آية 38]
وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (38)
يكون هذا كلّه معطوفا على قوم نوح إذا كان قوم نوح منصوبا على العطف أو بمعنى واذكر، ويجوز أن يكون هذا كلّه منصوبا على أنه معطوف على المضمر في وَجَعَلْناهُمْ وهو أولى لأنه أقرب إليه.

[سورة الفرقان (25) : آية 39]
وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39)
وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ قال أبو إسحاق: وأنذر كلّا. قال: والتتبير التدمير، ومنه قيل: لمتكسّر الزجاج تبر، وكذلك تبر الذهب.

[سورة الفرقان (25) : آية 40]
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40)
قيل: هذا للكفار الذين كفروا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنهم قد أتوا على مدائن قوم لوط عليه السلام، وعلموا أنهم أهلكوا بكفرهم أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً من ينكر الأضداد يقول: يرجون على بابه لأنهم إنّما كفروا بالآخرة على دفع منهم للحقّ ليس على يقين فهم لا يرجونها، وكان أبو إسحاق أحد من ينكر الأضداد، وقال:
المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب النشور فاجترؤوا على المعاصي.

[سورة الفرقان (25) : آية 41]
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41)
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إِذا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً لأن معناه يتّخذونك وقيل: الجواب محذوف لأن المعنى قالوا: أهذا الذي بعث هو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا


صفحه 113

ونصب رسول على الحال، ويجوز أن يكون مصدرا لأن معنى بعث أرسل. ومعنى رسول رسالة على هذا.

[سورة الفرقان (25) : آية 43]
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)
أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا قيل معناه أفأنت تجبره على ذلك.

[سورة الفرقان (25) : آية 44]
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ولم يقل: أنّهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن وذمّهم جلّ وعزّ بهذا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ سماع قبول أو يفكّرون فيما تقوله فيعقلونه أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع. وقيل: المعنى أنهم لمّا ينتفعوا بما يسمعون فكأنّهم لم يسمعوا. إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي إنّهم لا يفهمون بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا لأنهم يكذّبون بما يسمعون من الصدق، وليس كذا الأنعام.

[سورة الفرقان (25) : آية 45]
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45)
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ حذفت الألف للجزم، والأصل الهمز، والتخفيف لازم للمضارع من هذا لكثرة الاستعمال. وقد ذكرنا معنى الآية.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 47 الى 49]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (49)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً مفعولان وَالنَّوْمَ سُباتاً عطف و «سبات» بمعنى الراحة، وأعاد «جعل» توكيدا ولو كان والنهار نشورا لجاز في غير القرآن. قال الأخفش سعيد: واحد الأناسيّ إنسيّ. وكذا قال محمد بن يزيد، وهو أحد قولي الفراء[1]، وله قول آخر وهو أن يكون واحد الأناسيّ إنسانا لم يبدل من النون ياء فيقول: أناسيّ ويجب على قوله أن يقول في جمع سرحان: سراحيّ. لا فرق بينهما، وحكى أيضا وَأَناسِيَّ كَثِيراً بالتخفيف.

[سورة الفرقان (25) : آية 50]
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (50)
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ وهو المطر كما قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس:
[1]انظر معاني الفراء 2/ 270.


صفحه 114

ليس عام بأكثر مطرا من عام، ولكنّ الله يصرفه حيث يشاء. فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً لا يعلم بين أهل التفسير اختلافا أنّ الكفر هاهنا قولهم: «مطرنا بنوء كذا وكذا»[1]وأن نظيره قول المنجّم: فعل النجم كذا وكذا، وأنّ كلّ من نسب إليها فعلا فهو كافر.

[سورة الفرقان (25) : آية 54]
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: فمن أجلها ما روي عن ابن عباس، قال: النسب سبع حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ [النساء: 23] والصّهر السبع وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: 23] إلى آخر الآية. وشرح هذا أنّ السبع الأول من النسب فتقديره في العربية: فجعله ذا نسب وذا صهر. والسبع الذين من الصهر أي ممن يقع فيهم الصهر لولا ما حدث، وقال الضحاك: النسب الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع، والقول الثالث: أنّ النسب الذكر من الأولاد، والصهر الإناث من الأولاد لأنّ المصاهرة من جهتين تكون.

[سورة الفرقان (25) : آية 55]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (55)
وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً روي عن ابن عباس الكافر هاهنا أبو جهل وشيعته لأنه يستظهر بعبدة الأوثان على أولياء ربه. وقال عكرمة: الكافر إبليس ظهير على عداوة ربه، وقال مطر: الكافر هاهنا الشيطان.

[سورة الفرقان (25) : آية 57]
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)
مِنْ في موضع ونصب استثناء ليس من الأول. والتقدير: لكن من شاء أن ينفق ابتغاء مرضاة الله ليتّخذ إلى ثواب ربّه طريقا فليفعل.

