فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5] ولا حجة فيه. ومعناه على ما قاله أبو حاتم: وإن تعجب فلك في قولهم عجب ولمن سمعه وفيه عجب. والقراءة بضم التاء مروية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن ابن مسعود رحمه الله رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء ويروى عن ابن عباس قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قل: يا محمد بل عجبت لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مخاطب بالقرآن، وهذا قول حسن. وَيَسْخَرُونَ بالسين في السواد، ويجوز في غير القرآن عند الخليل رحمه الله أن يقال: «صخرت منه» بالصاد، ولغة شاذة «سخرت به» بالياء.
[سورة الصافات (37) : آية 14]
وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)
أي يستدعون السّخريّ و «إذا» في موضع نصب بإضمار فعل قبلها، ولا يعمل فيها ما بعدها. وحكى الكسائي: دخر يدخر دخورا.
[سورة الصافات (37) : آية 19]
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (19)
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ والجمع زجرات بتحريك الجيم فرقا بين الاسم والنعت.
[سورة الصافات (37) : آية 20]
وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (20)
وَقالُوا يا وَيْلَنا منصوب على أنه مصدر عند البصريين، وزعم الفراء أن تقديره يا وي لنا. ووي بمعنى: حزن ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلّا متصلا فزاد الكوفيون على هذا، فحكى بعضهم لغات شتّى أنه يقال: ويل للشيطان، وويلا للشيطان، وويل للشيطان، وويل الشيطان، وويل الشيطان، وويل الشيطان. فأما ويل للشيطان فبيّن لا نظر فيه، وويلا للشيطان جائز بمعنى: ألزمه الله ويلا، وأما ويل للشيطان فشاذّ وهو مشبّه بالأصوات. فأما ويل الشيطان فهو عند البصريين منصوب على معنى ألزمه الله ويلا أيضا، وقال الفراء: لمّا كثر استعمالهم إيّاه جعلوه بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، كما قالوا: يا لبكر، وهي لام الخفض، ومن قال: ويل الشيطان جاء به على الأصل، ومن قال: ويل الشيطان فالأصل عنده ويل للشيطان ثم حذف لكثرة اللامات كما قرئ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ [الأعراف: 196] بمعنى إنّ وليّي الله فحذف لكثرة الياءات. قال أبو جعفر:
لا تعرف هذه القراءة ولكن قرأ عاصم الجحدري إنّ وليّ الله الذي نزّل الكتاب بمعنى إنّ وليّ الله الذي نزّل الكتاب جبريل صلّى الله عليه وسلّم الذي نزّل الكتاب ثمّ أقيم النعت مقام المنعوت. هذا يَوْمُ الدِّينِ ابتداء وخبر. قال أبو جعفر: قال الضحاك وعطية العوفي: أي هذا يوم الحساب.
[سورة الصافات (37) : آية 21]
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)
«الذي» في موضع رفع على النعت لليوم ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت للفصل.
[سورة الصافات (37) : الآيات 22 الى 23]
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23)
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ معطوف على «الذين» . وواحدهم زوج قال سفيان عن سماك عن النعمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: وَأَزْواجَهُمْ قرناؤهم وهو مبيّن في حديث شريك عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول في قول الله جلّ وعزّ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال سفيان عن أبيه عن المسيب بن رافع عن ابن عباس «احشروا الذين ظلموا وأزواجهم» قال:
أشباههم. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال لا تدفع لجلالة قائلها وأنها معروفة في اللغة يقال: هذا زوج هذا أي قرينه وشبهه، ومن هذا قيل للرجل: زوج المرأة وللمرأة زوج الرجل وقيل للخفّين: زوجان لأن كل واحد منهما زوج لصاحبه، ولا يقال للاثنين إلا زوجان. وقال سعيد عن قتادة احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ، قال: الكفار مع الكفار. وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الأصنام فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ يقال: هديته إلى الطريق وهديته الطريق أي دللته عليه، وأهديت الهديّة وهديت العروس ويقال أهديتها أي جعلتها بمنزلة الهدية.
[سورة الصافات (37) : آية 24]
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24)
وحكى عيسى بن عمر أنهم بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم وبأنهم.
[سورة الصافات (37) : آية 25]
ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25)
في موضع نصب على الحال.
[سورة الصافات (37) : آية 26]
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)
قال قتادة مستسلمون في عذاب الله.
