[سورة الصافات (37) : آية 100]
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100)
أي صالحا من الصالحين وحذف مثل هذا كثير.
[سورة الصافات (37) : آية 101]
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101)
أي إنه يكون حليما في كبره.
[سورة الصافات (37) : آية 102]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)
قال أبو جعفر: فاختلف العلماء في المأمور بذبحه، فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق فممن قال ذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله ذلك الصحيح عنه ورواه الثوري عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: المفديّ إسحاق. وروى الثوري وابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
الذبيح إسحاق، وهذا هو الصحيح عن عبد الله بن مسعود رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود: أن رجلا قال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وقد روى حمّاد ابن زيد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين»[1]. وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذّبيح إسحاق، وذلك مرويّ أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن عمر أنّ الذبيح إسحاق عليه السلام، فهؤلاء ستة من الصحابة ومن التابعين وغيرهم منهم علقمة والشّعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس وكعب الأحبار قالوا: الذبيح إسحاق صلّى الله عليه وسلّم.
قال أبو جعفر: أما من قال: هو إسماعيل صلّى الله عليه وسلّم فأبو هريرة، وهو يروي عن ابن عمر ثم تكلّم العلماء بعد ذلك فمنهم من قال: نصّ التأويل يدلّ على أنه إسماعيل عليه السلام لأن الله جلّ وعزّ قال: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا [الصافات: 112] فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا فهذا قد قيل، وليس بقاطع والله جلّ وعزّ أعلم لأن البشارة بنبوته في ما روي بشارة ثابتة بعد الأمر بذبحه ثوابا على ما كان منه. فأمّا وعده بأن يكون من إسحاق ابن، فكيف يأمره بذبحه فقد يجوز أن يكون ولد لإسحاق غير ولد لأنه قد بلغ السعي، فظاهر التنزيل يدلّ على أن الذبيح إسحاق لأنه أخبر جلّ وعزّ أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين قال: هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فإذا كان
[1]أخرجه أحمد في مسنده 8/ 86.
المفدّى هو المبشّر به وقد بيّن أن الذي بشر به هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وأن كلّ موضع من القرآن ذكر بتبشيره إياه بولد فهو إسحاق نبيا أي بتبشيره إياه بقوله فبشرناه بغلام حليم إنما هو إسحاق، فأما اعتلال من اعتلّ بأن قرني الكبش كانا معلّقين في الكعبة فليس يمتنع أن يكون حمل من الشام إلى مكّة على أن جماعة من العلماء قد قالوا كان الأمر بالذبح. فأما قوله: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى فمن المشكل وقد تكلّم العلماء في معناه فقال بعضهم: كان إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم أمر إذا رأى رؤيا فيها كذا وكذا أن يذبح ابنه واستدلّ صاحب هذا القول بأنها في قراءة ابن مسعود إنّي أرى في المنام أفعل ما أمرت به فهذه قراءة على التفسير دالّة على أنه أمر بهذا قبل إذ كان مما لا يؤتى مثله برؤيا، وقال صاحب هذا القول: وقد ذبحه إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم لأن معنى ذبحت الشيء قطعته، وليس هذا مما يجوز أن ينسخ بوجه. واستدلّ عليه بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم عليهما السلام: لا تنظر إلى وجهي وترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض فأخذ إبراهيم السكين فأمرّها على خلفة فانقلبت فقال له: ما لك؟ فقال: انقلبت السكين، قال: اطعنّي بها طعنة ففعل، ثم فداه الله جلّ وعزّ. قال ابن عباس: فداه الله بكبش قد رعى في الجنّة أربعين سنة. وقال الحسن: ما فدى الله إسماعيل إلّا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير. قال أبو إسحاق: يقال إنه فدي بوعل، والوعل: التيس الجبليّ وأهل التفسير على أنه فدي بكبش. فَانْظُرْ ماذا تَرى أي ماذا تأتي به من رأيك. وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما فَانْظُرْ ماذا تَرى[1].