[سورة الفرقان (25) : آية 59]
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59)
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ في رفعه ثلاثة أوجه يكون بدلا من المضمر الذي في استوى، ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً. ويجوز الخفض بمعنى وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت الرّحمن، يكون نعتا، ويجوز النصب على المدح.
[1]يشير إلى الحديث: «أصبح الناس بين مؤمن وكافر فمن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» ، أخرجه مالك في الموطأ باب 3، الحديث رقم (6) .


صفحه 115

[سورة الفرقان (25) : آية 60]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (60)
هذه قراءة المدنيين والبصريين، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي لما يأمرنا[1]بالياء. والقراءة الأولى اختيار أبي عبيد، وتأوّل الثانية فيما نرى «أنسجد لما يأمرنا الرحمن» ، قال: ولو أقرّوا بأنّ الرحمن أمرهم ما كانوا كفارا، وليس يجب أن يتأوّل عن الكوفيين في قراءتهم بهذا التأويل البعيد، ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم أنسجد لما يأمرنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فتصح القراءة على هذا، وإن كانت الأولى أبين وأقرب متناولا.

[سورة الفرقان (25) : آية 61]
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (61)
هذه قراءة المدنيين والبصريين وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين سرجا[2]والقراءة الأولى أولى عند أبي عبيد، لأنه تأول أن السرج النّجوم، وأنّ البروج النجوم، وليس يجب أن يتأوّل لهم هذا فيجيء المعنى نجوما ونجوما، ولكن التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال: السّرج النجوم الدراريّ فعلى هذا تصحّ القراءة ويكون مثل قوله جلّ وعزّ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: 98] فأعيد ذكر النجوم النيّرة، وإن كانت القراءة الأولى أبين وأوضح تأويلا. قال ابن عباس: السراج الشمس وروى عصمة عن الأعمش وَقَمَراً[3]بضم القاف وإسكان الميم. وهذه قراءة شاذة.
ولو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات. وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا.

[سورة الفرقان (25) : آية 62]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم على اختلاف عنه والكسائي، وقرأ الأعمش وحمزة لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ[4]الأصل في «يذّكّر» يتذكّر ثم أدغمت التاء في الدال أي يتذكّر ويتفكّر في خلق الله، فإنّ الدلالة فيه بيّنة فهذه القراءة بيّنة ويذكر يجوز أن يتبيّن هذه الأشياء بذكره.

[سورة الفرقان (25) : آية 63]
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (63)
وَعِبادُ الرَّحْمنِ رفع بالابتداء وقد أشكل على جماعة من النحويين هذا حتى قال
[1]انظر البحر المحيط 6/ 466، وكتاب السبعة لابن مجاهد 466.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 467.
[3]انظر البحر المحيط 6/ 468، وهي قراءة الحسن والنخعيّ.
[4]انظر البحر المحيط 6/ 468، وكتاب السبعة لابن مجاهد 466.


صفحه 116

الأخفش: هو مبتدأ بلا خبر يذهب إلى أنه محذوف ورأيت أبا إسحاق قد جاء في هذا بما هو أولى من قول الأخفش هذا قال: «عباد» مرفوع بالابتداء والَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً من صفتهم «والذين» الذي بعده عطف عليه والخبر أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [الفرقان: 75] قال: ويجوز أن يكون الخبر الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ قالُوا سَلاماً مصدر. وقد ذكرنا معناه.

[سورة الفرقان (25) : آية 66]
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (66)
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا قال أبو إسحاق: «مستقرا» منصوب على التمييز أي في المستقر سبيل التمييز أن يكون فيه معنى «من» فالمعنى: ساءت من المستقرات.

[سورة الفرقان (25) : آية 67]
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67)
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا هذه قراءة الأعمش وحمزة والكسائي وعاصم ويحيى بن وثاب على اختلاف عنهما وهي قراءة حسنة من قتر يقتر وهذا القياس في اللازم مثل قعد يقعد. وقرأ أبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا[1]وهي لغة معروفة حسنة، وقرأ أهل المدينة وَلَمْ يَقْتُرُوا[2]وتعجّب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذّ فانّما يقال: أقتر يقتر إذا افتقر، كما قال جلّ وعزّ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: 236] وتأوّل أبو حاتم لهم أنّ المسرف يفتقر سريعا، وهذا تأويل بعيد ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيّق: قتر يقتر ويقتر وقتّر يقتّر وأقتر يقتر فعلى هذا تصحّ القراءة وإن كان فتح الياء أصحّ وأقرب متناولا وأشهر وأعرف. ومن أحسن ما قيل في معناه ما حدّثناه الحسن بن غليب قال: حدّثني عمران بن أبي عمران قال: حدّثنا خلّاد بن سليمان الحضرمي. قال: حدّثني عمرو بن أبي لبيد عن أبي عبد الرحمن الحبلي في قوله جلّ وعزّ وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال: من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. قال أبو إسحاق: تفسر هذه الآية على الحقيقة ما أدّب الله جلّ وعزّ به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم فقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: 29] وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً خبر كان واسم كان فيها مضمر دلّ عليه أنفقوا، والتقدير:
كان الإنفاق بين الإسراف والقتور عدلا. وللفراء قول آخر يجعل «بين» اسم كان وينصبها. قال أبو جعفر: ما أدري ما وجه هذا لأن «بين» إذا كانت في موضع رفع رفعت كما يقال: بين عينيه أحمر فترفع بين.
[1]انظر البحر المحيط 6/ 471، وكتاب السبعة لابن مجاهد 466.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 471، وكتاب السبعة لابن مجاهد 466.