[سورة الصافات (37) : الآيات 27 الى 28]
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28)
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ فربما توهم الجاهل أن هذا من قول جلّ وعزّ: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: 101] وليس منه في شيء لأن قوله جلّ وعزّ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ إنما هو لا يتساءلون بالأرحام فيقول أحدهم:
أسألك بالرحم التي بيني وبينك إمّا نفعتني أسقطت حقّا لك عليّ أو وهبت لي حسنة لأن قبله: فلا أنساب بينهم أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم كما جاء بالحديث «إنّ الرجل يوم القيامة ليسرّ بأن يصحّ له على أبيه أو على ابنه حقّ فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات»[1]، وفي حديث آخر «رحم الله امرأ كانت لأخيه عنده مظلمة في مال أو عرض فأتاه فاستحلّه قبل أن يطلبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب»[2]و «يتساءلون» هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبّخه في أنه أضلّه أو فتح له بابا من المعصية يبيّن ذلك أنّ بعده إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ قال سعيد عن قتادة: أي تأتونا عن طريق الخير وتصدّوننا، وعن ابن عباس نحو منه، وقيل: تأتوننا عن اليمين من الجهة التي نحبّها وننقاد إليها وتغرّونا بذاك. والعرب تتفاءل لما كان على اليمين، وتسميه السانح وقيل: تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدّقناه.
[سورة الصافات (37) : آية 29]
قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)
قال قتادة: هذا قول للشياطين لهم.
[سورة الصافات (37) : آية 30]
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30)
سُلْطانٍ في موضع رفع لأن «من» زائدة للتوكيد. بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ أي متزايدين في الكفر، وطغى الماء إذا زاد.
[سورة الصافات (37) : آية 31]
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31)
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا أي فحقّ علينا ما كتبه الله جلّ وعزّ، وما أعلم به ملائكته صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا موافق للحديث «إنّ الله جلّ وعزّ كتب للنار أهلا وللجنّة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم»[3].
[سورة الصافات (37) : آية 32]
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32)
أي كنا سببا لغيّكم.
[سورة الصافات (37) : آية 33]
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33)
أي الضالّ والمضلّ، ولو كان في غير القرآن لجاز نصب مشتركين.
[سورة الصافات (37) : آية 34]
إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34)
الكاف من كذلك في موضع نصب نعت لمصدر.
[1]انظر تفسير القرطبي 15/ 74. [.....]
[2]أخرجه الترمذي في صفة القيامة 9/ 254.
[3]أخرجه الترمذي في سننه في التفسير 11/ 195، وابن ماجة في سننه في المقدمة الحديث رقم (82) .
[سورة الصافات (37) : آية 35]
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)
يكون يستكبرون في موضع نصب على خبر كان، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر «إنّ» وكان ملغاة.
[سورة الصافات (37) : آية 38]
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38)
الأصل لذائقون حذفت النون استخفافا، وخفضت للإضافة، ويجوز النصب، كما أنشد سيبويه: [المتقارب] 367-
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلّا قليلا[1]
وأجاز سيبويه وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [الحج: 35] على هذا.
[سورة الصافات (37) : آية 40]
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40)
نصب على الاستثناء.
[سورة الصافات (37) : آية 42]
فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42)
فَواكِهُ بدل من رزق.
[سورة الصافات (37) : آية 44]
عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44)
قال عكرمة: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، ويجوز سرر لثقل الضمة مع التضعيف.
[سورة الصافات (37) : آية 45]
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45)
روي عن ابن عباس قال: الخمر، وعن مجاهد قال: هي خمر بيضاء، وقال الضحاك: كل كأس في القرآن فهي خمر، وحكي من يوثق به من أهل اللغة أنّ العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس فإن لم يكن فيه خمر فهو قدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة فإن لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومثله ظعينة للهودج إذا كانت فيه امرأة. قال أبو إسحاق: بكأس من معين:
خمر تجري العيون على وجه الأرض.
[سورة الصافات (37) : آية 46]
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46)
قال: ولَذَّةٍ بمعنى ذات لذّة.
[سورة الصافات (37) : آية 47]
لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47)
[1]مرّ الشاهد رقم (73) .
لا فِيها غَوْلٌ ويقال بمعناه: غيلة وغائلة، وهو ما يؤذي الإنسان من الصداع أو غيره وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين إلّا عاصما يُنْزَفُونَ[1]بكسر الزاي. قال أبو جعفر: والقراءة الأولى أبين وأصحّ في المعنى لأن معنى «ينزفون» عند جلّة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم فنفى الله جلّ وعزّ عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. فأما معنى «ينزفون» فالصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهذا يبعد أن يوصف به شراب أهل الجنة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفذ أبدا.