قال الفراء[2]: المعنى: فانظر ماذا تري من صبرك أو جزعك، وأما غيره فقال: معناه ماذا تشير وأنكر أبو عبيد «تري» ، وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصّة، وكذا قال أبو حاتم. قال أبو جعفر: وهذا غلط هذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور يقال: أريت فلانا الصواب، وأريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين. قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ والقول الآخر في رؤيا إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم أنه لم يعزم على ذبحه من أجل الرّؤيا، وإنما أضجعه ينظر الأمر ألا ترى أنه قال: يا أبت افعل ما تؤمر أي إن أمرت بشيء فافعله.
[سورة الصافات (37) : الآيات 103 الى 105]
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)
فَلَمَّا أَسْلَما قال قتادة: أسلم أحدهما لله جلّ وعزّ نفسه وأسلم الآخر ابنه. وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يقال: كبه وحوّل وجهه إلى القبلة، وجواب لمّا محذوف عند البصريين أي فلمّا أسلما سعدا وأجزل لهما الثواب. وقال الكوفيون: الجواب نادَيْناهُ والواو زائدة.
[1]انظر تيسير الداني 151، والبحر المحيط 7/ 355.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 390.
قال أبو جعفر: والواو من حروف المعاني فلا يجوز أن تزاد. وفي قراءة ابن مسعود فلما سلّما وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا[1]أي فعلت ما أمرت به، وما رأيته في النوم.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة.
[سورة الصافات (37) : آية 106]
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106)
أي النعمة الظاهرة يقال: أبلاه الله بلاء وإبلاء إذا نعم عليه، وقد يقال: بلاه قال زهير: [الطويل] 372-
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو[2]
فزعم قوم أنه جاء باللغتين، وقال آخرون: بل الثاني من بلاه يبلوه إذا اختبره ولا يقال في الاختبار إلّا بلاه يبلوه، ولا يقال من الابتلاء بلاه. وأصل هذا كلّه من الاختبار لأن الاختبار يكون بالخير والشرّ. قال جلّ وعزّ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35] وقال ابن زيد: هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: وهذا من البلاء المكروه.
[سورة الصافات (37) : آية 107]
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)
الذبح اسم المذبوح وجمعه ذبوح، والذبح بالفتح المصدر.
وروى الثوري عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله جلّ وعزّ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ قال: بشّر بنبوّته، وذهب إلى أنّ البشارة به كانت مرتين.
[سورة الصافات (37) : آية 113]
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي ثبتنا عليهما النعمة.
[سورة الصافات (37) : آية 115]
وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115)
قال أبو إسحاق: في معنى وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الغرق الذي لحق آل فرعون.
[سورة الصافات (37) : آية 116]
وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116)
وَنَصَرْناهُمْ موسى وهارون وقومهما، وذهب الفراء[3]إلى أنه لموسى وهارون وحدهما واعتلّ بأن الاثنين جمع.
[1]انظر البحر المحيط 7/ 355، والمحتسب 2/ 222.
[2]انظر ديوانه ص 109، واللسان (بلا) .
[3]انظر معاني الفراء 2/ 390.
[سورة الصافات (37) : آية 123]
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123)
روى أبو إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب وإلياس: هو إدريس، وقيل: هو الخضر قال الفراء: إن أخذت إلياس من الأليس صرفته.
[سورة الصافات (37) : آية 125]
أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125)
روى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أَتَدْعُونَ بَعْلًا.
قال صنما، وروى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس «أَتَدْعُونَ بَعْلًا» قال: ربّا. قال أبو جعفر: القولان صحيحان أي تدعون صنما عملتموه ربّا. «أَتَدْعُونَ» بمعنى أتسمّون، حكى ذلك سيبويه وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ.