صفحه 117

[سورة الفرقان (25) : آية 68]
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68)
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً شرط ومجازاة.

[سورة الفرقان (25) : آية 69]
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69)
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ بدل من يلق قال سيبويه: لأن مضاعفة العذاب لقيّ الأنام، وقرأ عاصم يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا[1]بالرفع، والجزم أولى لما ذكرنا. وفي الرفع قولان: أحدهما أن يقطعه مما قبله، والآخر أن يكون محمولا على المعنى، كأنّ قائلا قال: ما لقيّ الآثام؟ فقيل: يضاعف له العذاب.

[سورة الفرقان (25) : آية 70]
إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)
إِلَّا مَنْ تابَ في موضع نصب على الاستثناء. فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ مفعولان، وقد ذكرنا معناه. ومن حسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع.

[سورة الفرقان (25) : آية 71]
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (71)
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً مصدر فيه معنى التوكيد.

[سورة الفرقان (25) : آية 73]
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (73)
صُمًّا وَعُمْياناً على الحال.

[سورة الفرقان (25) : آية 74]
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74)
قُرَّةَ أَعْيُنٍ لم يجمع لأنه مصدر، ولو جمع يراد به اختلاف الأجناس لجاز وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً واحد يدلّ على جمع.

[سورة الفرقان (25) : آية 75]
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (75)
وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقرأ أهل الكوفة وَيُلَقَّوْنَ فِيها[2]. قال الفراء[3]: ويلقون أعجب إليّ لأن القراءة لو كانت
[1]انظر البحر المحيط 6/ 472، وكتاب السبعة لابن مجاهد 468. [.....]
[2]انظر البحر المحيط 6/ 474.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 275.


صفحه 118

«يلقّون» كانت في العربية بالباء. وهذا من الغلط أشدّ مما مرّ في السورة لأنه يزعم أنها لو كانت يلقّون كانت في العربية بتحية وسلام. وقال كما يقال: فلان يتلقّى بالسّلام وبالخير. فمن عجيب ما في هذا أنّه قال: يتلقّى، والآية يلقّون، والفرق بينهما بيّن لأنه يقال: فلان يتلقّى بالجنّة، ولا يجوز حذف الياء، فكيف يشبه هذا ذاك وأعجب من هذا أنّ في القرآن وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [الإنسان: 11] لا يجوز أن يقرأ بغيره وهذا يبيّن أن الأولى خلاف ما قال.

[سورة الفرقان (25) : آية 76]
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (76)
خالِدِينَ فِيها على الحال.

[سورة الفرقان (25) : آية 77]
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77)
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً وعن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قرأ: فقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما[1]وكذا روى شعبة عن إبراهيم التيمي عن أبي الزبير قال شعبة: وكذا في قراءة عبد الله بن مسعود. وهذه القراءة مخالفة للمصحف وينبغي أن تحمل على التفسير لأن معنى فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أنّه يخاطب به الكفار، وهذه القراءة مع موافقتها للسواد أولى بسياق الكلام لأن الله جلّ وعزّ قال: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فهذه مخاطبة، وكذا فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً فهذا أولى من فقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما وقد تكلم النحويون فيه، فمن حسن ما قيل فيه أنّ التقدير فسوف يكون التكذيب لأن كذبتم يدلّ على التكذيب، وحقيقته في العربية فسوف يكون جزاء التكذيب عذابا لزاما أي ذا لزام. ولزام وملازمة واحد. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال: سمعت قعنبا أبا السّمال ليقرأ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً[2]بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم، والكسر أولى مثل قتال ومقاتلة كما أجمعوا على الكسر في قوله جلّ وعزّ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: 129] وللفراء قول آخر[3]في اسم يكون قال: يكون فيها مجهول. وهذا غلط لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال جلّ وعزّ: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف: 90] وكما حكى النحويون: كان زيد منطلق. يكون في كان مجهول، ويكون المبتدأ وخبر مخبر المجهول، والتقدير كان الحديث. فأما أن يقال: كان منطلقا ويكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه.
[1]انظر البحر المحيط 6/ 475، ومختصر ابن خالويه 105.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 475.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 275.