[سورة الصافات (37) : آية 48]
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48)
عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب قالوا: قصرن طرفهنّ على أزواجهن فلا يبغين غيرهم، وقال عكرمة: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن والتفسير الأول أبين لأنه ليس في الآية مقصورات موضع آخر حُورٌ مَقْصُوراتٌ [الرحمن:
72] من قول العرب امرأة قصيرة ومقصورة إذا حبست على زوجها. عِينٌ جمع عيناء والأصل فيه فعل فكسرت العين لئلا تنقلب الياء واوا.
[سورة الصافات (37) : آية 49]
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
قال مطر الوراق: أي بيض محضون أي لم توسّخه الأيدي. قال أبو جعفر:
هكذا تقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة كأنه بيض النّعام المغطّى بالريش.
[سورة الصافات (37) : الآيات 50 الى 52]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52)
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ وإدغام التاء في السين جائز في العربية. قال الأخفش: إنما سأل عن صاحبه ثم أخبر فقال إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال سعد بن مسعود:
وشريكه قرينه، وهما رجلان من بني إسرائيل اشتركا في تجارة فربحا ستة آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فافترقا فلقي أحدهما صاحبه فقال له: هل علمت أني تزوجت امرأة من أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار؟ فمضى صاحبه فأخذ ألف دينار تصدّق بها على المساكين والفقراء وقال: اللهمّ إنّ صاحبي تزوّج امرأة يموت عنها، ويكبر وتفارقه، وأني أسألك أن تنكحني امرأة من نساء أهل الجنّة بهذه الألف،
[1]انظر تيسير الداني 151، وكتاب السبعة لابن مجاهد 547.
ثم إنّ صاحبه لقيه فقال له: هل علمت أني اشتريت مسكنا من أفضل مساكن بني إسرائيل بألف دينار؟ فمضى صاحبه فتصدّق بألف دينار على الفقراء والمساكين وقال:
اللهم إني اشتريت منك مسكنا من مساكن أهل الجنّة بهذه الألف دينار، ثمّ لقي صاحبه فقال: هل علمت أني اشتريت جنة من أفضل جنة بني إسرائيل بألف دينار فصرت من أفضلهم بزوجتي ومسكني وجنتي؟ فمضى صاحبه فتصدّق بالألف الباقي على الفقراء والمساكين وقال: اللهم إنّي قد اشتريت منك جنة الخلد بهذا الألف، ثمّ إنّ صاحبه الذي اكترى أجراء لجنّته فإذا هو بصاحبه فيهم فعرفه فدعا به فقال له أشحّ هذا أم أفسدت ملكك فحدّثه بالقصة، فقال له: أتتوهّم أنك ستبعث ثم تدان بما علمت أنك لمغرور وإنّ هذا لباطل، ففيهما أنزل الله جلّ وعزّ «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ» إلى مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
قال أبو جعفر: التقدير أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بأنّا مدينون أي محاسبون مجاوزون بأعمالنا ثم حذفت الياء وكسرت «إنّ» ، لأن في خبرها اللام، ولا يجوز أنك لمن المصدّقين لأنه لا معنى للصدقة هاهنا.
[سورة الصافات (37) : آية 54]
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)
وحكي هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ[1]. قال أبو إسحاق: يقال: طلع، وأطلع بمعنى واحد، وقد حكي: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ بكسر النون وهي لحن لا يجوز لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافا لكان هل أنتم مطلعيّ، وإن كان سيبويه والفراء حكيا مثله، وأنشدا: [الطويل] 368-
هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما[2]
وإنشاد الفراء «والفاعلونه» وأنشد سيبويه وحده: [الطويل] 369-
ولم يرتفق والنّاس محتضرونه ... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه[3]
وأنشد الفراء وحده: [الوافر] 370-
وما أدري وظنّي كلّ ظنّ ... أمسلمني إلى قومي شراح[4]
[1]انظر البحر المحيط 7/ 344، والمحتسب 2/ 219.
[2]البيت بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1/ 392، والكتاب 1/ 247، وخزانة الأدب 4/ 266، والدرر 6/ 235، وشرح المفصّل 2/ 125، ولسان العرب (طلع) ، و (حين) ، و (ها) ، ومجالس ثعلب 1/ 150، وهمع الهوامع 2/ 157.
[3]البيت بلا نسبة في الكتاب 1/ 248، وخزانة الأدب 4/ 266، وشرح المفصّل 2/ 125، والمقرّب 1/ 125، والكامل 371.
[4]الشاهد ليزيد بن محرم الحارثي في شرح شواهد المغني 2/ 770، والدرر 1/ 212، والمقاصد النحوية 1/ 385، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 3/ 243، وتذكرة النحاة 422، ورصف المباني 363، ولسان العرب (شرحل) ، والمحتسب 2/ 220، ومغني اللبيب 2/ 345، والمقرّب 1/ 125، وهمع الهوامع 1/ 65.