[سورة الصافات (37) : آية 126]
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126)
بالنصب قراءة الربيع بن خثيم والحسن وابن أبي إسحاق ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وإليها يذهب أبو عبيد وأبو حاتم، وحكى أبو عبيد: أنها على النعت. قال أبو جعفر: وهذا غلط وإنما هو البدل ولا يجوز النعت هاهنا لأنه ليس بتحلية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع الله ربكم بالرفع.
قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربّكم. قال أبو جعفر: وأولى مما قال إنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف، ورأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن الرفع أولى وأحسن لأن قلبه رأس آية فالاستئناف أولى.
[سورة الصافات (37) : آية 130]
سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (130)
قراءة الأعرج وشيبة ونافع وفيها قراءتان أخريان: قرأ عكرمة وأبو عمرو وحمزة والكسائي سلام على إلياسين[1]وقرأ الحسن سلام على الياسين[2]بوصل الألف كأنها «ياسين» دخلت عليها الألف واللام للتعريف. فمن قرأ سلام على آل ياسين كأنه والله أعلم جعل اسمه «الياس» و «ياسين» ثم سلّم على آله أي أهل دينه ومن كان على مذهبه وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «صلّ على آل أبي أوفى»[3]وقال جلّ وعزّ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: 46] فأما «الياسين» فللعلماء فيها غير قول روى هارون عن ابن أبي إسحاق
[1]انظر البحر المحيط 7/ 358، وكتاب السبعة لابن مجاهد 549، وتيسير الداني 151.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 358، وكتاب السبعة لابن مجاهد 549، وتيسير الداني 151.
[3]أخرجه أبو داود في سننه- الزكاة رقم الحديث (1590) ، وابن ماجة في سننه الزكاة رقم الحديث (1796) .
قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له وأبو عبيد[1]يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه وأهل مذهبه يسلّم عليهم، وأنشد: [الرجز] 373-
قدني من نصر الخبيبين قدي[2]
وإنما يريد أبا خبيب عبد الله بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه، وغير أبي عبيدة يرويه «الخبيبين» على التثنية يريد عبد الله ومصعبا. قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا الشرح، قال: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم فيقولون: المهالبة على أنهم سمّوا كلّ واحد بالمهلّب، قال: فعلى هذا «سلام على الياسين» سمّى كل رجل منهم الياس. وقد ذكر سيبويه «في كتابه»[3]شيئا من هذا إلّا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على وجه النسبة فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب، واحتجّ أبو عبيدة في قراءته «سلام على الياسين» وأن اسمه كما أن اسمه الياس لأنه ليس في السورة «سلام على آل» لغيره من الأنبياء صلّى الله عليه، وكما سمّي الأنبياء، كذا سمي هو. وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو بن العلاء وهو غير لازم لأنّا قد بيّنا قول أهل اللغة أنّه إذا سلم على آله من أجله فهو مسلم عليه والقول بأنّ اسمه الياس والياسين يحتاج إلى دليل ورواية فقد وقع في الأمر إشكال كان الأولى اتباع الخط الذي في المصحف وفي المصحف «سلام على آل ياسين» بالانفصال فهذا ما لا إشكال فيه. وللفراء[4]في هذا قول حسن ليس بالمشروع سنذكره ونشرحه إن شاء الله، وذلك أنه شبهه بقول الله جلّ وعزّ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [المؤمنون: 20] وقال جلّ وعزّ: وَطُورِ سِينِينَ [التين: 2] . قال وهما بمعنى واحد وموضوع واحد وشرح هذا أن الياس اسم أعجمي والأسماء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غيّرتها بضروب من التغيير فيقولون إبراهيم وإبراهيم وإبرهام هكذا أيضا سيناء وسنين والياس والياسين ويس في قراءة «سلام على آل ياسين» بمعنى واحد.
[سورة الصافات (37) : الآيات 135 الى 137]
إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137)
إِلَّا عَجُوزاً نصب على الاستثناء ومُصْبِحِينَ
نصب على الحال.
[سورة الصافات (37) : آية 138]
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138)
وَبِاللَّيْلِ
عطف على المعنى أي في الصبح وفي الليل.
[سورة الصافات (37) : آية 139]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)
لم ينصرف لأنه اسم أعجميّ ولو كان عربيا لانصرف، وإن كانت في أوله الياء لأنه
[1]انظر مجاز القرآن 2/ 172.
[2]مرّ الشاهد رقم (279) .
[3]انظر الكتاب 3/ 454.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 391. [.....]
ليس في الأفعال يفعل، كما أنك إذا سمّيت بيعفر صرفته وإن سمّيته بيعفر لم تصرفه.
[سورة الصافات (37) : آية 140]
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140)
إِذْ أَبَقَ
قال محمد بن يزيد: أصل أبق تباعد ومنه: غلام آبق وأبق وقال غيره:
إنما قيل يونس أبق لأنه خرج لغير أمر الله جلّ وعزّ مستترا من الناس. إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
قال الفراء:[1]الفلك يذكّر ويؤنّث ويذهب به إلى معنى الجميع، وقال غيره:
إذا ذهب به إلى معنى الجمع فهو جمع فلك مثل: وثن ووثن.
[سورة الصافات (37) : آية 141]
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)
فَساهَمَ
قال محمد بن يزيد: فقارع قال: وأصله من السّهام التي تجال فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
أي من المغلوبين به. قال الفراء[2]: يقال: دحضت حجّته وأدحضها الله وأصله من الزلق.
[سورة الصافات (37) : آية 142]
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)
من ألام إذا أتى بما يجب أن يلام عليه مثل: أحمق فهو محمق، فأما الملوم فهو الذي يلام استحق ذلك أو لم يستحق.
[سورة الصافات (37) : الآيات 143 الى 144]
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)
قال الكسائي: لم يكسر «أنّ» لدخول اللام لأن اللام ليست لها. قال أبو جعفر:
والأمر كما قال إنما اللام في جواب لولا وعن ابن مسعود وابن عباس «فلولا أنه كان من المسبحين» قالا أي من المصلين. قال قتادة: كان يصلّي قبل ذلك فحفظ الله جل وعز له ذلك فنجاه. قال الربيع بن أنس: لولا أنه كان قبل ذلك له عمل صالح لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال: ومكتوب في الحكمة أن العمل الصالح يرفع ربّه إذا عشر.
قال سعيد بن جبير: لما قال لا إله إلا أنت سبحانك أنّي كنت من الظالمين قذفه الحوت.
[سورة الصافات (37) : آية 145]
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145)
مما يسأل عنه يقال: خبّر الله جلّ وعزّ هاهنا أنه نبذ بالعراء وقال جلّ وعزّ لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [القلم: 49] فالجواب أن الله جلّ وعزّ خبّر هاهنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا نعمة الله جلّ وعزّ عليه لنبذه بالعراء وهو مذموم. وحكى الأخفش في جمع سقيم: سقمي وسقامى وسقام.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 393.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 393.
[سورة الصافات (37) : آية 146]
وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)
جمع يقطينة قال محمد بن يزيد: يقال لكلّ شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض: يقطينة نحو الدبّاء والبطيخ والحنظل فإن كان لها ساق يقلّها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بغير ورق مفترش فهي نجمة وجمعها نجم.