أما البيتان اللذان أنشدهما سيبويه وشركه الفراء في أحدهما فلا يعرف من قالهما ولا تثبت بهما حجّة، ولو عرف من قالهما لكانا شاذين خارجين عن كلام العرب وما كان هكذا لم يحتجّ به في كتاب الله جلّ وعزّ، ولا يدخل في الفصيح.
وأما البيت الذي أنشده الفراء فالقول فيه ما حكاه أبو إسحاق قال: أنشدنا محمد بن يزيد «أأسلمني» وزعم الفراء أنه يريد بشراح شراحيل. وهذا من أقبح الضرورات أن يرخّم في غير النداء وإنما لم يجز «هل أنتم مطلعون» بكسر النون لأنه جاء إلى ما لا ينفصل مما قبله بالنون وهذا ما لا وجه له، وهذا قول من يوثق به من النحويين منهم محمد بن يزيد، وهو أيضا قول الفراء غير أنه أفسده بعد ذلك فقال: ضاربني مشبّه بيضربني.
[سورة الصافات (37) : آية 55]
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55)
وحكي فَاطَّلَعَ فَرَآهُ[1]وفيه قولان: أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا أي فأطلع أنا، ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام، والقول الثاني على أن يكون فعلا ماضيا ويكون أطلع واطلع واحدا فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ عن عبد الله بن مسعود قال: في وسطها والحسك حواليه.
[سورة الصافات (37) : آية 56]
قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56)
قال الكسائي: أي لثهّلكني، وقال محمد بن يزيد: لو قيل: لتردين لتوقعني في النار لكان جائزا.
[سورة الصافات (37) : آية 57]
وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)
ما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف. قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضرا.
[سورة الصافات (37) : الآيات 58 الى 59]
أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)
إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى يكون استثناء ليس من الأول، ويكون مصدرا لأنه منعوت.
[سورة الصافات (37) : آية 60]
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)
يكون هو مبتدأ، وما بعده خبرا عنه، والجملة خبر «إنّ» ويجوز أن يكون هو فاصلا.
[1]انظر البحر المحيط 7/ 345، ومعاني الفراء 2/ 386.
[سورة الصافات (37) : آية 61]
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61)
والأصل ليعمل بكسر اللام، فحذفت الكسرة لثقلها. والتقدير- والله جلّ وعزّ أعلم- فليعمل العاملون لمثل هذا فإن قال قائل: فالفاء في العربية تدلّ على أن الثاني بعد الأول فكيف صار ما بعدها ينوى به التقديم؟ فالجواب أنّ التقديم كمثل التأخير لأنّ حقّ حروف الخفض وما معها أن تكون متأخرة.
[سورة الصافات (37) : آية 62]
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62)
أَذلِكَ خَيْرٌ مبتدأ وخبره نُزُلًا على البيان والمعنى أنعيم أهل الجنة خير نزلا أم شجرة الزقوم خير نزلا والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة وكذا النّزل والنزل إلّا أنه يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة، ويجوز أن يكون أصله النّزل فحذفت الضمة لثقلها، ومنه: أقيم للقوم نزلهم. واشتقاقه أنه الغذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه، ويقيموا فيه. وشجرة الزقوم مشتقّة من التزقّم، وهو البلع على الجهد والشدّة، فقيل لها شجرة الزقوم لأنهم يبتلعونها على جهد وتقف في حلوقهم لكراهيتها ونتنها.
[سورة الصافات (37) : آية 63]
إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63)
مفعولان.
[سورة الصافات (37) : آية 64]
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64)
إِنَّها شَجَرَةٌ خبر «إن» ولا يجوز حذف الألف من «إنها» كما حذفت الواو من إنه لثقل الواو وخفة الألف. تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ خبر بعد خبر مثل كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى [المعارج: 16] ويجوز أن يكون تخرج نعتا للشجرة.
[سورة الصافات (37) : آية 65]
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65)
طَلْعُها مبتدأ، وخبره في الجملة أو تجعل الكاف بمعنى مثل فتكون خبرا.
[سورة الصافات (37) : الآيات 66 الى 68]
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها دخلت اللام للتوكيد، وكذا لَشَوْباً حكى الفراء شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء سواهما يشوبهما شوبا وشابة.
[سورة الصافات (37) : آية 70]
فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)
قال الفراء[1]: الإهراع الإسراع فيه شبيه بالرعدة، وقال محمد بن يزيد: المهرع
[1]انظر معاني الفراء 2/ 387.