[سورة الصافات (37) : آية 147]
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)
قال أبو جعفر: قد ذكرت حديث ابن عباس أنه قال: كانت الرسالة بعد ما نبذه الحوت وليس له طريق إلّا عن شهر بن حوشب، وأجود منه إسنادا، وأصحّ ما حدّثناه علي بن الحسين قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا عمرو العنقريّ قال: حدّثنا إسرائيل عن ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حدّثنا عبد الله في بيت المال عن يونس النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: إنّ يونس صلّى الله عليه وسلّم وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا وجأروا إلى الله جلّ وعزّ، واستغفروا فكفّ الله جلّ وعزّ عنهم العذاب، وهذا يونس صلّى الله عليه وسلّم ينتظر العذاب فلم ير شيئا. وكان من كذب ولم تكن له بيّنة قتل، فخرج يونس صلّى الله عليه وسلّم مغاضبا فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة، والسفن تسير يمينا وشمالا، فقالوا: ما لسفينتكم؟
قالوا: لا ندري، فقال يونس صلّى الله عليه: إنّ فيها عبدا آبقا من ربّه جلّ وعزّ وإنها لن تسير حتى تلقوه، قالوا: أما أنت يا نبيّ الله فإنّا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرعهم يونس صلّى الله عليه فأبوا أن يدعوه قالوا: فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرعهم يونس صلّى الله عليه ثلاث مرات أو قال ثلاثا فوقع. وقد وكل الله جلّ وعزّ به حوتا فابتلعه فمرّ يهوي به إلى قرار الأرض فسمع يونس صلّى الله عليه تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال: ظلمة اللّيل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت قال: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش قال: وأنبت الله جلّ وعزّ عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظلّ بها، فيبست، فبكى عليها، فأوحى الله جلّ وعزّ إليه أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ قال: وخرج يونس صلّى الله عليه وسلّم فإذا هو بغلام يرعى فقال: يا غلام من أنت؟ قال: من قوم يونس، قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال له: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم يكن له بيّنة فمن يشهد لي قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فمرهما فقال لهما يونس صلّى الله عليه: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه، وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى الملك، فقال: إنّي قد لقيت يونس، وهو يقرأ عليكم السلام قال: فأمر به أن يقتل،
فقالوا: إنّ له بينة فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما بالله جلّ وعزّ أشهدكما يونس صلّى الله عليه وسلّم قالتا: نعم، قال: فرجع القوم مذعورين. يقولون: شهدت له الشجرة والأرض فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا، قال عبد الله: فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه فقال: أنت أحقّ بهذا المكان منّي، قال عبد الله: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. فقد تبيّن في هذا الحديث أن يونس صلّى الله عليه كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. وفيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس صلّى الله عليه آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كلّ والدة وولدها، والفاء في اللغة تدلّ على أن الثاني يلي الأول فكان حكم الله جلّ وعزّ فيهم كحكمه في غيرهم في قوله جلّ وعزّ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: 85] ، وقال جلّ ثناؤه وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: 18] الآية وقد قال بعض العلماء: إنهم رأوا مخايل العذاب فتابوا. قال أبو جعفر: وهذا لا يمتنع فأما قوله عزّ وجلّ: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: 98] فهو استثناء ليس من الأول. وقد ذكرنا معنى أَوْ يَزِيدُونَ وقول الفراء[1]أنها بمعنى «بل» ، وقول غيره أنها بمعنى الواو. وأنه لا يصحّ هذان القولان، لأن «بل» ليس هذا من مواضعها، لأنها للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعده. وتعالى الله عز وجل عن ذلك أو الخروج من شيء إلى شيء، وليس هذا موضع ذلك. والواو معناها خلاف معنى «أو» فلو كانت إحداهما بمعنى الأخرى لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائة ألف أخصر، وفي الآية قولان سوى هذين: أحدهما أنّ المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنّما خوطب العباد على ما تعرفون، والقول الآخر أنه كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، وأنت تعرف من جاءك منهما إلّا أنك أبهمت على المخاطب.
[سورة الصافات (37) : الآيات 148 الى 149]
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149)
وفي قراءة ابن مسعود فآمنوا فمتعناهم حتى حين[2]والمعنى واحد.
فَاسْتَفْتِهِمْ قال أبو إسحاق: أي فاسألهم سؤال توبيخ وتقرير أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ لأن معنى «فاستفتهم» فقل لهم.
[سورة الصافات (37) : آية 150]
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150)
إِناثاً جمع أنثى. قال أبو إسحاق: «أم» بمعنى: أبل. وَهُمْ شاهِدُونَ ابتداء وخبر في موضع الحال.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 393.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 393.